الفصل الرابع

الخيط الضوئي كان يهبط من السماء ببطء، كأنه يقيس مقاومة الهواء، كأنه يستمتع بأن يجعل القرار مرئيًا قبل أن يصبح نهائيًا

طرف منه التف حول معصم أوريون كحلقة باردة، والطرف الآخر تمدد في الهواء نحو إيليانا، لا يلمسها بعد، ينتظر أن يكتمل الطقس

أوريون رفع يده ولمع الضوء على أصابعه لحظة

لم تكن يده مرتجفة

كانت ثابتة كأنها جزء من القاعدة

ظهر النص فوق كفه كما ظهر في الفصل السابق

قطع القيد يساوي ذبح المفتاح

أوريون لم يرمش

لم ينظر إلى إيليانا طويلًا

عيناه السوداوان تحركتا مرة واحدة نحو الوشم تحت القماش، كأنه يشعر بمكانه دون أن يراه، ثم عادت عيناه إلى الخيط

إيليانا فهمت أنه لا يحتاج أن يلمسها ليعرف أين تبدأ نهايتها

كان حولهما مختارون آخرون، يقفون بعيدًا، يراقبون كأنهم يشاهدون محاكمة علنية، لا يجرؤون على الاقتراب، لأن القيد إذا اكتمل قد يسحب معهم عقوبة جديدة

الصيادون بلا ظلال توقفوا في الشوارع كما تتوقف كلاب الصيد حين يصدر سيدها صفيرًا

انتظروا

المدينة كلها انتظرت

إيليانا لم تتقدم نحو الخيط

لم تهرب

الهرب الآن بلا معنى، المدينة اختارت، والقانون هنا أسرع من الساقين

كانت تفكر بسرعة، تفكيرًا واضحًا لا يرتبك

العقدة الثالثة اختيار الحارس، الحارس يُختار ولا يختار إذًا أوريون ليس صاحب القرار الأصلي، لكن لديه مساحة صغيرة ليعبث بالنتيجة النص يقول إن قطع القيد يساوي ذبح المفتاح، يعني أن القيد يحميها بقدر ما يقيدها إذًا القيد سجن ودرع في آن واحد إذا اكتمل القيد، لن يستطيع قتلها بسهولة داخل المدينة لأن قتل المفتاح سيكسر العقدة ويعيد الفوضى وإذا لم يكتمل، فهو يستطيع أن يهرب بلا ثمن سوى أن تتلاشى هي كقربان آخر

إيليانا أدركت شيئًا أقسى

هي تحتاج القيد الآن

ليس لأنها تريد أوريون

بل لأنها تريد أن تمنع أوريون من إنهائها بكبسة قرار

هذا هو الاستغلال الحقيقي

أن تقيّد قاتلك لتبقى حيًا

لكن كيف تجعل القيد يكتمل إذا كان أوريون سيقطعه

القيد يهبط ببطء، يعني أنه يتطلب قبولًا، قبولًا طوعيًا ربما، أو لحظة تزامن بين الطرفين

الطوعي يختاره القلب لا اللسان، كما قالت المدينة سابقًا

إذًا القيد قد يكتمل إذا اختار أحدهما بقلبه أن يقبل

ليس أن يحب

أن يقبل

وهذه ثغرة

إيليانا لا تستطيع أن تجبر قلب أوريون

لكنها تستطيع أن تجعل قلبه يختار أقل الشرين

إذا كان أمامه خياران فقط، قطع القيد وقتل المفتاح، أو قبول القيد وتحمل عبء مفتاح حي يجر خلفه الصيادين

هو سيختار ما يضمن بقاءه الأطول

والبقاء الأطول غالبًا مع مفتاح حي، لأن المفاتيح تفتح الأبواب

إيليانا رفعت يدها ببطء، ليس لتلمس الخيط، بل لتلمس موضع الوشم تحت القماش

الألم اشتعل

الحرارة صعدت كأنها تريد أن تفضحها

الوشم لا يزال يترجم معناه لمن يراه، لكنه أيضًا يطلق أثرًا في المدينة، أثر ظل، أثر استثناء

إيليانا قررت أن تجعل الاستثناء يزداد، أن تجعل الوشم يتوهج أكثر مما يحتمل

ليس إغواء، ليس استعراضًا، بل تهديد ذكي

كلما توهج الوشم، صارت هي أكثر وضوحًا كنقطة مفتاح

وكلما صارت أكثر وضوحًا، صار قتلها أغبى قرار

لأن قتل المفتاح يعني فقدان الأداة التي تفتح العقد

أوريون يفهم الأدوات

إيليانا ضغطت على الوشم بقوة أكبر

ظهر على الأرض تحتها خط ظل رفيع جديد، ثم آخر، كأن المدينة تنزف ظلالًا صغيرة من جسدها رغما عنها

الصيادون تحركوا خطوة واحدة للأمام

ثم توقفوا

كأنهم شمّوا الدم

المختارون تراجعوا أكثر

أحدهم أشار إلى إيليانا ثم إلى أوريون، كأنه يرجو أن يقتلها أوريون لينتهي كل شيء

أوريون رأى ذلك

لم يظهر عليه غضب

لكن الهواء حوله صار أثقل

رفع يده أكثر، أصابعه تقارب الخيط كما لو أنه سيقطعه الآن

إيليانا نظرت إليه مباشرة

لم تتوسل بعينيها

لم تبتسم

تركت الدموع تلمع فقط، طبقة خفيفة، لا دموع تنهار، دموع تقول إن الجسد يتألم، وهذا صادق

شامتها الصغيرة قرب نهاية عينها كانت واضحة في ضوء المصابيح

البراءة هنا ليست كلمة، هي هندسة وجه

وأوريون لم يكن ساذجًا ليصدق البراءة

لكنه كان ذكيًا بما يكفي ليفهم استخدامها

إيليانا لم تقل "لا تقتلني"

هي لا تستطيع أن تكذب، ولا تريد أن تضع نفسها في موضع طلب

بدلًا من ذلك قالت حقيقة واحدة، قصيرة، قابلة للقياس

"إذا قتلتني لن تُحل العقد"

كانت حقيقة وفق منطقها، لم تكن متأكدة، لكن المدينة أعطت دليلًا، القطع يساوي ذبح المفتاح، والذبح يعطل المفتاح

وهي لا تستطيع أن تقول ما لا تؤمن به في اللحظة

أوريون لم يرد

لم ينف

لم يؤكد

فقط نظر إلى السماء حيث العلامة الثالثة ترتجف، كأنها تنتظر إما اكتمال القيد أو انهيار المحاكمة

ثم خفض يده قليلًا

ليس استسلامًا

تعديل زاوية

هذا وحده كان اعترافًا عمليًا أنه اختار الاستمرار لا الذبح

الخيط الضوئي اندفع فجأة، كأنه شعر بأن القرار اتخذ

التف الطرف الآخر حول معصم إيليانا

برد شديد

لسعة كأنها سلسلة من جليد

الوشم اشتعل في نفس اللحظة، وكأن القيد لمس اللعنة فاستيقظت

ظهرت كتابة فوق رؤوسهم، سريعة، كأن المدينة تنهي العقدة قبل أن يغير أحد رأيه

العقدة الثالثة اكتملت القيد متبادل الحارس والمفتاح مسؤولان

وفي اللحظة التي اكتملت فيها العقدة الثالثة، تغيرت المدينة

ظهرت ظلال لأول مرة

ليست ظلال الناس

ظلال الصيادين

كأن المدينة سمحت للوحوش بأن تصبح أكثر واقعية

وانطلقت المطاردة

الصيادون بلا ظلال صار لهم ظلال الآن، ظلالهم كانت أسود من أجسادهم، تتحرك أسرع منهم، تسبقهم على الأرض مثل نوايا قاتلة

إيليانا حاولت أن تسحب يدها بعيدًا، لكن القيد شدها نحو أوريون

وأوريون شدها معه دون كلمة

لم يكن سحبًا رومانسيًا

كان سحبًا عمليًا، كأنه يسحب أداة ثمينة لا يريد أن تقع في يد أحد

ركض

إيليانا ركضت معه، تعثرت، القيد لم يسمح لها بالسقوط، شدها ورفعها قسرًا

فهمت الآن معنى القيد المتبادل

إذا سقط أحدهما سقط الآخر

إذا تباطأ أحدهما خُنق الآخر

القيد ليس حماية مجانية

القيد سكين على العنقين

ركضوا عبر شارع طويل، المصابيح تومض، العلامات في السماء ترتجف، والوشم على فخذها يحترق كأنه يتغذى على الرعب

عند أول تقاطع، توقف أوريون فجأة

إيليانا كادت تصطدم به

رفع يده الأخرى، لمس رمزًا على الجدار، ثم أنزل يده بسرعة

لم يتكلم، لكنه كان يقرأ

إيليانا رأت ما رآه، لأن المعنى ترجم نفسه في ذهنها عندما لمست عينها الرمز من بعيد، الترجمة هنا لا تحتاج لمسًا دائمًا، القيد ربما فتح قناة

العقدة الرابعة باب لا يفتح إلا بجرح

جرح

القواعد تعشق الدم

أوريون نظر إلى السكين الحجرية التي يحملها منذ محاكمة المذابح، كأنها لم تكن هناك صدفة

سحب السكين

وأمسك معصمه

إيليانا فهمت قبل أن يفعل

هو سيجرح نفسه ليفتح الباب

ليس تضحية بها هذه المرة

بل تضحية محسوبة بجزء منه

الهيبة لا تعني الرحمة

تعني أنه يختار متى يدفع ومتى يجعل غيره يدفع

جرح معصمه جرحًا سريعًا

الدم سقط على الرمز

الرمز اشتعل

الجدار انشق

باب ضوء ضيق ظهر

اندفع أوريون داخل الباب

القيد سحب إيليانا خلفه

الصيادون قفزوا نحوهم

ظلهم سبقهم

وفي اللحظة التي دخلت فيها إيليانا الباب، شعرت بظل الصياد يلمس طرف ردائها

برد كالموت

ثم انغلق الباب

سقطا في ممر ضيق مظلم، أول ظلام حقيقي في المدينة

كانت هذه أول مرة يشعران فيها أن الضوء ليس سيد المكان

لكن الظلام لم يكن أمانًا

في الظلام ظهر نص فوقهما، يطفو كدخان

العقدة الخامسة الحارس يختار قربانًا إن اختار نفسه مات إن اختار المفتاح عاش قليلًا

إيليانا قرأت النص وفهمت القفلة قبل أن ترفع رأسها

المدينة لم تربطها بأوريون كي تنقذها

ربطتها به كي تعطيه خيارًا متكررًا

كلما ضاق الطريق، سيُسأل السؤال نفسه

هل يضحي بها من جديد

وأوريون

قليل الكلام

كثير الحساب

رفع عينيه السوداوين إليها في الظلام

ولأول مرة لم تبدُ نظراته كقاع فقط

بدت كحكم يقترب

وهنا انتهى الفصل الرابع

لأن العقدة الخامسة لم تكن لغزًا

كانت فخًا أخلاقيًا يُعاد تشغيله

ولأن إيليانا عرفت أن القيد الذي أنقذها قبل دقائق

قد يصير حبل إعدامها في الدقيقة التالية

2026/02/17 · 1 مشاهدة · 1191 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026