مدّ أرثيون يده.
لم يفعلها بسرعة. لم يفعلها بحماس. كانت حركة بطيئة، محسوبة، كشخص يقرر الغرق لأنه لم يعد يجد أي سبب للطفو.
مسك يد جاسمين للحظة. ثم همس بصوت لم يستطع أحد آخر سماعه:
"أوافق. لكن لي شرط... وخطة."
رفعت جاسمين حاجباً. نظرت إليه بعينين متعبتين لكن حادتين. اقتربت خطوة، تميل برأسها.
"تكلّم. بسرعة. لا أحد ينظر إلينا."
نظر أرثيون خلفها. الفتيات كانت مشغولة ببعضها. براين كان بعيداً، يتحدث إلى دانيال. لا أحد كان ينظر إليهما.
همس:
"قبل أن أشرح خطتي، عليكِ أن تعرفي شيئاً."
"ماذا؟"
"الفتاة التي قُتلت الليلة الماضية... التي أشعلت القتال بين المجموعتين... لم يكن براين ولا أي من فتيانه."
تجمدت جاسمين. اتسعت عيناها.
"ماذا تقول؟"
تابع أرثيون:
"رأيت من قتلها. فتى من المنبوذين. ذلك الذي دفعه براين وأهانه أمام الجميع."
"لماذا لم تخبرني من قبل؟" همست بغضب.
"لأنني كنت بحاجة إلى التوقيت المناسب. والآن هو التوقيت."
زفرت جاسمين بصعوبة. "من هو؟"
"نورس. انضم إلى براين بعد المعركة."
توقفت جاسمين للحظة، تفكر.
"إذاً؟"
شرح أرثيون:
"سنهدده. سنخبره أننا نعرف الحقيقة. إما أن يصبح جاسوساً لنا داخل مجموعة براين، أو نفضحه."
"وماذا لو خاننا ببساطة؟"
ابتسم أرثيون ابتسامة باردة:
"إذا خاننا، سنخبر براين أن نورس هو من قتل الفتاة. برين خسر ثلاثة من فتيانه الأصليين في المعركة التي أشعلها نورس. سيقتله بيديه. ليس لأنه يكرهه، بل لأنه يحتاج إلى من يلومه."
نظرت إليه جاسمين لوقت طويل.
"إذاً، نورس محاصر بيننا وبين براين."
"بالضبط. إذا أطاعنا، يعيش. إذا خاننا، يموت."
"حسناً. متى نلتقي به؟"
"الليلة. عندما ينام الجميع."
---
في منتصف الليل، عندما خفتت المشاعل وثقلت العيون، تحرك أرثيون وجاسمين بهدوء نحو زاوية براين.
كان نورس جالساً وحيداً على حافة المجموعة، عيناه مفتوحتان، لم ينم بعد. كان ينظر إلى الأرض.
اقتربت منه جاسمين من الخلف. همست:
"نورس."
التفت. رأى جاسمين وأرثيون واقفين أمامه. تجمد.
"لا تخف. تعال معنا."
تردد لحظة ونظر حوله. براين كان نائماً. الآخرون أيضاً. وقف ومشى خلفهما إلى زاوية بعيدة، خلف عمود حديدي، حيث لا يستطيع أحد رؤيتهم.
توقف الثلاثة.
سأل نورس بصوت خائف: "ماذا تريدان؟"
تحدث أرثيون أولاً، بصوت هادئ وجاف:
"نعلم أنك قتلت الفتاة."
ارتجف نورس. "ماذا؟ لم أكن..."
قاطعه أرثيون:
"رأيتك. في الليلة التي قُتلت فيها. كنت واقفاً بالقرب من منطقة الفتيات. رأيت يديك حول رقبتها. قتلتها ببرود."
فتح نورس فمه ليتكلم، لكن الكلمات لم تخرج. وجهه أصبح شاحباً.
"تحاول إنكار؟" سألت جاسمين ببرود.
"أنا... لم أقصد..." تلعثم نورس.
"لا يهم"، قالت جاسمين. "المهم أننا نعلم."
نظر إليهما نورس بعيون خائفة. "ماذا تريدان مني؟"
تقدم أرثيون إلى الأمام:
"ستبقى مع براين. ستراقبه. ستخبرنا عندما يخطط للهجوم، وماذا ينوي."
"وإذا رفضت؟"
"سنخبر براين أنك قتلت الفتاة"، قال أرثيون ببرود. "سيقتلك. الجميع سيزدرونك."
"وإذا وافقت ثم خنتنا؟" همس ارثيون.
تابع أرثيون:
"سنخبر براين أيضاً. سنخبره أنك خططت للفتنة من البداية. سنخبره أن ثلاثة من فتيانه ماتوا بسبب المعركة التي أشعلتها. براين يبحث عن من يلومه. أنت الشخص المثالي."
ارتجف نورس. اتسعت عيناه. همس بصوت مبحوح:
"أنتما شياطين."
"نحن جائعون"، قالت جاسمين. "والجائعون يفعلون ما يفعلون."
صمت نورس لوقت طويل. كان يفكر. كان خائفاً. عرف أنه لا مفر.
"حسناً"، همس أخيراً. "ماذا تريدان الآن؟"
نظر أرثيون إلى جاسمين. أومأت.
"لا شيء الآن. فقط راقب. عندما نحتاجك، سنأتي إليك."
ابتعد نورس ببطء، وعيناه على الأرض، وخطواته ثقيلة. عاد إلى زاوية برين وجلس في مكانه. لم ينم تلك الليلة.
عندما جاء صباح اليوم الثالث، لم يحضر الحراس أي طعام.
بقيت الأوعية فارغة. نظر إليها الأطفال، ثم إلى بعضهم. الجميع كان جائعاً. الجميع كان متعباً.
وقف براين أولاً. نظر نحو جاسمين.
"لم يأت طعام"، قال بصوت عالٍ.
"نحن نرى"، ردت جاسمين ببرود.
"لديكم شيء مخبأ، أليس كذلك؟"
"لو كان لدينا أي شيء، لأكلناه."
زفر براين. نظر إلى فتيانه. كانوا منهكين.
التفت إلى جاسمين مرة أخرى:
"لا أريد قتالاً اليوم."
"ولا أنا."
توقف لحظة. ثم قال:
"لننتظر. ربما يجلب المساء شيئاً."
عاد إلى زاويته وجلس. تبعه فتيانه.
بعد ساعات، اقترب نورس من زاوية جاسمين بهدوء.
مر بجانبها وهمس بسرعة:
"براين يخطط للهجوم عندما تنامين. إنه غاضب لأن الطعام لم يأت. يعتقد أنك تخبئين شيئاً. لذلك قرر مهاجمتك قبل أن تهاجميه."
نظرت جاسمين إلى أرثيون.
فكر أرثيون لثانية. ثم همس لنورس:
"أخبره أنك سمعت أن جاسمين وفتياتها يستعددن. أخبره أن لديهن كميناً. اجعله يعتقد أن الهجوم فكرة سيئة."
نظر إليه نورس. "قد يمنعه ذلك الليلة. لكنه سيهاجم لاحقا. قبل أن ينفد الوقت."
رد أرثيون: "هذا كافٍ. لم يبقَ سوى القليل من الوقت..."
أومأ نورس وابتعد.
نظرت جاسمين إلى أرثيون. "هل أنت متأكد مما تفعله؟"
"لا. لكنه الخيار الوحيد لدي."
عندما حل الليل ولم يأت الطعام بعد، وبعد أن تأكد أرثيون أن الجميع نيام أو نصف نيام، تحرك وحده.
كان لديه شيء في ذهنه منذ أيام. جثة حريش وجدها خلف أحد الأعمدة البعيدة. كان قد مات منذ وقت ليس بطويل – ربما يومين أو ثلاثة. لم يهتم به أحد.
عندما وصل إلى الجثة، انحنى وسحبها من ذيلها. كانت لا تزال طازجة إلى حد ما. غير متعفنة بالكامل.
مزق قطعة من ملابسه البالية ولفها حول يده. لم يرد لمس الجثة مباشرة. لم يكن يعرف ماذا قد يسببه سمها أو جراثيمها.
بدأ يقطع الحريش إلى قطع صغيرة بحجر. بعناية، فصل الرأس عن الجسد، ثم قطع الأرجل، ثم شق البطن.
كان لون اللحم داكناً، وله رائحة نفاذة كريهة. استمر أرثيون في تقطيعه إلى قطع صغيرة جداً، ثم فتتها بين أصابعه، التي لا تزال ملفوفة بالقماش، حتى تحولت إلى شظايا صغيرة.
ثم مشى بهدوء نحو الأوعية الحجرية. ألقى نظرة على زاوية براين. الحارس الذي تركوه كان مستيقظاً. لم يغلبه النعاس. لكنه كان متعباً لدرجة أنه لم يلاحظ وجود أرثيون. عيناه كانتا نصف مفتوحتين، تحدقان في الفراغ.
انتظر أرثيون لحظة. تأكد من أن الحارس لا ينظر في اتجاهه. ثم وضع يده فوق الوعاء الأول. نثر قليلاً من الشظايا.
ثم الوعاء الثاني.
اختلطت الشظايا ببقايا الطعام الجافة العالقة في زوايا الأوعية. لم يترك أثراً واضحاً.
تراجع بسرعة. ثم عاد إلى زاويته. وجلس كما كان.
لم يلاحظه أحد
كان هذا هو اليوم الأخير في عنبر الغربان. بضع ساعات فقط تفصلهم عن إعلان النهاية.
لكن الجميع كان جائعاً.
حتى العظام شعرت بالفراغ. المعدة توقفت عن الألم. أصبحت شيئاً آخر. أصبحت جزءاً من الهواء.
ترك براين الحارس مستيقظاً. لم يأمره بالنوم. كان يعلم أن الطعام قادم. لكنه لم يعلم من أين.
الآن، كل ما تبقى هو الانتظار.
أي وجبة – مهما كانت صغيرة – ستأتي عاجلاً أم آجلاً.
وعندما تأتي، ستكون شظايا الحريش في الأوعية.
ولن يعرف أحد من وضعها هناك.
أغمض أرثيون عينيه.
سمع نبض قلبه. كان بطيئاً. هادئاً.
لأول مرة منذ أيام، لم يكن خائفاً.
كان مستعداً.