كانت الليلة التي سبقت البطولة تشبه ليلة امتحانٍ لا يشبه الامتحانات.
المدينة نامت ظاهريًا، لكن النوم كان قشرة. حتى ضوء المصابيح في الشارع بدا أضعف من المعتاد، كأنه يخجل من السماء التي أضاءت الناس قبل أسبوعٍ كامل ثم سحبت الجزيرة كأنها لم تكن.
أنا كنت في غرفتي، متكئًا على السرير، أحاول أن أُقنع نفسي أن الغد “يوم” مثل أي يوم. لكن جسدي لم يصدقني. في صدري شيء يضغط كلما تذكرت كلمة: بطولة. لم تكن بطولة كرة قدم ولا منافسة جامعية. كانت كلمة تُقال بنفس الصوت الذي شق السماء، وبنفس الوزن الذي يهز الأرض دون أن يقتل أحدًا—رسالة محسوبة كي يفهمها الجميع: نحن نستطيع، ونحن نختار.
هاتفُ سليم كان يتصل بي منذ ساعةٍ تقريبًا كل عشر دقائق، ثم يصمت، ثم يعود. لم يكن يزعجني. كان مثل مؤشّر نبضٍ خارج جسدي: إذا كان سليم قلقًا لهذه الدرجة، فالعالم كله على حافة شيء. وفي النهاية، قررت أن أسبق الهاتف، فاتصلتُ به أنا.
ردّ بسرعة، كأنه كان ممسكًا بالهاتف أصلًا.
“ريان… كنت غادي نتصل بك دابا.”
قلتُ: “أنا عارف. فين أنت؟”
“فالدار. ما قادرش نركز. كنحاول نقرأ شي حاجة… ما كاين والو. كلشي فالرأس هو الغد.”
سكتُّ لحظة، ثم قلت: “خليك قريب من الشاشة. إلى جا شي إشعار جديد، بغيت نكون معاك على الخط.”
قال وهو يبلع ريقه: “حتى أنا… كنحس أنهم غادي يرسلو قواعد. ما يمكنش يدخلو الناس لشي جزيرة بلا قانون.”
ضحكتُ ضحكة خفيفة بلا فرح: “حتى الفوضى تحتاج قانونًا… للأسف.”
لم نكمل الجملة.
لأن الهواء أمامي لمع بوميضٍ قصير، ثم ظهرت الواجهة. ليس وميضًا عاديًا، بل الوميض الذي صار يعلّق قلبك في مكانه. وفي نفس اللحظة سمعت سليم يقول: “وصلت!”
كأن الرسالة نزلت علينا في وقتٍ واحد.
كانت الرسالة مكتوبة بأسلوبٍ جافّ، واضح، يشبه منشورًا رسميًا لا يقبل النقاش. رأيتها أمامي كطبقة شفافة فوق كل شيء، وسمعت سليم يقرأها بصوتٍ مرتجف من الهاتف، مطابقًا لما أراه حرفيًا.
تم شرح قواعد البطولة:
أولًا: القاتل سيرفع مستواكم في نظام المانا.
ثانيًا: تستطيعون أن تنشئوا تحالفات أو العمل بمفردكم.
ثالثًا: عن كل قتل، إذا كنتم في فريق، تستطيعون أن تحولوا الخبرة التي حصلتم عليها إلى زملائكم أو زميلكم في الفريق.
رابعًا: كل ما يحدث داخل الجزيرة سيبقى سريًا، وكل من يهزم أو ينسحب سيتم مسح ذاكرته عما حدث داخل الجزيرة، لكن ستبقى له الخبرة القتالية والمستوى الذي حصل عليه، وأيضًا معرفة أنه كان ضمن البطولة وخسر.
خامسًا: للسرية الخاصة، تستطيعون أن تكتبوا أسماء رمزية بدل أسمائكم في المنطقة المخصصة أسفل الشاشة.
سادسًا: هناك مشرفون سيراقبونكم داخل البطولة لمنع الغش والتنظيم.
وفي آخرها، كأنه توقيعٌ على عقدٍ لا تملك خيار رفضه:
يرجى إدخال اسمكم: …
ظللتُ أحدّق في “أولًا” كأنها صفعة. الكلمة صغيرة، لكن معناها ثقيل: القتل ليس حادثًا جانبيًا هنا، بل آلية تقدم. آلية رفع مستوى. آلية تصنع الحافز، وتُطلق أسوأ ما في البشر، لأنهم سيبدؤون يحسبون الناس كما يُحسب الرصيد.
سمعت سليم يهمس: “القاتل سيرفع مستواكم… يعني… لازم القتل باش نطلع؟”
قلتُ ببطءٍ وأنا أحاول أن أبقي صوتي ثابتًا: “النص يقول هذا. لا يقول أنه الطريق الوحيد، لكنه يجعل الطريق الأقصر… دمًا.”
سليم قال: “هذا جنون. الناس غادي يتهوروا.”
قلتُ: “وهذا مقصود. البطولة ليست درس أخلاق. هي اختبار طبيعة.”
توقف سليم لحظة ثم قال: “والتحالفات… يعني نقدروا نكونوا فريق؟”
“نعم.” قلتها فورًا. “وهذا أول قرار لازم ناخذه الليلة: وحدك ولا معي؟”
ضحك ضحكة قصيرة عصبية: “معك طبعًا! واش كتسولني سؤال؟”
ابتسمتُ، لكن ابتسامتي كانت مكسورة من الداخل. لأنني أعرف ما لا يعرفه: أنا… حتى وإن كنت معه… لست ضمن نظام المانا بالكامل. أنا أشعر بالمانا ولا أستعملها. أنا نظام صقل مختوم. والرسالة تتحدث عن “رفع مستوى في نظام المانا”. هذا يعني أن التقدم هناك ليس “ترقيًا” عندي… لكنه قد يكون ترقيًا عند سليم. ومع ذلك، أنا مدعو. هذا وحده يجعلني أخاف من أن يكون دوري شيئًا آخر.
قلتُ لسليم: “نعم، سنكون فريق. لكن نحتاج قواعد داخلية، وإلا التحالف يتحول إلى فخ.”
قال بجدية مفاجئة: “مثل ماذا؟”
سحبت دفتري، وفتحته على صفحة فارغة. لم أكتب عنوانًا كبيرًا. كتبت فقط: “قواعد فريق (ريان/سليم)”. ثم قلت وأنا أكتب:
“أول قاعدة: لا نقتل من أجل المستوى فقط. نقتل فقط إذا كان القتل ضرورة للبقاء.”
سليم سكت، ثم قال: “لكن إذا الآخرين يقتلو باش يطلعو… غادي يسبقونا.”
رفعت رأسي إليه رغم أنه بعيد وراء الهاتف: “أنا لا أريد أن نكون أولًا… إذا كان الثمن أننا نصير وحوشًا. وإذا كان النظام يريد أن يدفعك للقتل، فالمقاومة هنا هي أن تُبقي عقلك فوق الحافز.”
تنفس سليم ببطء، ثم قال: “مفهوم… ولكن إذا هاجمونا؟”
قلت: “حينها الدفاع مشروع. وهذا يدخل تحت ‘ضرورة البقاء’.”
انتقلتُ إلى القاعدة الثانية: “الخبرة داخل الفريق.” أشرت إلى البند الثالث. قلت:
“هذه أهم نقطة تكتيكية في الرسالة كلها: إذا قتل واحد منا، يمكنه تحويل الخبرة للآخر.”
سليم قال فورًا: “يعني ممكن أنا أقتل… ونعطيك الخبرة.”
توقفتُ لحظة. كانت نبرة سليم بريئة، لكنها جعلتني أشعر بثقلٍ أخلاقي فوق كتفي. قلت:
“لا. لا ‘ممكن’ كجملة سهلة. هذا قرار يغيّر شخصك. ثم تذكّر: البند الأول يقول يرفع مستوى في نظام المانا. وأنا… عندي وضع مختلف.”
سليم سكت ثانية. ثم قال بصوت أقل: “صحيح… نسيت.”
لم أرد أن أفتح موضوع “نظامي” أكثر من اللازم الآن، لكنني لم أستطع الهروب. قلتُ بهدوء:
“حتى لو ما طلعتش أنا بمستوى المانا، الخبرة القتالية عندي تشتغل بطريقة مختلفة… وأنا لا أريد أن أتحول إلى مستفيد من قتل صديقي لأجلي. لا اليوم.”
سليم قال بسرعة: “ماشي هكذا كنت نقصد… كنت كنقصد التعاون.”
“أنا فاهم.” قلتها له بصدق. “والتعاون الحقيقي هو أن نُبقي القرار نظيفًا: إذا احتجنا توزيع خبرة، سيكون ذلك بعد أن نفهم كيف يترجم النظام القتل والقتل داخل الفريق. لا نبدأ بقرارٍ كبير ونحن لا نعرف الثمن.”
ثم جاءت القاعدة الثالثة، وهي التي جعلتني أستعيد برودة القانون في رأسي: السرية ومسح الذاكرة.
قرأتها مرة أخرى. البند الرابع مكتوب بوضوح: كل من يهزم أو ينسحب تُمسح ذاكرته عما حدث داخل الجزيرة، لكن تبقى الخبرة القتالية والمستوى، ويظل يعرف أنه كان ضمن البطولة وخسر.
قلتُ لسليم: “هذه… أخطر فقرة.”
قال: “علاش؟”
قلت: “لأنها تجعل البطولة دائرة مغلقة. لا شهود. لا روايات. لا اعترافات. كل من خرج… يخرج بترقية أو خبرة، لكن بلا قصة. يعني لا أحد يستطيع أن يكشف ما حدث، ولا أحد يستطيع أن يحاسب ما حدث.”
سليم قال بصوتٍ خافت: “يعني اللي غادي يكون داخل الجزيرة… كأنه يعيش حلمًا ثم ينساه.”
ابتلعتُ ريقي. شعرت أن الجملة تُلامس شيئًا في صدري… شيئًا أعرفه جيدًا: أنا أصلاً ذاكرته مختومة. أنا أصلاً أعيش “حقيقة بلا قصة”. والآن البطولة تفرض نفس الآلية على الجميع. كأن العالم كله سيتذوق طعم الختم الذي أعيشه منذ أسبوعين.
قلتُ ببطء: “بالضبط. والفرق… أن أنا تعوّدت على هذا النوع من العيش. أما غيري، فسيصيرون أخطر بعد البطولة: سيملكون خبرة قتالية، دون أن يملكوا ذاكرة أخلاقية عن ثمنها.”
سليم قال: “هذا مخيف.”
قلت: “ولهذا… يجب أن نكتب الليلة ‘خط دفاع أخلاقي’ داخل الفريق. لأن داخل الجزيرة، ربما لن يتبقى إلا القرار اللحظي.”
ثم جاء البند الخامس: الأسماء الرمزية. هنا خرجت منّي ضحكة قصيرة.
“أسماء رمزية…” قلتها وكأنها مفارقة. “يريدون السرية، لكن يفتحون لك بابًا لتكتب اسمًا جديدًا.”
سليم قال بحماس: “أنا غادي نكتب شي اسم… شي حاجة ديال مانا… ولا ديال اللقب.”
قلت: “لا تختار اسمًا يفضحك. الهدف من الاسم الرمزي أن يحميك من أن يصير اسمك الحقيقي عملة في أفواه الناس.”
سليم صمت ثانية. ثم قال: “صحيح… الناس غادي يتقاتلو حتى بالاسم.”
ثم جاء البند السادس: وجود مشرفين. قلت:
“هذا يعني أن البطولة ليست فوضى مطلقة. هناك مراقبة. هناك تنظيم. وهناك… حدود.”
سليم قال: “يعني ما نقدرش نغش؟”
قلت: “العبارة تقول لمنع الغش… لكن الغش هنا ليس مثل الغش في الامتحان. الغش هنا ربما يعني كسر القواعد أو استغلال ثغرات النظام أو… محاولة قتل خارج إطار البطولة.”
سليم قال: “قتل خارج إطار البطولة؟”
قلت: “نعم. لأنهم صنعوا حافز قتل. إذا لم يضبطوه بالمشرفين، سيتحول العالم كله إلى جزيرة.”
سكتنا لحظة طويلة. كان صوت نفس سليم يأتي عبر الهاتف، وأنا أسمع نفسي من الداخل. ثم قلت:
“المهم الآن… أدخلنا في المرحلة الأخيرة: إدخال الاسم.”
سليم قال: “هو يطلب الاسم الحقيقي ولا الرمزي؟”
قلت: “يقول: يرجى إدخال اسمكم… وفي البند الخامس يسمح باسم رمزي أسفل الشاشة. يعني غالبًا هناك خانتان: اسمك الحقيقي معروف للنظام أصلًا، وخانة رمز تختارها أنت.”
سليم قال: “غادي نخلي الحقيقي كما هو… والرمزي نكتب ‘ساحر الكلمات’؟”
قلت فورًا: “لا. هذا لقبك. لا تفضح لقبك قبل أن تبدأ البطولة. اكتب شيئًا لا يعطي أحدًا سلاحًا ضدك.”
تردد، ثم قال: “مثلاً… ‘كاتب’؟”
ابتسمت: “أفضل. لكن حتى ‘كاتب’ قد يوحي. اختر كلمة محايدة. أو اختر شيئًا لا يفهمه إلا أنت.”
سليم ضحك: “إذن نكتب رموز… بحال شيفرة. ما رأيك ب أبيض؟”
قلت: “نعم. هذا أقرب للنجاة.”
ثم جاء دوري. نظرت إلى الواجهة أمامي. رأيت “يرجى إدخال اسمكم”. وفي داخلي، تذكرت كل الصفعات: لا لقب، ختم القوة وحدي، فتح خبرة قتالية بلا ذاكرة، ثم تمييز نهائي: أنت لا تملك نظام المانا.
كأن النظام يقول لي: ستدخل البطولة… لكن لا كواحد منهم.
سليم سألني بصوت حذر: “ريان… شنو غادي تكتب أنت كاسم رمزي؟”
قلت ببساطة:
“سأكتب اسمًا محايدًا.”
“مثل ماذا؟”
نظرت إلى دفتري. نظرت إلى القلم. ثم قلت: “’أسود؟”
سليم سكت لحظة، ثم قال:“يعجبني.”
لم يعلّق. فقط قال: “يعجبني.”
ثم سمعنا صوت إشعار آخر صغير—ليس قواعد، بل “تذكير” أن إدخال الاسم مطلوب قبل الموعد. ظهر توقيت صغير في زاوية الشاشة: عدّ تنازلي حتى بداية البطولة. لم يكن ضروريًا أن يخبرني النظام بالوقت؛ جسدي يعرفه.
قلت لسليم: “غادي نسدّ الهاتف دابا. نام. غدًا نحتاج رأسًا هادئًا.”
قال بسرعة: “وأنت؟”
قلت: “سأنام… أو سأحاول.”
ضحك بخفّة: “كلنا غادي نحاول.”
أغلقنا الاتصال.
بقيت وحدي أمام الواجهة. كتبت في دفتري جملة واحدة فقط، لأنني لا أريد أن أُدخل نفسي في محاضرة مع نفسي في هذه الليلة:
“قواعدهم واضحة: تقدم بالقتل، تحالفات، نقل خبرة، سرية ومسح ذاكرة، أسماء رمزية، مراقبة.”
ثم كتبت تحتها:
“قواعدي واضحة: البقاء بعقل، لا بحافز.”
رفعت بصري إلى الواجهة. كانت خانة الاسم تنتظر. كأنها بابٌ لا يفتح إلا إذا كتبت.
وضعتُ أصابعي أمام الهواء، في الموضع الذي يفترض أن تكون فيه لوحة مفاتيح غير مرئية. شعرت للحظة ببرودة خفيفة في أطراف أصابعي… ثم ظهرت حروفٌ صغيرة كأن الهواء صار شاشة إدخال فعلاً.
يرجى إدخال اسمكم: …
ترددت ثانية واحدة فقط. ليس خوفًا من البطولة، بل خوفًا من معنى أن أكتب اسمي في عقدٍ لا أعرف من يملكه.
ثم بدأت أكتب… وتركّت النهاية مفتوحة، لأن الغد كان على بعد ساعات، والجزيرة—التي اختفت كأنها لم تكن—ستعود لتبتلعنا داخل سرٍّ لن نتذكره، حتى لو نجونا.