ليلةٌ باردة .. مطرٌ ينهمر .. رياحٌ متجمدة؛
في مقبرة صغيرة .. فتاة ممددة كملاك نائم على التُراب الرطب، يتسخ ثوبها الجميل الرقيق .. و البرد يلسَع وجهها المُحمر ..
تبدو كالميّتة ،و الدموع تسيل من عينها لم تجف بعد ..
يقف حولها أُناس يرمون عليها الورود حتى تختفي تحتها.
تفتح ..عينيها تصرخ: أنا لم أمت بعد !!
لكن، شيء غريب يحدث .. لا تستطيع سماع ما تقول ؛
تحاول الصراخ وهي متجمدة مكانها :لم أمت بعد !!!
لقد كانت صرخةً صامتة؛
تتساءل:هل أنا لا أسمع أم اختفى صوتي ؟!
مشلولة لا تتحرك .. مذعورة لا تتحكم؛
شعور يخنقها .. و العجز يُخضِعها؛
تناجي نفسها: مالذي يحدث .. هل أنا ميتة؟!
...
و بهذه الحالة المروّعة صوتٌ صاخب يشق أذنها؛
عاجزةٌ تترقب .. إنه يتصاعد .. تستجمع قواها.. تكافح؛
ثم تنهض بقوة .. تفتح عينيها ؛
تجد نفسها على السرير ... لقد كان حلماً مزعجاً.
...
إنه المنبِّه مازال يرِن .. الساعة 4:30 صباحاً
مكتوب عليه عنوان: ((الوَعد)).
حلقها جاف و شعرها مبعثر.. تفرك عينيها المتعَبة
تستغرب .. إنّ الدموع على خدِّها تسيل؛
تستشعر وسادتها الرطبة الدافئة .
تهمس:دموعٌ لم تُذرف حتى بفراق والِدَيّ .
تلاحظ أن باب غرفتها مفتوح..
هنالك فتاة صغيرة تراقب بخوف وهي تبكي بصمت؛
تمد يديها .. تركض الطفلة لتَرتَمي لحضنها الدافئ.
تصرخ بصوتٍ عميق:أختي! .. طوال الوقت كنت تصرخِين و تَبكِين .. لقد أخفتني! .. هل أنتِ بخير Kyouko(كيوكو)؟
ترد بهدوء :أنا بخير Kyoury (كيوري)
.. بلحظات هادِئة .. تغفو على حضنها؛
تحمِلها إلى سريرها .. تُقبل رأسها .. تخرج و تغلق الباب بهدوء.
...
تَخرُج Kyouko إلى شُرفة غرفتها لتتأمل المَقبرة؛
تهمِس بهدوء : أمي .. أختي بخير .. إنها ذكيّة ؛
ألديكِ وصيّةٌ أُخرى لي؟
... أمي ...
أريد أن أعرف يا أمّي لم بكيت جوارِك في حلمي
فقد تجاوزت ذلك، فكيف يُحزِنني و أنا التي لم ينزل دمعي حتى بالفراقكِ... .. كيف؟!
لا تُبالي و لا تقلقي عليّ ..رغم المسؤولية الثقيلة و الهموم الكثيرة و التجارِب المريرة و آلامي الدفينة .. إلا أنّهُ أمامي.. كالشَّمعة المنيرة ؛
إنه الذي علّمني حبّ أُختي ،و بِرَّ أُمي ،وَ إِطلاقَ دمعي ،و رجاءَ رُوحي ،و فَتْحَ قَلبي ،و كَسّْرَ صَمتي..بِنَثّْرِ شِعري ،فَذابَ قَلَمِي ،وَلَمْ يَحمِلني ، فجِئتَ أنتَ..رَسمتَ دَربِي ،حتى سَكنَتَ..بروحِكَ قلبي.
و بلحظة شاعريّة على شرفتها و الهواء البارِد يُلاعب شعرها الذي يَستُره ظلمة الليل، تهدأ و تغمض عينيها تدعو لهما.
...
تدخل و تتجهز .. ترتدي ثوب جميل، تجلس على فراشها الدافئ .. ساعتها تشير 4:55
تهمِس:سيحين الوقت.. سيتصل قريبا.
تغمض عينها .. تتأمل شاشة الهاتف التي تظهِر اسمه... وتعود بها الذاكرة إلى ذلك الممر المزدحم في الجامعة،عندما كان اللقاء الأول.
...
فتيات يتهامسن حول تلك الوسامة الباردة...يقف التوأمين جانباً؛
لينِن Lynen:أخي ارجوك لا تُخجِلني أمامهم .. الكل يتحدث أنك ملتصق بي دائماً!
لوكين Loken:لِمَ أُبالي و أنتِ معي.
لينِنLynen: أريد أن أتخلص منك .. لقد تَعبت.
يبتسمLoken و يفتح عينيه الفضية الجميلة ،تدرك لينِن و تركز ناظِرةً إليه ،يقول:و أين المشكلة أختي .. هل تعبتي مني حقا .. ان أردت استطيع العيش وحدي .
تعبس Lynen و تَزفُر بقوة .. لم يعجِبها الكلام.
يضع يده على رأسها، و يهمس:أنتِ أفضل أخت في العالم ..لا أحتاج لأحد و أنتِ معي .. لا أحد سيتحملني .
لينن:أخي انا أعيش لأخدمك .. انت تصنع هدف حياتي.
لوكين يضحك و يفرك رأسها: هيا للمحاضرة ...
...
كيوكو لمحت التوأمين..و تلاقوا في طريقهم للمحاضرة.
لينِن تُناديها:كيوكوKyouko !! كيف حالك؟
كيوكو : اهلا لينِن.. أنا بخير.
يمشي لوكين و يسبقهما وحده؛
تناديه لينِن:انتظر لا تمشي وحدك.. قد تقع !
يرفع يده مشيراً (لا تُبالي)..
كيوكو:لما تخافين عليه لهذه الدرجة.
لينِن تسكت قليلاً ثم تقول :لا استطيع إِخبارك.
كيوكو:لا يهمني؛ لكن أنتِ تبالغين .. هل ستقتلين شخص من أجله مثلاً!
تضحك لينِن:أتمنى ألا أحتاج للقتل لأني قد أفعلها !
تضحك كيوكو:كم انتِ مُراعية .
لينِن :لوكين يستحق أكثر من هذا..عأيِّ حال..هيا نذهب.
تقول كيوكو في نَفسِها:توأم لطيف.
...
تنتهي المحاضرة.. خرج الجميع..و لوكين يجلس وحده في المقاعد الأمامية .. يتمعّن كتابه المفتوح ..تُراقِبه كيوكو باستغراب..عينيه ثابتة لا تتبع السطور..كأنه سارح في خياله.
تنزل لينن و كيوكو من أعلى المدرَّج إليه ؛يلتفِت نحوهم بصوت وَقعِ أقدامِها المألوف.. يَعرف أنها أخته.
تقترب لينن و تلمس كتفه و تهمس: هيا!
فينهض و يمشي بهدوء شديد أمامها .
تناديه كيوكو باِستِعجاب: نَسيت كتابك!!
يتوتر لوكين قليلا.. فتلتقِطه لينِن و يكمِلون الطريق.
...
يمشون في الممرات..ينادي لينِن بعض رِفاقها.
يتابع لوكين وحده .. تَنسَل كيوكو و تقول بصوت منخفض لِلوكين:أريد أن اتحدث معك بعيداً عن لينن !
يَستغرب لوكين.. لكن يُظهر هدوء و ضبط نفس عالي
.
لينِن تراقِب لترى كيوكو تذهب وحدها و أخوها يتوجه بهدوء للخارج.
بعد دقائق يلتقيان في الحديقة؛
جَلسَتْ في مقعد أمامه..رفع عينه إليها و سأل:
هل هناك مشكلة كيوكو؟
فتسأله بصوت ناعم السؤال المفاجِئ دون مقدمات:
هل أنتَ تراني؟
يشيح بنظره .. يُغمِض عينيه ... لا رد!!! ...
تُمسِك كيوكو قلَمها و ترميه على وجهِه!
لقد أصابه دون أن يرمِش! .. فانتفض و توتر .
تسأله بنبرة أعلى: لِما لَم تتفاداها؟!!
يَحمر وجهه من التوتر .. لا رد.
تصرخ عليه:تكلّم..أجبني بصدق لوكين .. هل طوال الوقت تُمثِّل!!؟
لا رد ...
تقول بصوت حَزين متألمة:
هذا مُتعب عليك .. لا أحد يتحمل هذا !
اخبرني ما بك؟ لا أتحمل رؤيتك هكذا طوال الوقت.
هذا ليس أنت .. لا تُدعي القوة حتى تُضني نفسك.
حينها سقطتْ أقنعته فأدرك أنه كُشِف..شيءٌ لامس قلبه؛
يرفع رأسه و يفتح عينيه لها .. لِتغرق في جمالها المميز؛ تَلمع .. تَبرق و تتجمع .. تسقط حتى تَدمَع!
تسيل دموعه؛حينَها يُصغي لِقلبِه:
لقد فهمني أحد.
يقول متردد كأنه يَختنِق:أنا ..أنا أعمى!!!
تنهار كيوكو و تضع يدها على فمها حتى لا يسمع؛
فتدرك ببالها متعجّبة: لوكين.. كيف؟ ..كيف يتقن التمثيل !
يمشي بين الناس و يتحدث معهم و يحرك عيونه و يبدي تعابير كما لو أنه طبيعي .. لم يلاحظه أحد
و كل هذا بحاسة سمع حادة ...
كم هو عبقري .. لكنه في الحقيقة متعب و يحتاج لينن.
لقد فَطر قلبي .. و هزَّ كياني.
ترى الرِجال صخوراً، لكن ألبابهم طريّة..يشقّه الماء.
يسأل لوكين كالطِفل: ما هذا الذي على خدّي يسيل.. انه دافئ!
تلاحظ ضبابية أمامها.. ماء دافئ يسيل على خدها ايضاً!
بصَوتِها الحنون ،الذي يمسح الجفون:
نحن نبكي يا لوكين إنها الدموع..هكذا هي الدموع أذاً.
إنّنا نجرب شيء جديد.
ضحكة ممزوجة بالحزن تعلوهما .
و هي تُمسك هاتفها..مستلقية على فراشها،تروي لنفسِها قصة عمرها:
كم الأقدار غريبة و جميلة ... كان لقاؤنا الأول كله بكاء
لكنه كان الأجمل..فقد أخرجت الدموع و اسقطت الهموم؛
وعدنا الجميل .. كم هو جميل أن تملك سراً بينك و بين الشخص الأهم...هل ستوفيه اليوم؟ .. هل ..
يقطع تفكيرها صوت الهاتف يرن .. انه هو .. لوكين!
تتوتر قليلاُ... ترفع السماعة و تجيب بصوت خافت:أهلاً
يرد صوت غير مألوف.. رجل غريب .. صوته صاخب و يلهث و من حوله ضجة غريبة؛
يسأل:صاحب الهاتف زوجكِ.. صحيح ؟!
تخاف و تجيب بخجل : .. ننن نعم ... لكن نحن لم ..
يقاطعها :تعالي للمستشفى بسرعة !!
المدعو لوكين في العناية المركزة تعرض لطعنة خطيرة!
يرتجف جسدها .. يسقط الهاتف من يدِها..تمسِك برأسها
يتصاعد صوت تنفسها و يتردد شهيقها كأنها تختنق!
قلبها يكاد ينفجر من صوت ضرباته التي تَنفِض جسدها!
تخاف و تهرع :ماذا أفعل .. ماذا أفعل .. طعن .. ماذا أفعل .. ماذا أفعل ... لوكين .. ماذا أفعل!!؟
ماذا!!!
يتبع....