كان الغد قد جاء… لكنه لم يأتِ كصباحٍ عادي. جاء كحدٍّ فاصلٍ بين “جامعة” و“جزيرة”.

التقيتُ سليم عند المكان الذي اتفقنا عليه، وكل واحدٍ منا يحمل على كتفه حقيبةً صغيرة ويُخفي في صدره حقيبةً أثقل: الخوف، والفضول، والقرار. كنا قد جهّزنا ملابس تُخفي هويتنا كما لو أنّنا ذاهبان إلى مسرحٍ لا يحق فيه للاسم الحقيقي أن يقف تحت الضوء. أنا ارتديتُ الأسود بالكامل؛ قناعًا بسيطًا، قفازات، وغطاءً يُسدل على الرأس فلا يترك سوى العينين. سليم جاء بالأبيض بالكامل—بياضٌ لا يريح، بل يثير القلق، كأنه يقصد أن يصير ظلًّا معاكسًا لظلي.

نظر إليّ لحظة ثم قال بنبرة تحاول المزاح ولا تنجح إلا نصف نجاح:

“إذا التقينا داخل الجزيرة وضيّعنا بعض… على الأقل سأعرفك من السواد.”

قلتُ: “وأنا سأعرفك من البياض… وكأننا اتفقنا أن نصير شطرنجًا يمشي.”

ضحك سليم، ثم صمت. الضحكة لم تكمل طريقها، لأن العدّ التنازلي كان يقترب من الصفر، ولأن السماء فوقنا كانت هادئة أكثر من اللازم… الهدوء الذي يسبق انكسار شيءٍ كبير.

لم نكن وحدنا في تلك الساحة المفتوحة قرب أطراف المدينة. كان هناك آخرون متناثرون، ليسوا كثيرين في المكان ذاته، لكنك تشعر أنهم موجودون في كل مكان: أشخاص ينظرون إلى السماء أكثر مما ينظرون إلى الطريق، ووجوهٌ تُخفي قلقها تحت أقنعةٍ مرتجلة أو قبعاتٍ أو نظارات. لم تكن لدينا “دعوة ورقية” ولا تذكرة؛ كانت الدعوة تسكن في الواجهة، وفي تلك الجملة التي لا تزال ترنّ في داخلي: يرجى إدخال اسمكم.

عندما انتهى العدّ التنازلي… لم يحدث صوت جرس، ولم تهتز الأرض كالمرة الأولى. حدث شيءٌ أبسط وأفظع: ظهر ظلٌّ هائل على المدينة.

رفعتُ رأسي، وشعرتُ وكأن الهواء فوقي صار سقفًا. الجزيرة العائمة ظهرت فجأة، ضخمة إلى درجة أنك لا تستطيع قياسها بعقلك. لم تكن نقطةً في السماء، ولا “صخرة” طافية؛ كانت كتلة تبتلع الأفق. حوافها كانت واضحة، وتحتها فراغٌ أسود يجعل العين ترتجف. والمدينة، بكل ضجيجها وأسواقها وذكرياتها، بدت صغيرة—صغيرة بصورة مهينة—تحت ظلّ ذلك الشيء.

ثم… فتحت أمامي وأمام سليم بوابة مكانية.

لم تُفتح في مكان بعيد؛ فُتحت أمامنا مباشرة، كأن الهواء انشقّ ليصنع ممرًا. كانت دائرةً تتلوى على نفسها، يتداخل فيها ضوءٌ خافت مع سوادٍ عميق، وكأنها فمٌ بلا أسنان ينتظر أن يبتلعنا. أحسستُ للحظة أن جسدي يريد أن يتراجع خطوة… لكن قدمي تقدمتا بدلًا من ذلك، ليس شجاعةً، بل لأن القرار اتخذ منذ أسبوع: إذا بدأت البطولة، لا مجال للعودة إلى “الحياة القديمة” كما هي.

سليم نظر إليّ، ورفع يده قليلًا—حركة صغيرة تعني: “هل أنت جاهز؟”

قلت: “جاهز… بقدر ما يستطيع إنسان أن يكون جاهزًا لشيء كهذا.”

دخلنا.

الانتقال لم يكن سقوطًا ولا طيرانًا. كان أقرب إلى أن العالم يُطوى من حولك، ثم يُفتح على صفحة أخرى. شعرتُ بدوارٍ خفيف، ثم برودة قصيرة تمرّ من أعلى ظهري إلى أسفل قدمي… وبعدها فتح الهواء فمه، ووجدت نفسي في مكانٍ مختلف تمامًا.

كنا على أرضٍ واسعة داخل الجزيرة، ساحة استقبال أو “منطقة تجميع” تشبه الميادين التي تُجمع فيها الجموع قبل أن تُرمى في الامتحان. لم تكن ساحة حجرية جميلة؛ كانت أرضًا صلبة رمادية، فوقها ضباب رقيق، والسماء هنا ليست سماء المدينة. السماء هنا لها نبرة أخرى، كأنها أقرب إلى سقفٍ كونيّ منخفض، لا يتغير لونه بسهولة.

وكان هناك بشر… كثيرون.

ليس عشرات، ولا مئات، بل بحر من المتسابقين. أقنعة، أردية، ألوان، وجوه مكشوفة لمن لم يهتم، ووجوه مخفية لمن فهم معنى الاسم الرمزي. ضجيجهم كان موجًا: صراخ، استفسارات، شتائم، دعاء، ضحكات عصبية، بكاء مكتوم. كل واحدٍ جاء ومعه فكرة عن “البطولة”، ثم اصطدم بحقيقة أولى: أنت لست بطلًا هنا، أنت رقمٌ بين بحر.

رفعتُ عيني نحو الواجهة الخاصة بي. لم تظهر “واجهة المانا” كما لدى الآخرين، بل ظهرت واجهتي المعروفة—بمزاجها البارد وتذكيرها القديم بأني نظام صقل لا نظام مانا. لكن هذه المرة ظهر سطر جديد كأنه تقرير إحصائي:

عدد المتسابقين التقريبي: 100000

مئة ألف.

قرأت الرقم مرتين. شعرت أن حلقي جفّ. في الجامعة، مدرج كامل يخيفك. هنا… مدرج بحجم جزيرة يبتلعك.

سليم كان ينظر حوله وهو يحاول أن يستوعب العدد بعينيه. قال بصوتٍ منخفض حتى لا يضيع في الضجيج:

“مئة ألف… كيف سنخرج من هذا؟”

قلت: “بالقاعدة الوحيدة التي لا تخون: خطوة خطوة.”

لم أكمل. لأن الواقع تشقق.

ليس كتشقق أرض من زلزال، بل تشقق في الهواء نفسه، شقٌّ رفيع يلمع ثم يتسع، كأن الصفحة التي نقف عليها تُفتح من منتصفها. ومن ذلك التشقق خرج “مشرف”.

لم يكن شخصًا عاديًا يمشي من بيننا. ظهوره كان كظهور سطرٍ جديد في قانونٍ لم يُنشر بعد: فجأة يصبح حاضرًا، والكل يضطر أن يقرأه. كان شكله بشريًا، لكن حضوره ليس بشريًا؛ يقف وكأن المكان يتبع قامته. صوته خرج واضحًا للجميع، لا يحتاج مكبرًا، ولا يعلو بالصراخ، بل يصل إلى العظام مباشرة.

قال:

“استمعوا. قواعد البطولة.”

سكتت الساحة بقدر ما تستطيع ساحة مئة ألف أن تسكت. بقيت همهمات، لكنها انخفضت، كأن الجميع خاف أن يفوته سطر واحد، لأن السطر الواحد هنا قد يساوي الحياة.

بدأ المشرف يتكلم، ولم يقل إنها “الجولة الأولى”، ولم يترك إشارة إلى أن هناك مراحل أخرى. نبرته كانت تجعل الكلام يبدو نهائيًا وكأنه لا يوجد إلا هذا المسار. وهذا—بالذات—كان جزءًا من الفخ.

قال:

“بعد لحظات، سيتم نقلكم إلى أماكن عشوائية على حواف الجزيرة.”

ثم أضاف، وكأن “الحواف” كلمة بسيطة:

“الجزيرة مليئة بالوحوش. بعضها يشبه حيوانات الأرض… لكن بحجومٍ لا تشبه الأرض. وبعضها لا شبيه له في الأرض.”

همسٌ ارتفع بين الناس: “وحوش؟”، “يعني الليلة اللي فاتت… كانت مجرد بداية؟”

لكن المشرف لم يترك المجال.

قال:

“ستقاتلونها… وستقاتلون بعضكم البعض.”

حين قال “بعضكم البعض” شعرتُ أن الهواء صار أشد. لم أكن أحتاج هذا السطر كي أعرف أن البشر سيصيرون أخطر من الوحوش. البشر يعرفون كيف يكرهون.

ثم جاءت الجملة التي جعلت كثيرين يبتلعون ريقهم:

“كل قتل يمنحكم نقاط خبرة.”

ورأيت أمام كثيرين شريطًا يظهر تحت مستوى “1”، شريطًا فارغًا ينتظر الامتلاء. سليم نفسه نظر إلى واجهته، وكنت أرى من زاوية عيني الشريط لديه كخيطٍ دقيق… لكنه صار يعني مستقبلًا كاملًا.

المشرف أكمل بلا رحمة:

“كلما امتلأ شريط المستوى بالكامل… يرتفع مستواكم مستوى واحدًا. وترتفع معه قوتكم.”

هنا انفجرت رغبة بشرية قديمة في المكان: رغبة الصعود. حتى لو لم يقل أحد كلمة “السلطة”، كانت موجودة. في أعين المتسابقين رأيت ما رأيته في قاعات الامتحان لكن مضروبًا في ألف: من سيصعد أولًا؟ من سيبقى؟ من سيصير أقوى؟ من سيُسحق؟

ثم قال المشرف سطرًا أخيرًا، وكأنه يضع حدًا لفوضى التحالفات قبل أن تبدأ:

“نظام الفريق مُفعل. الحد الأقصى للفريق: خمسة.”

خمسة فقط.

هذا يعني أن المئة ألف ستتفتت إلى وحدات صغيرة، وأن الثقة ستكون عملة نادرة. وأن الخيانة ستكون سهلة، لأنها في مجموعة صغيرة أسرع وأقرب. وأن التحالفات الكبيرة لن تكون رسمية، بل سرية وهشة.

نظرتُ إلى سليم. هو أيضًا نظر إليّ. لم نحتج كلامًا. نحن فريق، ولو كان فريقًا من اثنين. لكنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه: بالنسبة له، نظام المانا سيعمل. بالنسبة لي… لا.

واجهتي الخاصة لم تُظهر شريط مستوى مانا يمكنني ملؤه. هي تذكّرني دائمًا: أنت نظام صقل. مستواك لن يرتفع بمهمات المانا. تستطيع أن تشعر بالمانا ولا تستعملها. ومع ذلك، أنا هنا بين مئة ألف، وقواعدهم تُبنى على شيء لا يخصني. كأنني دخلت امتحانًا يوزع نقاطه على مادةٍ لا أملكها.

ومع ذلك لم أشعر باليأس. شعرت بخطرٍ آخر: إذا كنت لا أملك مسارهم، فمساري داخل الجزيرة سيكون مختلفًا… وهذا يعني أن الجزيرة تتوقع مني شيئًا آخر.

الضجيج عاد قليلًا. بعض المتسابقين بدأوا يتصرفون فورًا: يفتحون واجهة الفريق، يضيفون أسماء رمزية، يجرون صفقات سريعة: “أنت معي؟” “لا، معي.” “خمسة فقط!” “أنا أملك لقبًا!” “أنا أملك سلاحًا!”… كل واحد يريد أن يشتري الأمان قبل أن يُنقل إلى الحافة.

سليم فتح واجهته بسرعة، وجعل إصبعه يتحرك في الهواء كأنه يكتب على لوحة مفاتيح غير مرئية. قال لي:

“سأضيفك في الفريق الآن قبل النقل.”

قلت: “افعل.”

ظهرت أمامي نافذة قبول: دعوة للانضمام إلى فريق. ضغطت الموافقة. ظهر اسم الفريق مؤقتًا بلا معنى، ثم خانة “أسماء رمزية” في أسفل الشاشة، كما قيل لنا سابقًا. تذكرت اسم “الميزان” الذي اخترته، لكنني لم أكتبه الآن. ليس لأنني ندمت، بل لأنني شعرت أن الوقت ليس وقت شاعرية. كتبت شيئًا أبرد: “MZ”. اختصار لا يلفت.

سليم كتب اسمًا رمزيًا هو الآخر، محايدًا كما نصحته، شيء لا يفضح “ساحر الكلمات” ولا يفضح شخصيته.

تقدمت منا مجموعة صغيرة من المتسابقين—أقنعة مختلفة، وعيون تقيس. أحدهم قال بصوتٍ خشن:

“نحتاج اثنين لإكمال فريق من خمسة. عندنا مقاتل دفاعي ومُسعف. أنتم؟”

لم أرد أن أُدخل أسماء جديدة إلى حياتي في هذه اللحظة. الثقة ليست سهلة، والجزيرة لا تمنح وقتًا. قلت بوضوحٍ قاطع لكن غير مستفز:

“نحن ثنائي. سنعمل وحدنا.”

حاول الرجل أن يضغط، لكن سليم تقدّم خطوة وقال:

“الحد خمسة… ونحن نريد أن نفهم قواعد اللعبة أولًا.”

انصرفوا. لم تكن نظرة الرجل ودية، لكنها كانت نظرة من فهم أنه سيبحث عن صيدٍ آخر.

التفت سليم إليّ وقال بصوتٍ خافت:

“أحسست أنك رفضتهم لأنك لا تثق.”

قلت: “رفضتهم لأننا لا نملك وقتًا لنفهمهم. الفريق ليس رقمًا. الفريق قرار.”

ثم أضفت شيئًا لم أقله إلا لنفسي: “وفوق ذلك… أنا حالة خاصة. لا أريد أن يكتشفها أحد قبل أن أفهمها أنا.”

سليم لم يجادل. كان يعرف أنني عندما أصير هكذا فذلك لأن هناك شيئًا حقيقيًا خلف الكلمات.

المشرف رفع يده. فجأة صمتت الأصوات كأن اليد نفسها قانون. قال:

“الآن… النقل.”

بدأت الواجهات تومض فوق رؤوس الناس. بعضهم صرخ حين شعر أن أرضه تهتز، بعضهم تشبث بمن حوله، بعضهم دعا الله. أنا شعرت بشيء بارد يلتف حول خصري—ليس حبلًا، بل “تحديد موقع”—كأن الجزيرة تضع على كل واحد منا خاتمًا ثم تسحب الخاتم إلى حيث تريد.

نظرتُ إلى سليم. كان وجهه شاحبًا خلف قناعه الأبيض، لكنه حاول أن يثبت. قال:

“إذا تفرقنا…؟”

قلت بسرعة، قبل أن يبدأ السحب:

“لا تتفرق. تمسك بي.”

مدّ يده فورًا. أمسكتُ معصمه بقوة. في اللحظة التالية سُحب الهواء من حولنا، وسمعت ضجيج المئة ألف ينقطع فجأة كما ينقطع صوت قاعةٍ عند إغلاق بابٍ معدني.

ثم ظلامٌ خاطف… ثم الضوء.

وقبل أن أرى أين رمتنا الجزيرة، لمح بصري سطرًا صغيرًا ظهر في طرف واجهتي—ليس إعلانًا، بل تذكيرًا باردًا يليق بسخرية النظام:

تحذير: مستوى الصقل مختوم.

المانا: قابلة للاستشعار فقط.

كأنها صفعة أخيرة قبل بدء الفوضى.

ورغم ذلك… كنتُ أشدّ على معصم سليم، وأسمع في داخلي صوتًا واحدًا أكثر برودة من الرسائل كلها:

الآن يبدأ الامتحان الحقيقي.

2026/03/02 · 1 مشاهدة · 1583 كلمة
foshi rayane
نادي الروايات - 2026