فجأة، اشتعلت الأضواء.

لم تكن شمساً، بل مشاعل ضخمة معلقة من سقف مرتفع جداً، تلقي وهجاً برتقالياً متذبذباً ساطعاً بما يكفي ليكشف كل شيء – كل زاوية، كل وجه، كل بقعة قديمة على الجدران.

أغمض أرثيون عينيه للحظة. خلف جفنيه، كان الظلام مطلقاً. ثم فتحهما ببطء ورأى ثكنات الغربان.

لم تكن زنزانة. لم تكن غرفة نوم جماعية.

كانت أرض اختبار.

المكان عبارة عن قاعة مستطيلة شاسعة، عوارض سقفها الخشبية السوداء ترتفع كأضلاع حوت متحجر. الجدران من حجر رمادي خشن، تميزت بشقوق عميقة تتدلى منها سلاسل صدئة، لا تخدم غرضاً واضحاً. الأرضية من تراب، لكن ليس تراباً عادياً – كانت مغطاة بطبقة رقيقة من الرماد الرمادي، تماماً كما مشى عليه في وادي النحيب. في كل ركن من الأركان الأربعة، وقفت أعمدة حديدية سميكة تصل السقف بالأرض، وكأنها تحمل شيئاً ثقيلاً وغير مرئي.

كان هناك أطفال. الكثير منهم. ربما أربعون أو خمسون، تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة. بعضهم جلس متربعاً على الأرض، وآخرون وقفوا في مجموعات صامتة، بينما حدق آخرون إلى أعلى – نحو منصة كانت هناك.

في أقصى نهاية القاعة، ارتفعت منصة حجرية خشنة، لا يزيد ارتفاعها عن ثلاثة أمتار فوق الأرض. على المنصة وقفت العجوز – سينثيا.

لم تكن كما رآها في غرفة الفرز. هنا، تحت ضوء المشاعل، بدت أكبر. القماش الأبيض ما زال يغطي وجهها بالكامل، لكن عينيها – السوداويتين نسبياً – كانتا تلمعان ببريق غريب. جسدها النحيل كان مغطى بثوب أسود بالٍ، وفي يدها عصاها السوداء الطويلة المعتادة. خلفها وقف حارسان، بلا حراك، كلاهما يرتدي درعاً جلدياً أسود وخوذات حديدية أخفت وجهيهما تماماً. كل ما يمكن رؤيته هو الشقوق المظلمة لأعينهما.

ساد الصمت. ثم تكلمت العجوز.

"أنا سينثيا. هذه ثكنات الغربان. ربما آخر مكان سترونه بأعينكم. القاعدة بسيطة جداً – بسيطة لدرجة أن أشد طفل غباءً بينكم سيفهمها. يجب أن تبقوا هنا ثلاثة أيام. ثلاثة أيام فقط. بعدها، من يبق حياً سينتقل إلى المرحلة التالية."

تمتمات خفيفة ارتفعت من بين الأطفال.

"لكن البقاء هنا ليس نزهة. الطعام سيكون متوفراً. لكن ليس للجميع."

أشارت بعصاها نحو زاوية من القاعة، حيث وُضع ثلاثة أوعية حجرية كبيرة على الأرض.

"مرتين كل يوم، ستمتلئ هذه الأوعية بالطعام. حساء ثخين بالخضار واللحم. يكفي ل... ربما عشرة أطفال جائعين. لا أكثر. أما الباقون... فليتدبروا أمرهم. أنتم أحرار في فعل أي شيء تريدون. اقتلوا. اسرقوا. شكلوا تحالفات. خونوا. لا قوانين هنا. سأراقب. حراسي سيراقبون. لكننا لن نتدخل – إلا إذا حاول أحدهم اختراق الجدران أو الهروب. من يفعل ذلك... سيلقى مصيراً لا يُحسد عليه."

ارتجف بعض الأطفال. تراجعت سينثيا إلى الخلف وجلست على كرسي حجري لم يلحظه أحد من قبل. جلست كعنكبوت ينتظر.

"

الوقت بدأ الآن. ثلاثة أيام."

تفرق الأطفال كالجرذان. لكن لم يتحرك الجميع بشكل عشوائي. بدأ أرثيون يلاحظ شيئاً: بعض الأطفال كانوا يقتربون بهدوء من بعضهم، يتبادلون نظرات سريعة، ثم ينزلقون إلى الزوايا ليهمسون معاً.

تحالفات.

العقل الجائع كان يبحث عن حماية. الضعفاء تعلقوا بالأقوياء، والأقوياء بحثوا عن أعين إضافية تحمي ظهورهم بينما ينامون. رأى أرثيون مجموعة من ثلاثة أولاد جالسين معاً، أكبرهم يحمل شظية حادة مدببة – ربما انكسرت من أحد الأعمدة الحديدية. رأى فتاتين تمسكان بأيدي بعضهما، تبتعدان عن الحشد نحو الجدار البعيد. الجميع كان يحسب فرصه. والجميع كان خائفاً.

أما أرثيون، فلم يتحرك نحو أحد. ظل واقفاً، وعيناه تمسحان الغرفة ببطء. حاول أن يفكر. حاول أن يكون عقلانياً في هذا الجنون.

"ثلاثة أيام..." همس لنفسه. ثلاثة أيام بدون طعام كاف. وعاءان من الحساء كل يوم، يكفيان لعشرة فقط. الباقون سيجوعون. والجوع يحول البشر إلى وحوش.

نظر إلى وعاء الحساء البعيد. شجار صغير كان قد اندلع بالفعل حوله – ولد أكبر يدفع ولداً أصغر، ينتزع مغرفته ويهرب. لم يُقتل أحد. ليس بعد.

"متى سيبدأ القتل؟" سأل نفسه. ربما في اليوم الثاني. ربما الليلة نفسها.

نسياناً زحف إلى عموده الفقري.

هل يستطيع القتل؟

سأل نفسه السؤال البارد.

أمام عينيه، رأى جثة الولد الميت في الزنزانة – رمادية، جافة، ثقوبها الخمسة. لم يكن ذلك قتلاً. كان شيئاً آخر.

تخيل نفسه يحمل حجراً، يضرب به رأس طفل آخر. تخيل الدم. الصراخ. العيون تحدق فيه قبل أن تتحول إلى زجاج. شعر بالغثيان. لكنه لم يستطع إنكار أن جزءاً منه – جزءاً صغيراً مظلماً – كان يحسب الفرص ويهمسه: قد تضطر إلى ذلك.

تراجع بضع خطوات نحو الحائط واستند بظهره إلى الحجر البارد. راقب الأطفال الآخرين. بعضهم كان يبكي. بعضهم كان غاضباً. لكن معظمهم كان صامتاً – يصر على أسنانه وينتظر.

راقب أرثيون حركاتهم. تذكر شيئاً قالته أمه ذات مرة، في حياة أخرى: "الحيوانات الجريحة هي الأخطر... لأنها لا تملك ما تخسره." نظر إلى الأطفال الجائعين القذرين من حوله. كانوا جميعاً حيوانات جريحة. وكان واحداً منهم.

رفع نظره نحو المنصة. سينثيا ما زالت جالسة على كرسيها الحجري، جامدة كتمثال. كانت تراقب. فقط تراقب. في عينيها، لم يرَ أرثيون شفقة. ولا حتى قسوة. رأى فضولاً. كانت تشاهد فيلماً من لحم ودم، وكانت تستمتع به.

أغلق أرثيون عينيه للحظة وتنفس بعمق. عندما فتحهما، بدأ يرسم خريطة في رأسه: أين أوعية الطعام؟ أين المخارج؟ لم يكن هناك أي مخرج – فقط جدران وباب حديدي مغلق. أين الزوايا المظلمة التي يمكنه الاختباء فيها؟ من بدا ضعيفاً ومن بدا خطراً؟ ومن يمكن أن يكون حليفاً... إذا اضطر للاختيار؟

لم يكن يعرف الإجابات بعد. لكنه عرف شيئاً واحداً: في هذا المكان، الصمت وعدم الظهور هما أول دروس البقاء. لن يقتل أحداً الليلة. لكنه لن ينام أيضاً.

أحد الأولاد من مجموعة قريبة نظر إليه. التقى بعيني أرثيون لثانية، ثم ابتعد بنظره. ضم أرثيون ركبتيه إلى صدره ولف ذراعيه حولهما.

ثلاثة أيام. ثلاثة أيام في جحيم صغير، مع أطفال جائعين، بلا قوانين، حيث الطعام نادر والأمل شحيح.

"

هل سأتحول إلى وحش لأبقى حياً؟" سأل نفسه.

لم يجد جواباً.

فقط الجدار البارد خلف ظهره، ونظرة سينثيا الثاقبة من فوق، وصمت الأطفال الآخرين – ثقيل كالحجر عليه.

2026/05/14 · 5 مشاهدة · 905 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026