الفصل الثالث
كان الصمت في المدينة الخالية من الظلال أثقل من الرخام، ليس صمتًا طبيعيًا بل صمت قانون، صمت يحمل سكينه ويبتسم
إيليانا لم تركض فورًا
الركض يجذب العيون، والعيون هنا تُترجم إلى مطاردة
الخط الرفيع من الظل الذي صنعته على الأرض ظل قائمًا لحظة، ثم بدأ يخف، كأنه لا يحب أن يبقى شاهدًا
فهمت أن الاستثناء مؤقت
وأن القاعدة ستبتلع كل شيء إن لم تُغذَّي الثغرة من جديد
الصياد الذي سقط من سقف المبنى لم يكن له ظل ولا ملامح واضحة، جسده كقطعة ليل مشدودة على عظم، أطرافه طويلة، ومفاصله تتحرك كأنها تعرف طريقها مسبقًا
وجهه سطح أملس، ومع ذلك شعرت أنه يراها
لم يتكلم
الصيادون هنا لا يحتاجون صوتًا ليأمروا
تراجع المختارون بعيدًا، بعضهم حاول أن يدفع غيره أمامه، حركة الأيدي صارت لغة جديدة، لغة النجاة
أحدهم أشار إليها ثم أشار إلى نفسه، كأنه يقول إنقاذي وأنا أساعدك
إيليانا لم ترد
لم تكن قادرة على الثقة، ولا على الرفض بصوت، ولا على الوعد بكلمة
كانت قادرة على شيء واحد فقط
أن تختار أي حقيقة تعرضها للعالم
القانون يقول إن الكلام يقتل
لكن القانون لم يقل إن كل تعبير يقتل
لم يقل إن التنفس يقتل
لم يقل إن الإشارة تقتل
إذًا المدينة تقتل الذبذبة الصوتية، لا النية
وهذه ثغرة أولى
لكنها لا تحل العقدة الثانية
العقدة الثانية تطلب تسليم المفتاح
والمفتاح هنا ليس قطعة معدن
المفتاح هنا لعنة، واللعنة على جلدها، والمكان يعرف موضعها كما يعرف الكهنة موضع قلب الذبيحة
صاحت في داخلها دون صوت، ليس خوفًا، بل غضبًا باردًا
ثم تحركت
اتجهت إلى أقرب زقاق، ليس لأنه يخفيها، فالمدينة بلا ظلال، بل لأنه يجبر الصياد على الاقتراب أكثر، والاقتراب أكثر يعني أن القواعد قد تُقرأ على جسده
ركضت بخفة قصيرة، حذرة، خطواتها لا تُحدث صوتًا، أو هكذا بدا لها، لكنها كانت تعرف أن الأرض تسمع حتى لو لم يسمع البشر
زقاق ضيق، جدرانه ناعمة بلا نوافذ، المصابيح في الأعلى تضيء بنفس الشدة، لا مكان للاختباء
الصياد تبعها
هبط أمام مدخل الزقاق ثم انزلق داخله كأنه دخان متماسك
إيليانا توقفت فجأة عند نهاية الزقاق
جدار
ليس بابًا
والجدار عليه نقش خافت، نفس الدائرة، نفس العقدة التي تشبه وشمها
مدت يدها ولمسته
المعنى ترجم نفسه في ذهنها
العقدة الثانية تسليم المفتاح
وتحتها شرط صغير، كأنه كتابة ثانوية لا يقرأها إلا من اقترب
القرار الإختياري هو ما يختاره القلب لا اللسان
هذا السطر حاسم
المدينة تميز الاختياري عن القسري
إذا أُخذ المفتاح بالقوة لا تُحل العقدة
إذا سُلّم من القلب تُحل
إذًا من يحاول انتزاع المفتاح لن ينجو فعليًا، حتى لو عاش لحظة
إيليانا شعرت بقشعريرة، ليس لأنها ارتاحت، بل لأنها فهمت أن اللعبة تحب السادية، تحب أن تجعل الغريزة ضد مصلحة صاحبها
الصياد اقترب خطوة
ثم خطوة
إيليانا أدركت أن الوقت ينفد
إن تركته يلمسها قد يوسمها ثانية، قد ينتزع شيئًا لا يُسترد، قد يربطها بكيان المدينة
لكن إن قتلت الصياد، هل هذا ممكن، لا ظل له، لا دم واضح، وربما لا يموت
إذًا هل الحل ليس قتل الصياد
الحل أن تجعل التسليم يبدو طوعيًا، دون أن تسلم المفتاح فعلًا
وهنا يظهر معنى لعنة الصدق
هي لا تستطيع أن تكذب، لكنها تستطيع أن تختار حقيقة ناقصة، حقيقة تجعل الآخر يظن أنه أخذ كل شيء
إن قالت "سأعطيك المفتاح" ثم أعطته جزءًا من أثره، تكون قد سلمت شيئًا حقيقة، ولم تكذب
لكن أي شيء يمكن أن يكون جزءًا من المفتاح
الظل الذي صنعته قبل قليل
إن كان الظل استثناءً من اللعنة، فالظل ذاته قد يكون "مفتاحًا فرعيًا"
رددت بدواخلها بعض الحقائق عن نفسها لتثير الوسم
ووضعت يدها تحت فستانها الفضفاض على موضع الوشم ، الألم اشتعل، حرارته مزقت أنفاسها
ثم سحبت طرف القماش قليلًا لتلامس الحبر مباشرة
الوشم توهج
لم يكن مجرد ضوء، كان شعورًا بأن كلمة تُكتب من جديد
في اللحظة نفسها ظهر ظل خافت على الجدار أمامها، ظل يدها هذه المرة، ضبابي، ضعيف، لكنه موجود
الصياد توقف
رأسه الأملس مال قليلًا
كأنه يقرأ
إيليانا فهمت أن الصياد لا يتبع الشخص، يتبع الاستثناء
يتبع الظل
وهذا يعني أنها تستطيع أن تضلله
تصنع ظلًا في مكان، ثم تتركه، ثم تتحرك بعيدًا قبل أن يختفي
لكن العقدة الثانية تطلب تسليم المفتاح، لا الهرب منه
إذًا يجب أن تضع المفتاح في "يد" لا تؤذيها
يد نظام المدينة
أو يد إنسان آخر
لكن من هو الإنسان الآخر الذي تستطيع استخدامه دون أن تثق به
شخص ينجو بلا عاطفة
شخص يحسب
شخص لن ينهار بسبب دموعها
أوريون
رأت في خيالها لحظة العرش، تذكرت كيف دفعها، كيف خرج وحده، كيف لم يسأل
الغضب في داخلها لم يبرد
لكنه لم يكن عائقًا
الغضب أيضًا أداة
الصياد تقدم فجأة، ذراعه الطويلة انطلقت نحوها
إيليانا استدارت في آخر ثانية، كأنها تترك جسدها يسبق عقلها، ثم صفعت كفها على الجدار، على النقش نفسه
وقالت بصوت منخفض جدًا، ليس صوتًا مسموعًا، بل حركة حنجرة بالكاد تُرى، وتأكدت أن لا نبرة تخرج
كانت تعرف أن الحرف الواحد قد يقتل
لكنها لم تكن تحتاج حرفًا
كانت تحتاج قرارًا داخليًا
قررت أن تسلّم شيئًا طوعًا
ليس للناس
للقاعدة
ثم سمحت للحقيقة أن تتشكل في داخلها، حقيقة واحدة واضحة
إنقاذ نفسي يستحق ثمنًا صغيرًا
وهذه الحقيقة هي قلب الإختيار
الوشم توهج بقوة
وانفصل منه خط ضوء رفيع، كخيط يخرج من جلدها، ويمتد إلى الجدار، ثم إلى الأرض
صار الخيط ظلًا
ظلًا منفصلًا عنها
قطعة استثناء تم تسليمها
الصياد توقف ثم التفت، كأنه رأى الفريسة تنتقل من جسدها إلى الأرض
ظهرت كتابة فوق الجدار لحظة واحدة، كأن المدينة تسجل الصفقة
تسليم جزئي مقبول
العلامة الثانية في السماء ارتجفت ثم ثبتت
العقدة الثانية انحلت
لكن لا أحد يحتفل هنا
حل عقدة يعني أن المدينة تصعّد
في اللحظة التي ثبتت فيها العلامة الثانية، انطفأت مصابيح شارع كامل ثم اشتعلت مرة واحدة، كأن الضوء صرخ بدل البشر
وظهر نص في الهواء فوق المدينة
العقدة الثالثة اختيار الحارس
ثم سطر أشد
الحارس يُختار ولا يختار
اختيار الحارس يعني فرض دور جديد
الحارس يعني أن أحدهم سيُربط بأحدهم
قيد
تذكرت إيليانا كيف كانت القيود في قاعة المذابح، كيف تحولت الشراكة إلى ذبح
فهمت أن المدينة ستصنع شراكات بالقوة، وستجعل "المفتاح" مربوطًا بـ "حارس"
وهذا خطر، لأن الحارس قد يكون شخصًا يريد انتزاع المفتاح بالقوة
ارتفعت أجراس بعيدة بلا صوت
ثم بدأت الأبواب التي ليست أبوابًا تفتح في الجدران، شقوق تظهر فجأة، منها يخرج صيادون آخرون بلا ظلال
عددهم أكبر
أسرع
والآن لديهم هدف جديد
ليس إيليانا وحدها
بل "من سيصبح الحارس"
إيليانا تحركت للخروج من الزقاق
لكن أمامها عند مدخل الزقاق، وقفت مجموعة من المختارين، عيونهم تلمع بالخوف والطمع
واحد منهم رفع يده وأشار إلى موضع وسمها بلا حياء، ثم أشار إلى السماء حيث العلامات
كأنه يقول أنت السبب، أنت المفتاح
كأنه يعلنها للمدينة
وكان إعلانًا كافيًا ليجعل الصيادين ينعطفون نحوها مرة أخرى
إيليانا لم تبك، لكنها سمحت لعينيها أن تلمعا، ليس دموعًا كاملة، فقط طبقة رقيقة تجعل نظرتها تبدو أضعف
شامة صغيرة قرب نهاية عينها صارت واضحة في ضوء المصابيح، نقطة تجعلها تبدو كأنها لا تعرف الشر
بعضهم تردد
وهذا يكفي
إيليانا تحركت بينهم، زحفت بعينيها لا بجسدها، نظرة بريئة مختنقة بالخوف، ثم أشارت بيدها إلى شارع آخر،يبعدهم عن الصياد القريب منهم، شارع بلا أحد، كأنها تدلهم على مخرج
لم تكذب
هي أشارت
وهم فسّروا
أومؤو باتفاق و ركضوا نحو الشارع الآخر
وفي اللحظة التي تحركوا فيها، سقط صياد فوقهم
لم يصرخوا
لم يستطيعوا
لكن أجسادهم صرخت بدلهم
إيليانا استغلت الفوضى الصامتة، واندفعت في الاتجاه المعاكس
ثم لمحت عند تقاطع بعيد ظلًا لا يوجد في مدينة بلا ظلال
ظل طويل، ثابت، كأنه لا ينتمي لقانون الضوء
عرفته دون أن تراه كاملًا
هذا ليس صيادًا
الصيادون بلا ظلال
هذا رجل يصنع حوله صمتًا كثيفًا حتى يبدو كظل
أوريون
كان واقفًا عند التقاطع، ظهره إلى جدار، عيناه السوداوان ثابتتان، لا يلوح، لا يدعو، لا يهرب
لكنه كان ينظر إلى السماء، إلى العلامة الثالثة، كأنه يقرأ حكمًا قبل أن يكتبه الهواء
ظهر النص في السماء
"العقدة الثالثة اختيار الحارس"
ثم تحتها، كصفعة شخصية
"الحارس إيليانا"
لم يكن منطقيًا
من السافل الذي اختارها
ولكن
الحارس لا يمكن أن يكون المفتاح نفسه
ثم ظهر سطر آخر يصحح، كأن المدينة تضحك
"الحارس هو من يحرس المفتاح"
"المفتاح هو من يحرس الحارس"
قيد متبادل
وهذا يعني شيئًا واحدًا
سيُربط مفتاحها بحارسها
وسيُربط حارسها بمفتاحها
إيليانا فهمت القفلة قبل أن تكتمل
المدينة ستختار لها حارسًا قريبًا منها الآن، الأقرب غالبًا
اسرعت تركض نحوه ، تعلم انه اخطرهم ولكن تحتاج من يحميها بكفاءه
وأقرب شخص يملك ثقلًا يكفي ليتقبله كحارس
أوريون
الهواء برد أكثر
الرموز على الجدران بدأت تكتب أسماء، لا أسماء حقيقية، بل أسماء أدوار
ثم ظهر خط ضوء من السماء، كخيط يهبط ببطء
الخيط اتجه نحو أوريون
ليس نحو إيليانا
ثم انقسم الخيط، طرف له وطرف لها
القيد بدأ يتشكل
إيليانا توقفت
أوريون لم يتحرك
لم يتراجع
لم يرفض
لكن عينيه السوداوين تحركتا أخيرًا نحوها
نظرة واحدة
لا رحمة فيها
ولا فضول
فقط فهم بارد
ثم رفع يده
ليس ليحميها
بل ليقطع الخيط قبل أن يكتمل
وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه الضوء، ظهر فوق يده نص صغير كالسُم
قطع القيد يساوي ذبح المفتاح
وإيليانا فهمت
هو قادر أن يقطع القيد
لكن الثمن سيكون هي