الفصل الثاني
عاد الزمن في العالم الحقيقي كأنه لم يتزحزح، البوق أكمل نبرته، وقطرة الماء سقطت أخيرًا، والهاتف تابع ثرثرته
إيليانا جلست على أرض المطبخ، أنفاسها ثقيلة، جسدها يحاول أن يثبت لنفسه أنه لم يمت
موضع الوشم قرب وركها كان يحترق تحت القماش، حرق لا يهدأ، كأنه جرس صغير لا يتوقف
حاولت أن تقول كذبة سخيفة لتجرب، أن تقنع نفسها أن ما حدث حلم
لم تخرج الكلمة
انقبض حلقها كأن اللغة قفل
فهمت دون تجربة ثانية
لا كذب
في الساعات التالية بحثت في الشبكة بحذر، كلمات مبهمة عن توقف الزمن، عن أحلام مشتركة، عن مكان حجر أسود
وجدت صمتًا أكثر من الإجابات
وجدت أشخاصًا يكتبون نصف جملة ثم يمسحونها
وجدت خوفًا جماعيًا من الاعتراف، كأن ذكر اللعبة يجلبها
مرت الأيام، وإيليانا تراقب الوقت لا لتعيشه، بل لتخافه
كانت تتخيل مذابح في أماكن لا علاقة لها بالموت
كانت تتخيل أن الضوء في المصابيح يراقبها
ثم ظهر على الهاتف سطر غريب، يظهر ويختفي
"العودة خلال 6 ساعات"
لم يكن تطبيقًا
لم يكن رقمًا معروفًا
كان حكمًا
لم تتصل بأحد
لم تبحث عن النجده
لا وعد بينها وبين احد خارج ذلك المكان، لا اسم حقيقي، لا رقم، لا اتفاق
هذا الغياب كان أخطر من أي تواصل، لأنه يعني الوحده في مواجهة المجهول
توقفت المدينة مرة أخرى في موعدها، حركة الناس تجمدت، والهواء صار ثقيلًا
ثم القطع
ثم الحجر الأسود
عدد المختارين كان أكثر
وجوه جديدة، ووجوه تحمل آثارًا خفية، عيون تعلمت أن لا تصرخ حتى وهي تموت
الجميع يتوجس
الجميع ينظر إلى السماء الرمادية كأنها قد تنطق
السؤال نفسه في العيون
من الذي يفعل هذا
ولماذا
رن الجرس
ظهرت الكلمات
"المحاكمة الثانية"
"مدينة بلا ظلال"
"المدة داخل المحاكمة 7 أيام"
"الوقت في العالم الحقيقي متوقف"
"قانون المدينة من يتكلم يموت"
"النجاة لمن يحل العقد السبعة"
"العقوبة لعنة ثانية"
انفتح باب واسع إلى مدينة كاملة
دخل المختارون
ثم انقطعت الأصوات
كأن الهواء ابتلع اللغة
إيليانا حاولت أن تحرك شفتيها
لم تنطق بصوت
لذلك لم تمت
فهمت الفرق سريعًا، القاعدة ليست أن الكلام مستحيل، القاعدة أن الصوت قاتل، ومع كل قاعدة قاتلة يوجد شيء يجعلها تنكسر لصالح من يفهمها
المدينة كانت سريالية
شوارع طويلة، مبانٍ عالية بلا نوافذ، مصابيح تضيء بلا مصدر، ولا ظل لأي شيء، حتى أجسادهم بلا ظل، كأن الضوء يرفض الاعتراف بجهة مظلمة
في السماء فوق المدينة سبع علامات مضيئة، كنجوم منخفضة، كل علامة ترتجف ثم تسكن
العقد السبعة
تبعثر الأشخاص حولها ينظرون بتوجس ،يبحثون عن شيء لا يعلمون ماهو، شيء يمنح الخلاص
إليانا كانت منهم تتحرك بحذر ونظراتها بتدقيق
لتلمح رمزا محفورا على جدار أملس، دائرة قريبة من شكل وشمها، حين لمسته بأطراف أصابعها ظهر المعنى في ذهنها مباشرة
"العقدة الأولى رؤية ما لا يُرى"
رفعت رأسها
مدينة بلا ظلال
إذًا الظل هو ما لا يُرى هنا
إذا كان المطلوب رؤية ما لا يُرى، فالحل ليس البحث عن شيء جديد، بل إعادة إدخال شيء مُنع
ظل
لكن لا ظل بلا عائق، ولا عائق في مدينة تلمع كلها، الضوء هنا ليس ضوءًا طبيعيًا، إنه قانون
والقانون لا يُهزم بقوة، يُهزم بثغرة
الثغرة غالبًا في اللعنات، لأن المحاكمه قالتها بوضوح في المرة الأولى، اللعنة مفتاح
إيليانا أدخلت يدها تحت القماش، لمست الوشم مباشرة
حرارة حارقة
ثم ركعت وألصقت كفها بالأرض
لم تطلب ظلًا
صنعت استثناء
رددت بداخلها بحقيقه ثابته
' اسمي إيليانا '
الوشم توهج لحظة، وعلى الأرض تحتها ظهر خط ظل رفيع، كشق في الضوء
العلامة الأولى في السماء ارتجفت ثم ثبتت
نجح الحل الأول
لكن النجاح هنا لا يعطي أمانًا
يعطي استهدافها لمن يكتشف مافعلت
في اللحظة التي ثبتت فيها العلامة الأولى، عاد إلى المدينة شيء يشبه الصوت، أجراس بعيدة، وخطوات كثيرة تأتي من الشوارع بلا ظلال
ظهر نص فوق شارع طويل
"العقدة الثانية تسليم المفتاح"
ثم سطر آخر أثقل
"المفتاح يُسلَّم طوعًا" "أو يُنتزع"
إيليانا فهمت بسرعة، إذا كانت اللعنة مفتاحًا، فالعقدة الثانية تطلب تسليم لعنة، أو جزءًا منها، أو امتياز الاستثناء الذي صنعته
أي أنها تطلب أن تتحول من صانعة ظل إلى شيء يُستخدم لصنع الظل للآخرين
هذا يعني أنها صارت هدفًا
رفعت رأسها
وفي نهاية شارع بعيد، رأت أوريون
ليس قريبًا منها، لا يقترب، لا يلوح، لا يطلب
كان واقفًا وحده، صامتًا، كأنه جزء من الجدار، عيناه سوداوان في الضوء كأنهما لا يعكسان شيئًا
لم يقل شيئًا
لكن نظرة واحدة قصيرة كانت كافية لتفهم خطرًا جديدًا
إذا فهم أوريون أن المفتاح هو إيليانا، فقد يحاول انتزاعه، ليس بدافع كره، بل بدافع بقاء، وهي تعرف أنه لا يتردد عندما يحين وقت الثمن
وفي نفس اللحظة، سقط أول صياد بلا ظل من سقف مبنى بلا نافذة
هبوطه كان بلا صوت
لكن الأرض ارتجفت
وهنا انتهى الفصل الثاني
لأن العقدة لم تعد لغزًا فقط
صارت حربًا على المفتاح
وصارت إيليانا تقف بين خيارين كلاهما قاتل
أن تسلّم نفسها طوعًا
أو أن تجعل انتزاعها مستحيلًا حتى لو احترقت الحقيقة على جلدها