في اليوم الأول، لم يمت أحد.

فاجأ هذا أرثيون. كان يتوقع سفك دماء خلال الساعات الأولى، أن تتحول القاعة إلى مسلخ، وأن تصرخ أصوات الموت قبل أن تخفت المشاعل. لكن لم يحدث شيء.

ربما كان الخوف أقوى من الجوع. ربما كان الأطفال لا يزالون بشراً.

بقي أرثيون جالساً في زاويته، ظهره على الحجر البارد، وعيناه تتحركان ببطء كبوصلة مكسورة. راقب كل شيء: كيف تشكلت المجموعات، من اقترب من منصة سينثيا، من اختبأ خلف الأعمدة الحديدية.

كانت هناك ثلاث مجموعات رئيسية.

الأولى: خمسة فتيان بقيادة من يحمل الشظية الحادة. جلسوا بالقرب من الجدار الشرقي، متكئين على بعضهم كذئاب صغيرة ترتجف. لم يتحدثوا كثيراً. فقط راقبوا.

الثانية: سبع فتيات، بقيادة فتاة طويلة بشعر أسود مقصوص بشكل غير متساوٍ. تجمعن حول عمود حديدي في الزاوية الجنوبية الغربية، بعيداً عن أوعية الطعام. همسن بكثافة، وعيونهن تلمع في الظلام.

الثالثة: المنبوذون – الأطفال الذين لم يقبلهم أحد. كان عددهم حوالي عشرة، متفرقين في زوايا مختلفة، كل واحد جالس بمفرده أو مع شخص آخر فقط. كان أرثيون واحداً منهم.

امتلأت الأوعية الثلاثة بالحساء. انتشرت الرائحة في القاعة – خضار مسلوقة، لحم مجهول، بخار كثيف يصعد في الهواء البارد.

اقتربت مجموعة الفتيات أولاً. لم يتشاجرن. انتظرن بصبر حتى أخذ الخمسة فتيان حصصهم. ثم تقدمت إحداهن، ومغرفة بيدها، ووزعت الحساء على أخواتها بهدوئ المخيف.

بقيت بقايا في الوعاء. انقض عليها المنبوذون كالجراد. لم يتشاجروا – لكن أعينهم كانت خائفة.

أما أرثيون، فلم يتحرك.

وقف منفرداً، ذراعاه متقاطعتان على صدره، ومعدته تئن بهدوء. الجوع كان هناك، يتسلق أضلاعه كفأر جائع. لكنه قرر ألا يأكل.

ليس لأنه قوي. بل لأنه خائف.

من يدري ماذا وضعوا في ذلك الحساء؟ من يدري إذا كان الاختبار الحقيقي ليس القتال، بل السم البطيء؟

بلع أرثيون ريقه على لا شيء وانتظر.

جاء المساء – أو ما يشبه المساء تحت نور المشاعل الأبدي.

امتلأت الأوعية مرة أخرى. نفس الرائحة. نفس البخار. لكن شيئاً قد تغير: الأطفال كانوا أكثر هدوءاً. الجوع بدأ يظهر في أعينهم، لكن الخوف كان لا يزال أقوى.

هذه المرة، تقدم أرثيون خطوة إلى الأمام.

لم يذهب إلى مقدمة الطابور. انتظر حتى انتهى الجميع تقريباً. ثم اقترب من الوعاء البارد، حيث بقيت بقايا – فتات خبز جاف متفتت، بضع ملاعق من المرق الثخين.

جثم على ركبتيه، جمع الفتات بأصابعه، وأكل ببطء.

لم يشبعه. بالكاد ملأ جوفاً صغيراً في معدته. لكنه كان كافياً ليمنع يديه من الارتعاش.

طعم الفتات كان مراً قليلاً، ورائحته تذكره بدخان الخشب القديم. لم يعرف إذا كان هذا طبيعياً أم لا. لكنه لم يمت. كان ذلك كافياً.

ابتعد عن الوعاء وعاد إلى زاويته.

ساعات مضت.

الوقت في كان يُقاس بوهج المشاعل. كانت تخفت وتزداد سطوعاً في دورات بطيئة، لكنها لم تنطفئ أبداً. لم يكن هناك ليل حقيقي هنا، فقط شفق أبدي.

تكوم الأطفال للنوم. بعضهم نام في مجموعات، بعضهم بمفرده. فتاة صغيرة بكت في نومها، تهمس "ماما... ماما" بصوت أجش.

أرثيون لم ينم تماماً.

عندما هدأت الضجة، وقف ومشى بخطوات خفيفة كقط ضال. جال في محيط القاعة، يلمس الجدران، يعد الأعمدة، يقدر المسافات.

كان يبحث عن شيء. مخرج؟ سلاح؟ الحقيقة؟ لم يكن متأكداً.

في الزاوية البعيدة، خلف العمود الحديدي الجنوبي الشرقي، وجد شيئاً لم يلحظه أحد من قبل: فتحة تهوية صغيرة في الجدار، بحجم قبضة اليد. كانت مظلمة، وتهب منها ريح باردة جافة. وضع يده عليها وشعر بالهواء ينزلق بين أصابعه.

لم تكن مجرد فتحة تهوية. كان هناك صوت.

همس خافت جداً، قادم من عمق الحجر. لم يستطع تمييز الكلمات، لكنه تعرف على النبرة: بدت كأم تهمس لطفلها قبل النوم. رقيقة. دافئة. لكنها كانت قادمة من الجدار، ولم يكن من الممكن أن تكون حقيقية.

ابتعد بسرعة وعاد إلى زاويته.

بعض الأطفال ناموا. آخرون لم يناموا. وعينا سينثيا بقيتا مفتوحتين من فوق، تراقبان.

بعد ما يعادل يوماً كاملاً (بتقدير أرثيون الخشن)، تغير شيء في الجو.

بدأ الأطفال ينظرون إلى بعضهم بنظرة مختلفة. لم تعد حذراً. أصبحت حسابات.

مجموعة الفتيان الخمسة كانت تهمس بكثافة. مجموعة الفتيات السبع كانت قد قلصت المسافة بينها وبين المنبوذين. حتى الجالسين بمفردهم بدأوا يتحركون ببطء نحو أقرب جسم دافئ.

الجوع بدأ يظهر. ليس فقط في بطونهم – بل في أعينهم. نظرات الأطفال أصبحت أعمق، أكثر بياضاً، وكأن عظام وجوههم بدأت تبرز من تحت جلودهم.

في اليوم الثاني (أو ما يشبه اليوم الثاني)، حدث أول شجار.

لكنه لم يكن على الطعام.

كان على بطانية.

فتاة صغيرة، لا تزيد عن الثانية عشرة، كانت ترتجف من البرد. كان لديها قطعة قماش بالية تلف نفس بها. اقترب منها ولد أكبر وطلب البطانية. رفضت. انتزعها منها.

لم تضربها. لم تشتمه. فقط جلست على الأرض وبدأت تبكي بصوت عالٍ، بكاء طفل حقيقي لا يعرف كيف يوقف دموعه.

اقترب منها ولد من المنبوذين – نحيل، بعينين غائرتين وشعر غير مهذب. جلس بجانبها، ثم أعطاها كم قميصه.

مزق كم قميصه الممزق ولفه حول كتفيها.

لم يقل شيئاً.

الولد الذي أخذ البطانية نظر إليه، ثم نظر إلى الآخرين، ثم ابتعد بغنيمته الرخيصة.

لم يكن هناك دم. لكن أرثيون شعر أن شيئاً قد تغير.

القتال لم يبدأ بعد. لكن الأخلاق كانت تموت أولاً. وكانت البطانية مجرد البداية.

نام أرثيون قليلاً وعندنا استيقظ لاحظ ان رائحة الخوف أصبحت أقوى من رائحة الحساء.

------

تعليقاتكم تساعدني على الاستمرار❤️

2026/05/14 · 5 مشاهدة · 808 كلمة
Dark moon
نادي الروايات - 2026