نمتُ بعد قواعد البطولة كمن يوقّع على عقدٍ ثم يحاول أن ينسى أنه وقّع. لم أكن أريد أحلامًا تلك الليلة؛ كنتُ أريد “فراغًا” فقط. لكن الفراغ—في هذا العالم—صار رفاهية.

بعد بضع ساعات فقط، شقّ الصراخُ نومي شقًّا. لم يكن صراخَ حلمٍ ولا صراخَ جارٍ يتشاجر… كان صراخًا كثيفًا، متراكبًا، ومعه دويّ انفجارات بعيدة تقترب. جلستُ على السرير دفعة واحدة، وقبل أن أفكر فتحتُ النافذة.

المدينة كانت تحترق… لا بمعنى اللهب في كل شارع، بل بمعنى الفوضى. أضواء سياراتٍ تركض بلا اتجاه، أعمدة دخانٍ ترتفع من أكثر من نقطة، وزجاج يتطاير. وفي وسط ذلك كله رأيت ما لا يليق بعينيّ: وحوشًا تتحرك بين البنايات كما تتحرك الأشياء التي لا تتبع قانونًا بشريًا. أجسادها لم تكن “شكلًا” واحدًا؛ بعضها كان كتلة عضلية سوداء، وبعضها كان كهيكلٍ ضخم مغطى بشوك، وبعضها كان أسرع من أن تُمسكه العين.

وتحتها… بشر.

بعض الناس قاتلوهم فعلًا. رأيت رجالًا ونساءً يندفعون بتهورٍ شجاع: يطلقون ومضات مانا خافتة، يحاولون تقوية أجسادهم… لكنهم كانوا جميعًا في المستوى الأول . كان القتال ليس في صالحهم. لم يكن هذا “قتالًا” بالمعنى الحقيقي؛ كان إطالة وقت . كمن يضع جسده حاجزًا ليؤخر انهيار بابٍ خشبي أمام سيل.

سمعتُ في الشارع صراخًا: “ابتعدوا!”، “الأطفال!”، “هنا!”، ثم دويًّا أثقل. وبعده بوقت قصير دخل صوتٌ جديد إلى المشهد: دبابات . صوت جنزيرٍ معدني يجرّ الأرض، وصفيرٌ خشن لمحركات عسكرية، ثم طلقات رشاشات. فهمت فورًا: الجيش وصل . جاء ليقاتل ويحمي المدنيين. كان ذلك منطقيًا، وبنفس الوقت مفزعًا: إذا اضطرت الدولة إلى الدبابات، فالأمر خرج من نطاق “ذعر الليل” إلى نطاق “حرب”.

وقفتُ دقيقة كاملة أمام النافذة، وأنا أحس أنني أريد النزول. ليس بطولة، بل لأن رؤية المدينة تُنهش أمامك تجعلك تختنق. لكني تذكرت فورًا ما فعلتُه بغباء قبل يوم: طلبتُ من النظام أن يختم كل قواي الآن، قبل البطولة، خوفًا من أن أتسبب بكارثة. استجبتُ للخوف… فصرت عاجزًا حين جاءت الكارثة فعليًا.

تحسّرتُ. وشتَمتُ نفسي بصمت:

يا عبقري… ختمت سلاحك بيدك ثم اشتكيت من العجز.

ثم، بينما كنتُ أتفرج كمتفرجٍ مُرغم، تذكرت شيئًا أخطر من كل شيء: الرون .

الرون… ليس طاقة. ليس مانا. ليس “عضلة”. الرون—كما فهمته—لغة أمر. تعديلٌ في الواقع، كأنك تكتب “قاعدة” فتُنفّذ. شيء لا يتوسل الطاقة، بل يأمر الشكل. والأغرب… أنني كنتُ أفهمه. أعرف كيف أستعمله. ومع ذلك كانت هذه أول مرة أسمع هذه الكلمة بوضوح في رأسي، كأنها خرجت من درجٍ قديم في العقل لم أفتحه من قبل.

لم أفهم كيف تعلمته. لم أملك ذاكرةً عن معلم، ولا عن كتاب، ولا عن سنوات. لكن الوقت لم يسمح بأسئلة فلسفية. في الأسفل بشر يموتون. وفي السماء فوق المدينة دخان.

قلت لنفسي:

جرّب الآن، هنا، في شيء بسيط. إذا نجح… ننزل.

أغلقت النافذة بهدوء، كأنني أخاف أن يسمعني النظام فيضحك. ثم وقفت في وسط الغرفة. بحثت بعيني عن شيء “بسيط” لا يكسّر البيت. التقطت كوب ماء على الطاولة، وضعته على الأرض، وأخذت قطعة ورق صغيرة من دفتري.

لم تكن التعويذة كلماتٍ تُقال بصوت. كانت خطًا . حركة قلم، ترتيبٌ رمزي، كأنك تكتب حرفًا لا ينتمي لأبجدية البشر. يدي تحركت وحدها تقريبًا. لا أقول هذا للتفاخر، بل للرعب: كنتُ أكتب كمن يتذكر كتابةً قديمة، لا كمن يخترع.

رسمت رمزًا قصيرًا على الورقة، ثم لمسته بطرف إصبعي وأنا أركز على معنى واحد: “برد”.

لم يحدث ضوء. لم يلمع شيء. فقط… الماء في الكوب ارتجف، ثم رأيت طبقة رقيقة من ضباب بارد تتشكل فوقه كأنه يتنفس شتاءً. وضعت يدي قربه، فوجدته أبرد فعلاً. التجربة نجحت.

تجمدت ثانية. ثم قلت بصوتٍ خافت: “حسنًا.”

لم يعد عندي عذر للوقوف متفرجًا.

فتحت خزانتي بسرعة. لم أستطع النزول بوجهي الحقيقي. المدينة كلها فوضى، والجيش موجود، والناس سيرون أي شيء. ارتديت ملابس داكنة بسيطة، قناعًا يغطي نصف الوجه، وقبعة. لم أرد أن أبدو “ننجا”، أردت فقط أن أبدو لا أحد .

ثم كتبت تعويذة رون أخرى: للتخفي . ليس تخفيًا يجعلني غير مرئي تمامًا، بل تخفيًا يخفف الانتباه؛ كأن عيون الناس تنزلق عني ولا تثبت. وبعدها كتبت تعويذة ثانية: للانتقال الآني .

وأنا أكتب الثانية شعرت بخوفٍ حاد: هذا النوع من الرون ليس لعبة. تغيير المكان ليس خطوة. لكن اللاوعي في داخلي—الذي صار يمدني بمعارف بلا ذاكرة—كان يضع الشكل بثقة قاتلة، كأنه يقول:

أنت تعرف، فلا تَجْبُن.

لم أكن أريد أن أتباهى أمام نفسي. قلت فقط: “يا رب.”

فعّلت التعويذة.

العالم انكمش لجزء من ثانية. أحسست كأن الهواء صار ورقة تُطوى، ثم انفتح المشهد على مكانٍ آخر.

وجدت نفسي قرب بؤرة ظهور الوحوش .

لم تكن البؤرة كلمة شاعرية. كانت نقطة في المدينة كأنها جرح مفتوح. في وسط الشارع العريض كان هناك تشوه في الهواء—دوامة سوداء خافتة—تخرج منها صرخات مخلوقات لا تشبه شيئًا بشريًا. حولها قوات الجيش كانت منتشرة: جنود خلف آليات، دبابات تُطلق، سيارات إسعاف بعيدة تحاول الوصول ثم تتراجع. وعلى الأرض جثث وحطام ودماء.

كان القتال في ذروته.

وقفت في زاويةٍ بعيدة خلف سيارة محطمة. التخفي عمل؛ لم يلتفت إليّ أحد. لكني كنت أرى كل شيء، وأشعر أن كل ثانية تأخير تزيد عدداً من الناس الذين لن يعودوا.

رفعت يدي ببطء، وركزت على البوابة. لم أكن أعرف إن كانت “بوابة” مانا أو شيء آخر، لكنني رأيتها كفتحة تُغذي الوحوش. إذا أُغلقت… ينتهي السيل.

كتبت تعويذة رون للإغلاق . لم أكتبها على ورق هذه المرة. كتبتها في الهواء بحركة أصابع، كأن الهواء صار لوحًا شفافًا. الخطوط ظهرت لحظةً كوميض رمادي ثم اختفت… لكن أثرها بقي في الواقع.

سمعت صوتًا منخفضًا، ليس صوتًا في الأذن، بل صوتًا في العظم: كأن المكان نفسه “قفل”.

الدوامة انكمشت فجأة. الوحوش التي كانت تخرج توقف تدفقها كمن أُغلق عليه الباب. ثم ارتجفت الدوامة مرة أخيرة، وانطفأت كجمرةٍ دُفنت في الرمل.

في نفس اللحظة تقريبًا ظهر أمام عيني إشعار من النظام، بنبرته المستفزة التي لا تهنئ ولا تعتذر:

تنبيه: تبقّى لك عدد محدود من تعويذات الرون قبل ختمها. كان المخطط إبقاء الخمس تعويذات للبطولة. لقد استُخدمت.

شدّني الغضب للحظة:

حتى الآن يفكر في البطولة؟ والمدينة تُذبح؟

لكن الغضب لم يفد. كنتُ أعرف أنني لن أتراجع. قلت في داخلي ببرود:

حماية الناس أهم.

ومع ذلك… لم ينته الأمر بإغلاق البوابة.

لأن الوحوش التي خرجت بالفعل كانت ما تزال في الشوارع. بعضُها كان يقاتل الجيش، وبعضها تفرق في الأحياء. إغلاق المصدر لا يمحو الموجود. والوقت كان يهرب.

رأيت جنديًا يسقط تحت مخلب، ورأيت مدنيًا يحاول سحب طفل من تحت ركام. شعرت بشيء في صدري يشتعل: لا يمكن أن أترك المدينة تُنزف لمجرد أن النظام يريدني أن أحتفظ بتعويذات للبطولة.

رفعت يدي ثانية.

هنا لم “أعرف” التعويذة بعقلي الواعي. ظهرت من اللاوعي مباشرة، كأنها كلمة قديمة كنت أهرب منها: تعويذة الإبادة … أو بالأدق: تعويذة “الإزالة”.

كتبتها بحذرٍ شديد، لأن كلمة واحدة زائدة قد تعني موت بشر، لا وحوش. ركزت على معنى واحد: الوحوش فقط . لا المباني، لا البشر، لا الآليات. الوحوش.

وفعّلت.

لم يحدث انفجار. لم تشتعل السماء. لم تلمع أضواء كما في الأفلام. الذي حدث كان أبرد من أي نار: الهواء صار ثابتًا لحظة، ثم أحسست أن شيئًا “يمر” على المدينة كالمسح. كأن يدًا غير مرئية مرت فوق سطح العالم تبحث عن شكلٍ معين.

ثم بدأت الوحوش… تختفي.

ليس اختفاءً تدريجيًا كمن يموت، بل اختفاء كمن يُسحب من الصفحة. بعض الوحوش انهارت أولًا كأنها فقدت معنى وجودها، ثم تبخرت إلى رماد أسود ناعم. وبعضها اختفى فورًا، تاركًا خلفه فراغًا ورائحة حديد محروق.

في أقل من عشر ثوانٍ—عشر ثوانٍ فقط—خفّت الأصوات. توقف الصراخ بالتدريج. توقفت الطلقات في نقاط كثيرة. بقيت أصوات محركات الجيش، وصوت إسعاف بعيد، وصوت بشر يلهثون لأنهم ما زالوا أحياء.

الجنود نظروا حولهم بذهول. أحدهم رفع سلاحه نحو مكان لم يعد فيه عدو. دبابة أطلقت طلقة في الهواء ثم توقفت كأن قائدها لا يصدق أنه لم يعد هناك هدف. المدنيون الذين كانوا يركضون توقفوا فجأة، كمن فقد السبب الذي كان يحرّكه.

أما أنا… فكنت واقفًا خلف السيارة المحطمة، يدي ما تزال مرفوعة نصف رفع، وقلبي يدق بسرعة لم أعرفها حتى في لحظة انشقاق البحر.

ظهرت رسالة النظام مرة أخرى، كمن يُنهي محضرًا إداريًا:

تم استهلاك التعويذة الأخيرة. جاري ختم تعويذات الرون المخصصة.

شعرت بقفلٍ جديد في داخلي. ليس ألمًا، بل إحساس أن بابًا أُغلق. الباب الذي فتحته قبل قليل لن يفتح بنفس السهولة مرة أخرى.

والمصيبة… أنني الآن، قبل البطولة بساعات، كنت قد استعملت ما كان النظام يريد أن يتركه لي للجزيرة. كنت قد أنفقت “رصيدي” على المدينة. لم أندم. لكني فهمت حجم الورطة: غدًا سأدخل بطولة تُكافئ القتل وترفع المستويات… وأنا لا أملك مانا للاستعمال، وقواي مختومة، والرون الذي كان يمكن أن يكون مخرجًا… خُتم الآن أيضًا.

وقفت دقيقة أراقب المشهد. الجيش بدأ يجمع صفوفه ويؤمّن الشوارع. الناس بدأوا يخرجون من أماكن اختبائهم ببطء. لم يلمحني أحد. التخفي كان يعمل. وهذا جيد. لأنني لم أكن أريد أن أصير “بطل المدينة”. أنا لا أريد الأضواء. الأضواء تقتل في عالمٍ صار فيه الرقم فوق الاسم عملة.

فعّلت تعويذة الانتقال الآني مرة أخرى—آخر شيء بقي من ذاك الباب قبل أن يُغلق تمامًا—وعدت إلى غرفتي كما لو أنني لم أغادرها.

سقطت على حافة السرير، أنفاسي سريعة، ويدي ترتجف قليلًا. ليس من التعب البدني؛ كانت عضلاتي عادية كما قال النظام. لكن الارتجاف جاء من شيء أعمق: من إدراك أنني لعبت بالواقع مرة أخرى، وأنني نجوت من أن أقتل أحدًا بالخطأ.

جلست، وأسندت ظهري إلى الحائط، ونظرت إلى النافذة. في الخارج ما زالت هناك أضواء طوارئ. المدينة لم تعد كما كانت قبل ساعات. لكن على الأقل… بقيت.

وبينما كنت أستعيد أنفاسي، عاد السؤال الذي طردته في لحظة القتال: كيف أعرف الرون؟ لماذا أعرفه؟ وكيف ظهر “من اللاوعي” بهذه الثقة؟

لم أملك جوابًا. الذاكرة مختومة. لكن المعرفة… كانت موجودة. كأن الرون جزء من “نظام الصقل” الذي قاله النظام، لا من نظام المانا.

ضحكتُ بخفة حزينة: “رائع. أنقذتُ الناس… وخسرتُ ما كنت سأحتاجه غدًا.”

ثم توقفت ضحكتي فجأة عندما تذكرت شيئًا أبرد: قواعد البطولة قالت إن من ينسحب أو يُهزم تُمسح ذاكرته عمّا حدث داخل الجزيرة. أنا… أصلاً ذاكرته مختومة. فماذا سيفعلون بي غدًا؟ ماذا يمكن أن يمسحوا من شخصٍ بلا قصة؟

وكم ستكون قاسية الجزيرة… عندما تدخلها بلا مانا، بلا رون، وبجسد بالغ طبيعي، ومعرفة قتالية بلا ذاكرة؟

هنا بالضبط رنّ الهاتف. كان سليم.

أجبت بسرعة.

صوته كان مضطربًا: “ريان! شنو وقع؟! الوحوش اختفوا فجأة! الجيش كيقول… ما فهموش! الناس كيهدرو على معجزة!”

أغمضت عيني لحظة. ثم قلت بصوتٍ ثابت:

“أنا بخير. ومدينة بخير. هذا المهم.”

سليم سكت ثانية، ثم قال ببطء: “أنت… كنت فشي مكان؟”

لم أتهرب كثيرًا. قلت الحقيقة التي لا تكشف هويتي:

“كنت قريب… وساعدت بقدر ما استطعت. ولكن لا تسولني كيف. ليس الآن.”

قال: “غدًا البطولة…”

قلت: “غدًا البطولة. ونحتاج رأسًا باردًا.”

أنهينا المكالمة.

أغلقت الهاتف، ونظرت إلى السقف.

الليلة التي تسبق البطولة كانت قد تحولت—قبل أن تنتهي—إلى بروفة دموية للعالم الجديد. وكأن النظام أراد أن يقول للجميع:

أنتم تظنون أن الجزيرة هي الخطر؟ لا. الخطر بدأ هنا، في مدنكم.

أما أنا… فكنت أعرف معنى أعمق: النظام لم يكن مستفزًا فقط… كان يختبرني . اختبر هل أحتفظ بتعويذاتي لنفسي، أم أصرفها لحماية الناس. والآن، وأنا بلا تعويذات، كان الغد ينتظرني كفخٍ مفتوح.

قبل أن أطفئ الضوء، ظهر إشعار صغير في زاوية رؤيتي، ليس طويلًا، مجرد تذكير بارد:

تبقّى على بدء البطولة: ساعات قليلة.

وضعت رأسي على الوسادة، وأنا أعرف أنني لن أنام نومًا كاملًا.

لكنني قلت لنفسي جملة واحدة، كتعويذة بشرية هذه المرة، لا رون:

“إذا كان عليّ أن أدخلها بلا أي شيء… فسأدخلها بما بقي: العقل.”

2026/03/02 · 1 مشاهدة · 1772 كلمة
foshi rayane
نادي الروايات - 2026