الطريق كان عاديًا على سطحه: سيارات تمر، أضواء محلات، أصوات بشرٍ يتحدثون عن الألقاب كما يتحدثون عن مباريات كرة قدم. لكن داخلي لم يكن عاديًا. كان هناك شيء يشبه “ثقل خفي” فوق صدري منذ لحظة انشقاق البحر… وثقلٌ آخر فوق عقلي منذ لحظة “تحميل أساسيات استعمال نظام المانا”.

كنتُ أحاول أن أبدو طبيعيًا. أن أُحيّي الناس في السلم، أن أفتح باب البيت بهدوء، أن أجيب على سؤالٍ بسيط إن وُجد. لكن كل خطوة كانت تُذكّرني بجملة واحدة: أنا لا أعرف حدّي.

دخلت غرفتي. أغلقت الباب. ألقيت الحقيبة جانبًا دون اهتمام كبير. ثم اتكأت على سريري كما يتكئ إنسانٌ على آخر خط دفاعي له: لا أريد أن أفكر أكثر، لا أريد أن أختبر، فقط أريد أن أجلس وأن يتوقف عقلي عن الركض.

تمدّدت نصف تمدّد، ورأسي على الوسادة، وعيناي تحدقان في السقف. حاولت أن أُعيد ترتيب اليوم:

طلبتُ ختم قوتي فورًا، فوافق النظام فورًا.

سليم تجمّد لحظة ثم عاد ومعه إشعار “تحميل أساسيات استعمال نظام المانا”.

فهمنا الاسم: “نظام المانا”.

فهمنا أن المانا طاقة قابلة للتشكيل: تعزيز، هجوم، دفاع، شفاء.

فهمنا أن الألقاب تُعطي بوابة مباشرة للتلاعب بالمانا.

و… فهمتُ أنا لماذا يريد النظام ختمي: لأن الشرذمة وحدها تكفي لإزالة جزيرة صغيرة من الوجود.

هذا كله كان يُفترض أن يجعلني أكثر وعيًا… لكنه جعلني أكثر ارتباكًا. لأن السؤال الحقيقي لم يعد “كيف أستعمل؟” بل صار “هل أنا جزء من هذا النظام أم خارجه؟”

كنتُ قد قلت لسليم بصراحة: لا لقب. قيود. ختم. لكنني اليوم شعرت بالمانا. شعرت بها كما شعر هو. وأمس كنتُ أستطيع أن أشق البحر—وذلك لا يبدو كقوة جسدية عادية. إذن أين أقف؟ داخل نظام المانا؟ خارجه؟ فوقه؟ تحته؟

قبل أن أكمل تساؤلاتي، وصلني إشعار جديد.

لم يكن إشعارًا عاديًا، ولا دعوة، ولا تحميلًا. كان مكتوبًا بنبرةٍ أعرفها الآن جيدًا: نبرة “تفسيرية” باردة، كأنها رسالة من جهةٍ إدارية عليا تحاول أن تمنع سوء الفهم قبل أن يتحول إلى كارثة.

ظهرت الكلمات أمام عيني بوضوحٍ جارح:

تمحو اللبس قبل أن يزداد:

ملاحظة: أنت ليس لديك نظام المانا، بل نظام الصقل.

أي أن مستواك لن يزداد عند إتمام مهام رفع المستوى في نظام المانا.

لكن أنت تستطيع أن تشعر بالمانا… لا أن تستعملها.

توقف نفسي للحظة. ليس لأن الكلام صادم فقط، بل لأنه… يضع اسمي في خانة “الاستثناء” مرة أخرى. وكأنه يقول: لا تتوهم أنك مثلهم. لا تتوهم أن سُلمهم سُلمك. لا تتوهم أن “تحميل الأساسيات” يعني أنك أصبحت مستخدمًا.

جلستُ فورًا، كأن السرير صار غير مريح. حدقتُ في الشاشة ثانيةً وثالثة، أقرأ كل كلمة كأنها عقدٌ قانوني:

“ليس لديك نظام المانا… بل نظام الصقل.”

“مستواك لن يزداد مع مهام المانا.”

“تستطيع أن تشعر بالمانا… لا أن تستعملها.”

ضحكتُ ضحكة قصيرة ثم انقطعت فجأة. ضحكة شخصٍ أدرك أن النظام يملك موهبة في وضعك في زاوية: يعطيك بابًا صغيرًا ثم يكتب فوقه “ممنوع الدخول”.

قلت بصوتٍ مسموع، ليس لأحد، بل لنفسي حتى لا تختنق الجملة داخل رأسي:

“إذن… أنا أستشعر ولا أستعمل.”

كان هذا ظلمًا ظاهريًا… لكنه أيضًا تفسيرًا منطقيًا لما شعرت به اليوم.

أنا شعرت بالمانا، نعم. لأن المانا صارت في العالم، ولأن إدراكها ليس بالضرورة استعمالها. مثل أن ترى الماء ولا تستطيع أن تسبح. مثل أن تشم رائحة الطعام ولا تستطيع أن تأكل. الإدراك شيء، والقدرة على التشكيل شيء آخر.

لكن الجزء الذي أربكني أكثر هو “نظام الصقل”. هذا الاسم لم يكن جديدًا عليّ. لكنه كان الآن يُقال كحكمٍ رسمي: أنت لست مستخدم مانا، أنت مستخدم صقل. وكأنني… من جنس آخر.

اتكأت إلى الخلف، ثم وضعت كفّي على جبيني. بدأتُ أسأل الأسئلة التي لا يحبها النظام:

إذا لم يكن لدي نظام المانا، فكيف شققت البحر؟

هل كانت تلك شرذمة هي القوة التي بقيت حتى بعد الأختام؟ قوة ليست مانا أصلاً؟ شيء أعلى؟ شيء أثقل؟

ولماذا يمنعني النظام من استعمال المانا بينما يسمح للعالم كله بها؟

هل لأنني إذا امتلكت المانا بالإضافة إلى شرذمة القوة، سأصبح خطرًا لا يمكن تقييده؟

ثم تذكرت “الخبرة القتالية بلا ذاكرة” التي فتحها النظام للتوازن.

هذا يعني أنه يعطي، لكنه يعطي بميزان. يختم هنا ويفتح هناك. ليس رحمة… بل هندسة.

حاولتُ أن أجرب كلامه فورًا، لأن عقلي لا يطمئن إلا بالاختبار.

أغمضت عيني، حاولت أن أستحضر المانا كما فعلت في الشاطئ: ذلك الإحساس الخافت في الصدر، ذلك التيار البارد. نجحت في استشعارها بسرعة. كأن الاستشعار صار طبيعيًا الآن. ثم حاولت أن أفعل شيئًا بسيطًا: أن أدفعها نحو أطراف أصابعي، أن أجعلها “تظهر” ولو كطبقة خفيفة. كما فعل سليم.

لم يحدث شيء.

بقي الإحساس داخليًا، كأنني أرى التيار خلف زجاجٍ لا ينفتح. لا ألم. لا مقاومة واضحة. فقط… لا استجابة.

فتحت عينيّ. نظرت إلى يدي. كانت يدًا عادية جدًا. لا وميض، لا حرارة، لا طبقة دفاع. كأن النظام يقول لي: نعم، أنت تشعر بها، لكنك لن تُمسكها.

تنفستُ ببطء. وقلت في داخلي، وأنا أحاول ألا أتحول إلى حقد:

حسنًا. إذا كنتُ لا أستطيع استعمال المانا، فذلك يعني أن البطولة ليست معركة مانا بالنسبة لي… بل معركة شيء آخر. أو معركة عقل فقط.

لكنني كنت أعرف أن ذلك ليس كل شيء. لأن الدعوة وصلتني. وإذا كانت البطولة جزءًا من نظام المانا للعالم، وأنا لا أملك نظام المانا… فدعوتي تعني أن البطولة لها طبقات، أو أن هناك مسارًا خاصًا بي داخلها.

الاستثناء يعود في كل زاوية.

وقفتُ من السرير، وبدأتُ أمشي في الغرفة مرة أخرى. الحركة تساعدني على التفكير، وتساعدني على كتم خوفٍ قد يفضحني أمام نفسي.

قلت لنفسي بصيغة قانونية، كأنني أكتب مذكرة:

قاعدة ثابتة: العالم دخل نظام المانا.

قاعدة ثابتة: سليم يملك نظام المانا + لقب = بوابة تلاعب.

قاعدة ثابتة: أنا أملك نظام الصقل، لا المانا، لكنني أستشعر المانا فقط.

نتيجة أولية: لا أستطيع الاعتماد على ترقيات المانا أو مهامها لرفع مستواي.

نتيجة أخطر: أنا معزول عن “السلم العام” مرة أخرى.

جلستُ على المكتب وفتحت دفتري. كتبت عنوانًا جديدًا، دون زخرفة:

“تمييز الأنظمة: مانا vs صقل”

ثم بدأت أكتب ما أعرفه فقط، لا ما أتخيله:

1. نظام المانا: يُعطي استخدام المانا وتشكيلها + مستويات عامة تبدأ من 1 + ألقاب تمنح تلاعبًا مباشرًا.

2. نظام الصقل: مرتبط بي وحدي + مستوى صقل خاص + أختام وقيود + ذاكرة مختومة + قوة أصلية مختومة.

3. نقطة التقاطع: الاستشعار فقط. أستطيع أن أشعر بالمانا لأنها موجودة في العالم، لكنني لا أستطيع تشغيلها لأن بوابة الاستخدام غير موجودة لدي.

ثم توقفت عند السؤال الذي لا يملك جوابًا بعد، لكن لا بد من تسجيله:

“هل يمكن لنظام الصقل أن يتحول إلى استخدام؟ أم أن استخدامي سيكون دائمًا من نوع آخر غير المانا؟”

لم أكتب “نعم” ولا “لا”، لأنني لا أملك حق الإجابة. لكنني سجلت السؤال، لأن الأسئلة التي لا تُكتب تصبح وحوشًا في الرأس.

تذكرت سليم. هو الآن يتعلم أساسيات المانا، وسيبدأ يستعملها. سيقوي جسده، سيجرب دفاعًا، ربما سيحاول تفعيل أثر “ساحر الكلمات”. سيصعد في مستويات المانا، وربما يحصل على مهام. أما أنا… فحتى لو أتممت نفس المهام، لن يزيد مستواي. هذا ما قاله النظام حرفيًا.

شعرت بمرارة خفيفة. ليس لأنني أريد التفوق عليه، بل لأنني أحتاج أن أفهم مكاني. أنا لا أريد أن أدخل البطولة كظلٍّ يتبع صديقه. لكن النظام يبدو أنه يريدني… وحدي… على مساري.

في تلك اللحظة، خطر في رأسي سؤال ثالث أكثر إزعاجًا من كل شيء:

إذا لم أملك نظام المانا، فهل أنا “خارج البشرية” فعلاً؟

الجملة كانت ثقيلة. أردت أن أطردها. لكن النظام نفسه كان قد قالها بشكل غير مباشر مرات كثيرة: شاشتي مختلفة، لا لقب، ختم خاص بي وحدي، لا ترقي في مهام المانا.

تنفستُ، ثم قلت لنفسي بحزم:

“لا. أنا بشر… حتى لو عاملني النظام كحالة.”

هذه الجملة ليست شعارات. هي ضرورة. لأن إن فقدت شعوري بأنني بشر، سأبدأ أفكر كآلة، وعندها سأصير بالفعل خطرًا.

استلقيت مرة أخرى، لكن هذه المرة لم أستلقِ هروبًا. استلقيت كمن يقرر: لا فائدة من الصراع مع النص. النص واضح.

أنت تشعر بالمانا… ولا تستعملها.

أنت نظام صقل… لا نظام مانا.

وإذا كانت البطولة قادمة بعد أسبوع، فهذا يعني أن الأسبوع القادم سيختبر شيئًا آخر: كيف يقاتل شخصٌ لا يملك مانا… في عالمٍ بدأ يتعلم المانا؟

هذه ليست معركة قوة.

هذه معركة مسار.

أطفأت الضوء. نظرت إلى الظلام. ثم همست لنفسي، بهدوءٍ أقرب إلى وعد:

“حسنًا. إذا كان نظامهم ‘مانا’… فسأدخل بنظامي. ولو كان مختومًا.الطريق كان عاديًا على سطحه: سيارات تمر، أضواء محلات، أصوات بشرٍ يتحدثون عن الألقاب كما يتحدثون عن مباريات كرة قدم. لكن داخلي لم يكن عاديًا. كان هناك شيء يشبه “ثقل خفي” فوق صدري منذ لحظة انشقاق البحر… وثقلٌ آخر فوق عقلي منذ لحظة “تحميل أساسيات استعمال نظام المانا”.

كنتُ أحاول أن أبدو طبيعيًا. أن أُحيّي الناس في السلم، أن أفتح باب البيت بهدوء، أن أجيب على سؤالٍ بسيط إن وُجد. لكن كل خطوة كانت تُذكّرني بجملة واحدة: أنا لا أعرف حدّي.

دخلت غرفتي. أغلقت الباب. ألقيت الحقيبة جانبًا دون اهتمام كبير. ثم اتكأت على سريري كما يتكئ إنسانٌ على آخر خط دفاعي له: لا أريد أن أفكر أكثر، لا أريد أن أختبر، فقط أريد أن أجلس وأن يتوقف عقلي عن الركض.

تمدّدت نصف تمدّد، ورأسي على الوسادة، وعيناي تحدقان في السقف. حاولت أن أُعيد ترتيب اليوم:

طلبتُ ختم قوتي فورًا، فوافق النظام فورًا.

سليم تجمّد لحظة ثم عاد ومعه إشعار “تحميل أساسيات استعمال نظام المانا”.

فهمنا الاسم: “نظام المانا”.

فهمنا أن المانا طاقة قابلة للتشكيل: تعزيز، هجوم، دفاع، شفاء.

فهمنا أن الألقاب تُعطي بوابة مباشرة للتلاعب بالمانا.

و… فهمتُ أنا لماذا يريد النظام ختمي: لأن الشرذمة وحدها تكفي لإزالة جزيرة صغيرة من الوجود.

هذا كله كان يُفترض أن يجعلني أكثر وعيًا… لكنه جعلني أكثر ارتباكًا. لأن السؤال الحقيقي لم يعد “كيف أستعمل؟” بل صار “هل أنا جزء من هذا النظام أم خارجه؟”

كنتُ قد قلت لسليم بصراحة: لا لقب. قيود. ختم. لكنني اليوم شعرت بالمانا. شعرت بها كما شعر هو. وأمس كنتُ أستطيع أن أشق البحر—وذلك لا يبدو كقوة جسدية عادية. إذن أين أقف؟ داخل نظام المانا؟ خارجه؟ فوقه؟ تحته؟

قبل أن أكمل تساؤلاتي، وصلني إشعار جديد.

لم يكن إشعارًا عاديًا، ولا دعوة، ولا تحميلًا. كان مكتوبًا بنبرةٍ أعرفها الآن جيدًا: نبرة “تفسيرية” باردة، كأنها رسالة من جهةٍ إدارية عليا تحاول أن تمنع سوء الفهم قبل أن يتحول إلى كارثة.

ظهرت الكلمات أمام عيني بوضوحٍ جارح:

تمحو اللبس قبل أن يزداد:

ملاحظة: أنت ليس لديك نظام المانا، بل نظام الصقل.

أي أن مستواك لن يزداد عند إتمام مهام رفع المستوى في نظام المانا.

لكن أنت تستطيع أن تشعر بالمانا… لا أن تستعملها.

توقف نفسي للحظة. ليس لأن الكلام صادم فقط، بل لأنه… يضع اسمي في خانة “الاستثناء” مرة أخرى. وكأنه يقول: لا تتوهم أنك مثلهم. لا تتوهم أن سُلمهم سُلمك. لا تتوهم أن “تحميل الأساسيات” يعني أنك أصبحت مستخدمًا.

جلستُ فورًا، كأن السرير صار غير مريح. حدقتُ في الشاشة ثانيةً وثالثة، أقرأ كل كلمة كأنها عقدٌ قانوني:

“ليس لديك نظام المانا… بل نظام الصقل.”

“مستواك لن يزداد مع مهام المانا.”

“تستطيع أن تشعر بالمانا… لا أن تستعملها.”

ضحكتُ ضحكة قصيرة ثم انقطعت فجأة. ضحكة شخصٍ أدرك أن النظام يملك موهبة في وضعك في زاوية: يعطيك بابًا صغيرًا ثم يكتب فوقه “ممنوع الدخول”.

قلت بصوتٍ مسموع، ليس لأحد، بل لنفسي حتى لا تختنق الجملة داخل رأسي:

“إذن… أنا أستشعر ولا أستعمل.”

كان هذا ظلمًا ظاهريًا… لكنه أيضًا تفسيرًا منطقيًا لما شعرت به اليوم.

أنا شعرت بالمانا، نعم. لأن المانا صارت في العالم، ولأن إدراكها ليس بالضرورة استعمالها. مثل أن ترى الماء ولا تستطيع أن تسبح. مثل أن تشم رائحة الطعام ولا تستطيع أن تأكل. الإدراك شيء، والقدرة على التشكيل شيء آخر.

لكن الجزء الذي أربكني أكثر هو “نظام الصقل”. هذا الاسم لم يكن جديدًا عليّ. لكنه كان الآن يُقال كحكمٍ رسمي: أنت لست مستخدم مانا، أنت مستخدم صقل. وكأنني… من جنس آخر.

اتكأت إلى الخلف، ثم وضعت كفّي على جبيني. بدأتُ أسأل الأسئلة التي لا يحبها النظام:

إذا لم يكن لدي نظام المانا، فكيف شققت البحر؟

هل كانت تلك شرذمة القوة “الأصلية” التي بقيت حتى بعد الأختام؟ قوة ليست مانا أصلاً؟ شيء أعلى؟ شيء أثقل؟

ولماذا يمنعني النظام من استعمال المانا بينما يسمح للعالم كله بها؟

هل لأنني إذا امتلكت المانا بالإضافة إلى شرذمة القوة، سأصبح خطرًا لا يمكن تقييده؟

ثم تذكرت “الخبرة القتالية بلا ذاكرة” التي فتحها النظام للتوازن.

هذا يعني أنه يعطي، لكنه يعطي بميزان. يختم هنا ويفتح هناك. ليس رحمة… بل هندسة.

حاولتُ أن أجرب كلامه فورًا، لأن عقلي لا يطمئن إلا بالاختبار.

أغمضت عيني، حاولت أن أستحضر المانا كما فعلت في الشاطئ: ذلك الإحساس الخافت في الصدر، ذلك التيار البارد. نجحت في استشعارها بسرعة. كأن الاستشعار صار طبيعيًا الآن. ثم حاولت أن أفعل شيئًا بسيطًا: أن أدفعها نحو أطراف أصابعي، أن أجعلها “تظهر” ولو كطبقة خفيفة. كما فعل سليم.

لم يحدث شيء.

بقي الإحساس داخليًا، كأنني أرى التيار خلف زجاجٍ لا ينفتح. لا ألم. لا مقاومة واضحة. فقط… لا استجابة.

فتحت عينيّ. نظرت إلى يدي. كانت يدًا عادية جدًا. لا وميض، لا حرارة، لا طبقة دفاع. كأن النظام يقول لي: نعم، أنت تشعر بها، لكنك لن تُمسكها.

تنفستُ ببطء. وقلت في داخلي، وأنا أحاول ألا أتحول إلى حقد:

حسنًا. إذا كنتُ لا أستطيع استعمال المانا، فذلك يعني أن البطولة ليست معركة مانا بالنسبة لي… بل معركة شيء آخر. أو معركة عقل فقط.

لكنني كنت أعرف أن ذلك ليس كل شيء. لأن الدعوة وصلتني. وإذا كانت البطولة جزءًا من نظام المانا للعالم، وأنا لا أملك نظام المانا… فدعوتي تعني أن البطولة لها طبقات، أو أن هناك مسارًا خاصًا بي داخلها.

الاستثناء يعود في كل زاوية.

وقفتُ من السرير، وبدأتُ أمشي في الغرفة مرة أخرى. الحركة تساعدني على التفكير، وتساعدني على كتم خوفٍ قد يفضحني أمام نفسي.

قلت لنفسي بصيغة قانونية، كأنني أكتب مذكرة:

قاعدة ثابتة: العالم دخل نظام المانا.

قاعدة ثابتة: سليم يملك نظام المانا + لقب = بوابة تلاعب.

قاعدة ثابتة: أنا أملك نظام الصقل، لا المانا، لكنني أستشعر المانا فقط.

نتيجة أولية: لا أستطيع الاعتماد على ترقيات المانا أو مهامها لرفع مستواي.

نتيجة أخطر: أنا معزول عن “السلم العام” مرة أخرى.

جلستُ على المكتب وفتحت دفتري. كتبت عنوانًا جديدًا، دون زخرفة:

“تمييز الأنظمة: مانا vs صقل”

ثم بدأت أكتب ما أعرفه فقط، لا ما أتخيله:

1. نظام المانا: يُعطي استخدام المانا وتشكيلها + مستويات عامة تبدأ من 1 + ألقاب تمنح تلاعبًا مباشرًا.

2. نظام الصقل: مرتبط بي وحدي + مستوى صقل خاص + أختام وقيود + ذاكرة مختومة + قوة أصلية مختومة.

3. نقطة التقاطع: الاستشعار فقط. أستطيع أن أشعر بالمانا لأنها موجودة في العالم، لكنني لا أستطيع تشغيلها لأن بوابة الاستخدام غير موجودة لدي.

ثم توقفت عند السؤال الذي لا يملك جوابًا بعد، لكن لا بد من تسجيله:

“هل يمكن لنظام الصقل أن يتحول إلى استخدام؟ أم أن استخدامي سيكون دائمًا من نوع آخر غير المانا؟”

لم أكتب “نعم” ولا “لا”، لأنني لا أملك حق الإجابة. لكنني سجلت السؤال، لأن الأسئلة التي لا تُكتب تصبح وحوشًا في الرأس.

تذكرت سليم. هو الآن يتعلم أساسيات المانا، وسيبدأ يستعملها. سيقوي جسده، سيجرب دفاعًا، ربما سيحاول تفعيل أثر “ساحر الكلمات”. سيصعد في مستويات المانا، وربما يحصل على مهام. أما أنا… فحتى لو أتممت نفس المهام، لن يزيد مستواي. هذا ما قاله النظام حرفيًا.

شعرت بمرارة خفيفة. ليس لأنني أريد التفوق عليه، بل لأنني أحتاج أن أفهم مكاني. أنا لا أريد أن أدخل البطولة كظلٍّ يتبع صديقه. لكن النظام يبدو أنه يريدني… وحدي… على مساري.

في تلك اللحظة، خطر في رأسي سؤال ثالث أكثر إزعاجًا من كل شيء:

إذا لم أملك نظام المانا، فهل أنا “خارج البشرية” فعلاً؟

الجملة كانت ثقيلة. أردت أن أطردها. لكن النظام نفسه كان قد قالها بشكل غير مباشر مرات كثيرة: شاشتي مختلفة، لا لقب، ختم خاص بي وحدي، لا ترقي في مهام المانا.

تنفستُ، ثم قلت لنفسي بحزم:

“لا. أنا بشر… حتى لو عاملني النظام كحالة.”

هذه الجملة ليست شعارات. هي ضرورة. لأن إن فقدت شعوري بأنني بشر، سأبدأ أفكر كآلة، وعندها سأصير بالفعل خطرًا.

استلقيت مرة أخرى، لكن هذه المرة لم أستلقِ هروبًا. استلقيت كمن يقرر: لا فائدة من الصراع مع النص. النص واضح.

أنت تشعر بالمانا… ولا تستعملها.

أنت نظام صقل… لا نظام مانا.

وإذا كانت البطولة قادمة بعد أسبوع، فهذا يعني أن الأسبوع القادم سيختبر شيئًا آخر: كيف يقاتل شخصٌ لا يملك مانا… في عالمٍ بدأ يتعلم المانا؟

هذه ليست معركة قوة.

هذه معركة مسار.

أطفأت الضوء. نظرت إلى الظلام. ثم همست لنفسي، بهدوءٍ أقرب إلى وعد:

“حسنًا. إذا كان نظامهم ‘مانا’… فسأدخل بنظامي. ولو كان مختومًا.

2026/03/02 · 1 مشاهدة · 2553 كلمة
foshi rayane
نادي الروايات - 2026