كان الهواء في ساحة الكلية طبيعيًا بشكلٍ مستفز… وهذا بالضبط ما أخافني.
وقفتُ قرب شجرةٍ قصيرة، أتنفّس كمن خرج لتوّه من سباحةٍ طويلة دون أن يتذكر أين كان البحر. الطلاب يمشون، يضحكون، يلوّحون بأيديهم، والبوابة تبتلع الداخلين وتُخرج الخارجين كما تفعل كل صباح. لا أحد نظر إليّ نظرةَ “هل أنت بخير؟” لأن كل شيء حولي يصرّ على أنني بخير.
لكن داخلي كان يقول العكس: شيء ما انكسر ثم عاد كما كان… أو كاد يعود.
مددتُ يدي إلى جيبي دون وعي، أبحث عن الهاتف كأن شاشة صغيرة تستطيع أن تؤكد لي أن ما حدث لم يكن وهمًا. وجدتُه. كان دافئًا من حرارة جسدي، كأنه لم يغب لحظة. فتحتُه بسرعة. لا مكالمات فائتة. لا رسائل. لا شيء.
رفعتُ عيني إلى السماء ثم إلى الأرض، كمن يتحقق أن الجاذبية لم تتغير. الحمامة التي كانت فوق السور طارت في مسارها العادي. كل شيء “مستمر”. وأنا الوحيد الذي لا يشعر بالاستمرار.
مرّت أمامي مجموعة من الطلبة، أحدهم كان يتحدث بحماس عن مباراة كرة قدم، وآخر يشتكي من محاضرة طويلة. الكلمات ارتطمت بأذني كضجيجٍ مألوف… ثم فجأة تذكّرت شيئًا صغيرًا جدًا، شيء لا ينسجم مع هذا الضجيج: الصمت .
ليس صمت الساحة، بل صمتٌ مطلق… كأن الصوت نفسه انطفأ. كأن العالم قال: “لحظة”، ثم نسي أن يُكمل.
وضعتُ كفي على جبيني. حاولتُ أن أضحك على نفسي، لكن الضحك خرج نصفه فقط. كنت أعرف هذا النوع من اللحظات: لحظات الإرهاق حين يبالغ العقل في صنع الدراما، أو لحظات الضغط حين يختلط الحاضر بأفكار كثيرة. لكن الذي حدث لم يكن فكرة. كان إحساسًا جسديًا : بردٌ داخلي، وخفةٌ في الأطراف، ثم… انقطاع.
حاولتُ أن أتذكر التسلسل بدقة، كأنني في امتحان: ما الذي كنت أفعله قبل أن أقف هنا؟
ثم جاءني المشهد كأنه يرجع من وراء زجاجٍ معتم: باب مكتب. كرسي. صوت أستاذ. حاسوبي على طاولة. نعم… مكتب أستاذ قانون الشركات.
تنفستُ ببطء. إذا كان هذا صحيحًا، فأنا لم أخرج إلى الساحة لأتأمل. أنا خرجت لأن شيئًا ما حدث هناك… في الداخل.
قبل ساعات—في بداية اليوم—لم يبدأ كل شيء بساحة كلية ولا بصمت، بل برنين الهاتف.
كنتُ في البيت، أتهيأ للخروج، أحاول أن أضبط نفسي على رتابةٍ عادية: وضوء، لباس مرتب، حقيبة، ثم جامعة. لكن الهاتف قطع ذلك كله كأنه يرفض أن يسمح لليوم أن يكون عاديًا.
ظهر الاسم على الشاشة: أستاذ قانون الشركات .
ترددتُ لحظة. مكالمة الأستاذ في هذا الوقت ليست سؤالًا بسيطًا. ضغطتُ الإجابة.
قلت: «السلام عليكم، سيدي.»
جاء صوته واضحًا، لا يطيل في التحية: «وعليكم السلام يا ريّان. أريد أن ألتقي بك اليوم في مكتبي. واحضر حاسوبك.»
كان الأمر مباشرًا لدرجة تجعل السؤال يخرج وحده: «في أي وقت؟»
حدّد وقتًا قريبًا، ثم قال جملة قصيرة قبل أن يُنهي المكالمة: «الأمر مهم.»
انتهت المكالمة وبقيتُ لثوانٍ أحدّق في الفراغ. كلمة “مهم” في الجامعة تعني أشياء كثيرة: توجيه، استفسار، تكليف، أو اختبار غير معلن. وضعت الحاسوب في حقيبتي على مهل، وقلت لنفسي:
لا تتخيل الأسوأ… ادخل بعقل قانوني: وقائع أولًا، ثم تفسير.
ذهبتُ إلى الجامعة، مررتُ من الممرات، ثم وصلتُ إلى باب مكتب الأستاذ في الوقت المحدد. طرقتُ. سمعت “ادخل”.
دخلت.
كان المكتب منظمًا بطريقة تفضح شخصية صاحبه: كتب مُرتبة، ملفات موضوعة بزاويةٍ محسوبة، ولا شيء على الطاولة يُترك دون وظيفة. الأستاذ جلس خلف مكتبه كأنه يجلس خلف منصة محكمة، لا خلف كرسي أستاذ.
قال: «صباح الخير.»
قلت: «صباح النور، سيدي.»
أشار إلى الكرسي أمامه. جلستُ.
لم يبدأ بمقدمات. لم يسأل عن غيابي أو حضوري. بدأ بسؤالٍ يضعك داخل الفكرة قبل أن يشرحها:
«ريّان… نحن ندرس قانون الشركات كأن المسؤولية تُمسك من طرف واحد. شركة تُخطئ، مسير يسيء التدبير، عقد يُخرق… فتُقيم الدعوى. لكن الواقع صار أعقد. هناك قرارات موزعة، أنظمة كبيرة، وسلاسل طويلة من الأسباب. كيف تفكر أنت في المسؤولية عندما يصبح الضرر نتيجة “تراكم” وليس نتيجة يدٍ واحدة؟»
لم يذكر “بحثًا” ولم يذكر عنوانًا. لكنه وضعني أمام فكرة أعرفها جيدًا—لا لأنني قرأتها فقط، بل لأنها تلاحق جيلنا في كل شيء: أن العالم صار شبكة، والقانون يحب الخطوط المستقيمة.
قلت ببطء، لأن الإجابة السريعة في هذا النوع من الأسئلة غالبًا تكون سطحية:
«إذا كان القرار موزعًا، فالخطأ قد لا يظهر كشخص واحد. أحيانًا يكون الخطأ في التصميم، في توزيع الحوافز، في غياب الرقابة… الضرر يصبح “نتيجة متوقعة” دون أن تستطيع أن تقول: هذا الشخص وحده السبب.»
هزّ رأسه ثم تابع: «وهنا… كيف تحمي القواعد القانونية؟ كيف توازن بين عدم قتل الاستثمار، وبين عدم ترك الضحية وحيدًا أمام منظومة تقول له: “لا أعرف من تسبب لك بالضرر”؟»
كان سؤالًا نظيفًا، لكنه ثقيل. قلت:
«نبحث عن نقطة السيطرة المؤثرة. من يملك التحكم الحقيقي؟ من يملك القدرة على المنع؟ من استفاد؟ ثم نبني على ذلك: واجب الحيطة، واجب الرقابة، مسؤولية الشركة كشخص معنوي عندما يكون الضرر مرتبطًا بنشاطها، ومسؤولية المسيرين عندما يثبت تقصير جسيم أو تعسف… مع آليات تأمين وتعويض تحمي الضحايا دون أن تتحول إلى عقوبة عمياء.»
سكت الأستاذ لحظة، ثم قال كمن يختبر “نوع” العقل:
«جيد. افتح حاسوبك.»
فتحتُ الحاسوب ووضعته أمامي. لم أشعر بالخوف… لكن شعرت بتوتر طبيعي: مكتب أستاذ + حاسوب طالب = احتمال أن يرى ما لا ينبغي أن يراه، ولو كان شيئًا بسيطًا مثل مسودة غير مكتملة. لكن الأستاذ لم يكن يبحث عن ملفات. كان يبحث عن طريقة تفكير.
قال: «لا أريد عنوان البحث ولا تفاصيله الآن. فقط… أرني كيف تُحوّل هذا الكلام إلى إطار مكتوب.»
فتحتُ صفحة جديدة وبدأت أكتب. عناوين عامة: تعريف المشكلة، صور الضرر، معيار السيطرة، حلول قانونية، حدود. لم أكتب أسماء، لم أكتب شيئًا يُشير إلى شيء محدد. فقط إطار.
بينما أكتب، كنت أسمع صوته يوجهني بأسئلة دقيقة، كأنه يقطع الزائد ويحتفظ بالضروري:
«كيف تُعرّف الضرر هنا؟ هل هو ضرر تقني؟ اقتصادي؟ معنوي؟» «من هم الأطراف؟ شركة؟ مسير؟ طرف ثالث؟» «ما هو معيار الإسناد الذي ينجو في المحكمة؟ لا في الورق فقط.»
كنتُ أجيب وأكتب، ثم أتوقف لحظة لأصحح جملة، ثم أواصل. كل شيء كان طبيعيًا… حتى اللحظة التي شعرتُ فيها بأن الهواء تغير.
لم يكن تغيّرًا واضحًا. لم يسقط شيء. لم ينطفئ الضوء. لكنني شعرت بثقلٍ خفيف، ثم بخفةٍ في أطراف الأصابع، كأن جسدي قرر أن ينسحب نصف خطوة من الواقع. رفعت عيني عن الشاشة لثانية… ووجدت الأستاذ ثابتًا، ينظر إلى ما أكتب.
ثم حدث شيء لا أملك له تفسيرًا نظيفًا: الصوت اختفى.
ليس أنه صار ضعيفًا… بل اختفى كليًا، كما لو أن أحدهم أغلق العالم من زرٍّ غير مرئي. جمدتُ في مكاني لحظة، ثم نظرت إلى الأستاذ. كان ثابتًا، نعم… لكن “ثباته” لم يكن ثبات إنسان ينتظر. كان ثبات صورة.
حاولتُ أن أقول شيئًا… لم يخرج صوتي. حاولتُ أن أتحرك… تحركتُ بصعوبة، كأنني أمشي داخل ماء كثيف.
وفي تلك اللحظة ظهر على الشاشة شيء لم أفتحه أنا: طبقة شفافة، خطوط دقيقة، كلمات قليلة. لم تكن مثل نافذة ويندوز، ولا مثل إشعار عادي. كانت… كأنها جزء من الشاشة نفسها.
قرأتُ جملة قصيرة، مبهمة، بلا سياق: “بعد…”
ثم جملة أخرى لم أفهم هل هي تنبيه أم تهديد أم مجرد خطأ: “لا تنخدع بالهدوء.”
ارتجفتُ. ليس خوفًا من الكلمات، بل من حقيقة أنها ظهرت أصلًا. حاولتُ أن أضغط على أي شيء، أن أغلقها، أن أجد زرًا. لكنها لم تكن شيئًا يمكن “إغلاقه”. كانت حضورًا ثم اختفاء.
اختفت فجأة كما ظهرت.
وبدل أن يعود الصوت… لم يعد. وبدل أن أفهم… انقطع كل شيء.
كأنني أغمضت عينيّ للحظة—أو كأن شيئًا أطفأني—ثم فتحتُها لأجد نفسي… في الساحة.
نعم. الساحة التي أقف فيها الآن.
عدتُ إلى الحاضر وأنا ما زلت واقفًا قرب الشجرة، أتذكر ذلك المشهد كمن يتذكر كابوسًا بدون نهاية. نظرتُ إلى مبنى الأساتذة في آخر الممر، ثم إلى يدي كأنني أتوقع أن أرى أثرًا. لا أثر.
قلت لنفسي بصوتٍ داخلي صارم:
التفسير الأول دائمًا: أنت لم تنم جيدًا. ضغط. هبوط سكر. دوخة.
وهل الضغط يكتب “بعد…” على شاشة؟
حاولتُ أن أرتب الوقائع مثل رجل قانون—وهذا ما أفعله حين أخاف:
ذهبتُ إلى مكتب الأستاذ.
فتحتُ الحاسوب.
شعرتُ بدوار.
فقدتُ لحظة… ثم وجدت نفسي خارجًا.
هذا السيناريو يفسّر الانتقال. لكنه لا يفسّر الكلمات.
نظرتُ حولي. لا أحد يراقبني. لا أحد ينتظر مني شيئًا. هذا يجعل الأمر أكثر غرابة: لو كان هناك “حدث” حقيقي، لترك أثرًا اجتماعيًا. لكن الحدث ترك أثرًا داخليًا فقط.
مددتُ يدي إلى جيبي وأخرجتُ الهاتف مرة أخرى. فتحتُ قائمة المكالمات. لم تكن هناك مكالمة جديدة من الأستاذ. ولا رسالة.
سألت نفسي:
هل أرجع إليه الآن وأسأله؟
وأسأله ماذا؟ “هل تجمدتَ قبل قليل كصورة؟”
ابتلعتُ ضحكة قصيرة. لا. لا أستطيع أن أفتح هذا الباب بهذه السذاجة.
تذكرتُ الجملة الثانية: “لا تنخدع بالهدوء.” الهدوء… ماذا يعني هنا؟ هدوء اليوم؟ هدوء حياتي؟ أم هدوء شيء لم يبدأ بعد؟
لم أعرف. لكنني عرفت شيئًا واحدًا: إذا كانت هذه مجرد “دوخة”، فستنتهي ولن تتكرر. وإذا لم تكن… فالتكرار سيأتي.
وهنا اتخذت القرار الوحيد العقلاني الذي أستطيع اتخاذه : سأراقب.
سأعود إلى البيت كأن شيئًا لم يحدث، لكنني سأحتفظ بهذه الواقعة في رأسي كملفٍ سري: ملف لا أعلنه، ولا أشرحه، ولا أملأ فراغاته بخيالي.
لأن أسوأ شيء في بداية أي مصيبة… أن تبدأ أنت بتأليفها قبل أن تبدأ هي.
تحركتُ أخيرًا نحو بوابة الخروج. وأنا أمشي، مرّ طفل صغير قرب الساحة مع أمه، يضحك ضحكة عالية. ضحكته اخترقتني لسبب لا أفهمه، كأنها تذكير بأن العالم يضحك حتى حين لا تفهم أنت.
للحظة قصيرة جدًا—كوميض عين—مرّت في رأسي صورة لا أعرف من أين جاءت: يدٌ صغيرة تمسك طرف قميصي وتقول: “لا تتأخر.” ثم تلاشت. لا وجه. لا اسم. فقط جملة.
توقفتُ ثانية، ثم هززت رأسي كمن يطرد هلاوس الإرهاق.
خرجتُ من الجامعة. الشمس كانت أعلى الآن، والمدينة بدأت تتسارع. ركبتُ الحافلة، جلستُ قرب النافذة، ونظرتُ إلى انعكاس وجهي في الزجاج. كان وجهي وجهي… لكن عينيّ كانتا تسألان سؤالًا جديدًا دون أن تنطقاه:
إذا كان الهدوء خدعة… فماذا كان ذلك الذي رأيته؟
ولأول مرة، لم أجد في القانون جوابًا جاهزًا.