رنّ هاتفي وأنا ما زلتُ واقفًا قرب بوابة الكلية، أحاول أن أُقنع نفسي بأن ما حدث قبل دقائق ليس أكثر من دوخةٍ عابرة. نظرتُ إلى الشاشة، فظهر الاسم الذي يطمئنك عادةً ثم يربكك الآن: سليم .

أجبتُ بسرعة كمن يلتقط حبلًا قبل أن يغرق:

«ألو…»

جاء صوته مباشرًا، وفيه شيءٌ لم أعتده عليه منه: قلقٌ صادق لا يختبئ خلف المزاح.

«هل أنت بخير يا ريّان؟»

ابتلعتُ ريقي. أردتُ أن أقول “لا”، أن أفتح الباب وأُفرغ كل ما في رأسي، لكنني تذكّرت أنني لا أملك حتى كلماتٍ دقيقة لما حدث. فاخترتُ الجملة الوحيدة التي تبدو طبيعية:

«نعم… بخير.»

سكت لحظة، ثم قال بنبرةٍ أبطأ، كأنه يختار عبارته حتى لا يضغط على جرحٍ لا يراه:

«لا تبدو بخير. عندما كنا عند الأستاذ في مكتبه… فجأة بدأتَ تترنح، واعتذرتَ، ثم خرجتَ بسرعة.»

توقف الزمن في داخلي—لا في العالم—توقف لحظة واحدة كافية لأن يتشقق المنطق.

قلتُ بصوتٍ خرج مني قبل أن أفكر:

«ماذا؟… هل كنتَ موجودًا معنا في مكتب الأستاذ؟»

سمعتُ ضحكته القصيرة على الطرف الآخر، ضحكة سليم التي تعرفها جيدًا: ضحكة من يظن أنك تمزح معه في موضوعٍ واضح.

«هل تمزح؟ لقد كنتُ معك اليوم بالكامل… من أول الطريق حتى خرجنا من المبنى. يا رجل، حتى القهوة التي شربتها… أنت من اخترتَ نوعها ثم نسيت!» ثم أضاف بنبرةٍ ساخرة محببة: «لا تقل لي إنك ستبدأ الآن بإلقاء اللوم على “الذاكرة” كحجة للكسل.»

لم أضحك. لم أستطع. لأن المشكلة ليست في تفاصيل القهوة.

مشيتُ خطوتين إلى جانب سور الجامعة، ثم جلستُ على مقعدٍ حجري تحت ظل شجرة. كانت الساحة تمتلئ وتفرغ كعادتها، ووجوه الطلاب تمرّ أمامي دون أن تشعر أن رأسي امتلأ فجأة بثقبٍ أسود.

قلتُ ببطء، وكأنني أختبر الكلمات قبل أن أصدقها:

«أنا… لا أتذكر أنك كنت معنا في المكتب. أتذكر الأستاذ… والكرسي… والحاسوب… ثم… فراغ.»

سليم لم يسخر هذه المرة. صوته انخفض درجة، وصار أكثر جدية:

«إذن أنت فعلاً تعبت. هل أكلت شيئًا؟ هل نمت؟»

كنتُ أريد أن أقول: “لا أعرف”، لكنني قلت:

«نمت… وأكلت. لكن… حدث شيء غريب.»

«ماذا؟»

ترددتُ. ثم قلتُ بحذرٍ شديد:

«لا أعرف ماذا أسميه. كأن… لحظة انقطعت، ثم وجدتُ نفسي خارجًا.»

سليم قال بسرعة: «أنت اعتذرت للأستاذ، قلت إنك تشعر بدوار، وأنا خرجت معك. كنت شاحبًا، ويدك كانت باردة. قلت لك نجلس دقيقة لكنك رفضت. ركبت الحافلة… ثم نزلت قبل محطة أو اثنتين وقلت إنك تريد أن تمشي. هل أنت الآن وحدك؟»

هذه التفاصيل—المفترض أنها “عادية”—لم تكن موجودة في رأسي. لم أشعر أنني أسمع قصة عن نفسي… بل عن شخص آخر يشبهني.

قلت: «أنا عند بوابة الكلية… وحدي.»

قال سليم بلا تردد: «ابقَ مكانك. سأعود إليك.»

وقبل أن أجيب، حدث الشيء الذي لم يكن له علاقة بسليم ولا بالبوابة ولا بالحافلات.

كأن كلمة “في المكتب” فتحت بابًا داخل جمجمتي.

انزلق المشهد أمام عينيّ دون إذن: مكتب الأستاذ —بنفس ترتيب الكتب، نفس الطاولة الخشبية، نفس النافذة، ونفس الحاسوب أمامي. لم يكن تذكرًا طبيعيًا، بل رؤيا … واضحة أكثر من الواقع.

رأيتُ نفسي جالسًا أمام الشاشة، ورأيتُ سليم إلى جانبي على كرسيه، يميل قليلًا كعادته حين يركز، والأستاذ يرفع رأسه من الورقة. ثم—بلا مقدمات—حدث ما لم أستطع أن أضع له تفسيرًا.

توقّفت الحركة.

لم يكن توقّفًا “دراميًا” كما في الأفلام. لم يهتز الضوء. لم يعلُ صوت. فقط… تجمد كل شيء، كأن العالم انقطعت عنه النبضة. بخار القهوة المتصاعد فوق الكوب صار خيطًا ثابتًا في الهواء، عين سليم بقيت في منتصف رمشة، ويد الأستاذ توقفت فوق الورقة كأنها نُحتت في لحظة واحدة.

في الرؤيا، كنتُ أنا الوحيد الذي يتحرك.

سمعتُ نفسي أقول بصوتٍ خافت: «ما الذي…؟» لكن الصوت لم يكن صوتي الذي أعرفه. كان صوت شخصٍ يعرف أن السؤال أكبر منه.

ثم ظهرت على شاشة الحاسوب طبقة شفافة لم أفتحها أنا. لم تكن نافذة من النظام الذي نعرفه، ولا إشعارًا معتادًا. كانت واجهة غريبة… مرتبة أكثر مما ينبغي، ببرودٍ إداريٍّ لا يعرف الرحمة.

لم تقُل “مرحبًا”. لم تسأل من أنا. كتبت شيئًا كأنه تقرير نهائي، لا بداية.

وبعدها، في الرؤيا، حدث انتقالٌ لا يشبه انتقال الأحلام العادية.

انشقّ المكتب كما لو أنه ورقة رقيقة، وانسحبتُ أنا—أنا في الرؤيا—من المكان دون أن أمشي. لم أعد أرى الأستاذ ولا سليم ولا الطاولة. صرتُ في مكانٍ غريب : فضاء واسع بلا جدران واضحة، لونٌ بين البياض والرماد، وهدوءٌ ثقيل كأن الصوت خُلق ثم مُنع.

كنتُ وحدي.

ثم جاءت اللقطات.

لم تكن لقطة واحدة، بل ومضات متتالية كأن أحدهم يُسقط عليك حياةً كاملة في ثوانٍ:

لقطة: أنا أجري في أرضٍ موحلة، وحولـي وحوشٌ ضخمة تكاد تبتلع الضوء. يداي تحملان شيئًا يشبه السلاح، لكنني لا أعرفه. جسدي يتحرك بثقة لا تخصّني.

لقطة أخرى: بشرٌ يقاتلون، وجوههم حادة، عيونهم قاسية، وصراخهم ليس صراخ ألم فقط، بل صراخ قرار.

ثم لقطة: أنا واقف في مكانٍ مرتفع، والسماء فوقي ليست سماءً… بل سقفٌ من غبارٍ ونار. يدي ترتفع… وأطلق شعاعًا ذهبيًا لا يشبه أي شيء رأيته في حياتي. الشعاع يخرج منّي كأنه أمرٌ إداري لا عاطفة فيه، ويضرب المنطقة… فتتحول الأرض إلى فراغٍ صامت. لا انفجار. لا صخب. فقط محو.

تراجعتُ في الواقع فوق المقعد، كأن الرؤيا كانت تُلقى على وجهي. أحسست بالغثيان، وببرودة تصعد من معدتي إلى صدري. حاولت أن أفتح عينيّ بقوة لأعود إلى الشارع، لكن المشاهد لم تتوقف.

ثم… استقرت الرؤيا فجأة على شيء واحد: رسالة .

رسالة لا تأتي بصوت، بل تأتي ككتابةٍ تظهر أمام العين من الداخل، في مكانٍ لا تملكه اللغة عادةً.

رأيتُها سطرًا واضحًا، كأن أحدهم قرر أن يترك لي “خلاصة” بدل أن يترك لي حياة:

تم الرجوع إلى الأرض بعد 200000 سنة من توقف الزمن.

جمدتُ. مئتا ألف سنة؟ العقل رفض الرقم قبل أن يفهمه. من أين جاء الزمن؟ وأي زمن توقف؟ ومن رجع؟ أنا؟ كيف؟

وقبل أن أستوعب، ظهرت رسالة ثانية، أقسى في بنائها، وفيها فراغات كأنها متعمدة:

تمت تسوية المتطلبات و تم إرجاع الذاكرة و القوة الاصلية لل؟؟؟؟

ثم رسالة ثالثة:

تم ختم الذاكرة ل؟؟؟؟ و القوة الاصلية ل؟؟؟؟ بالكامل

ثم جاءت الرسالة التي كسرت شيئًا في داخلي… لأنها لم تكن “سردًا” ولا “تفسيرًا”، بل كانت قرارًا نهائيًا:

تم ختم الذاكرة و القوة المكتسبة من توقف الزمن و تم السماح فقط بالمعرفة و ليس الذاكرة. و أيضًا تم السماح فقط ب 0.00000000000000000000000000001 من القوة المكتسبة.

بقيتُ أحدق في الرقم كما لو أن الرقم وحده كافٍ لشرح الكارثة. جزءٌ من جزءٍ من جزء… إلى حد أن يصبح “قريبًا من لا شيء”.

وفي نفس اللحظة، جاءني إحساسٌ حاد لا يشبه فكرة: كأن بابًا هائلًا في داخلي فُتح لجزءٍ من الثانية، ومعه ضغطٌ لا يُوصف، كأن بحرًا كاملًا يريد أن يدخل جمجمتي… ثم أُغلق الباب بعنفٍ صامت. لا ذاكرة. لا صور. لا أسماء. فقط… أثر معرفةٍ بارد، مثل معادلة تحفظها دون أن تتذكر من علّمك إياها.

انطفأت الرؤيا فجأة.

رجعتُ إلى الشارع كمن يُلقى من ارتفاعٍ ثم يُقال له: “قف وامشِ طبيعيًا”.

كان سليم ما يزال على الهاتف. صوته جاءني من بعيد، كأنه يحاول أن يصل عبر طبقة زجاج:

«ريّان؟ ريّان! هل تسمعني؟»

لم أجب فورًا. حاولت أن أتنفس. الهواء دخل، لكنه لم يملأ شيئًا.

قلت أخيرًا بصوت متحشرج:

«نعم… أسمعك.»

قال بسرعة: «أنا في الطريق. لا تتحرك. هل أنت شاحب؟ هل سقطت؟»

نظرتُ إلى يدي. كانت ثابتة. نظرتُ إلى الناس حولي. كانوا يمشون، يضحكون، يتجادلون… ولا أحد يعلم أن داخلي مرّ عليه رقم “200000” كأنه سكين.

قلت: «أنا جالس… لا تقلق.»

سليم قال: «سأصل خلال دقائق.»

أغلقتُ الخط بعد أن قلت له “حسنًا”. لا لأنني لا أريد مساعدته، بل لأنني كنت أخاف أن أتكلم أكثر فأفقد السيطرة أمام نفسي.

جلستُ وحدي، أراقب حذاء طالب يمرّ، ويد فتاة تمسك كتابًا، وصوت بائع ماء ينادي… وأحاول أن أُقنع عقلي بأن هذه الأشياء هي الحقيقة.

لكن الحقيقة—أو ما يشبهها—كانت في شيء آخر: تلك الرسائل.

لم أفهم معنى “الذاكرة المختومة”، لكنني فهمت شيئًا بسيطًا جدًا: هناك جزءٌ من حياتي ليس لي الآن . كأن أحدًا عاش شيئًا باسمي، ثم عاد وترك لي دفتر قواعد دون صور.

حاولتُ أن أسترجع المشاهد: الوحوش، البشر، الشعاع الذهبي… لم أستطع. كانت كأثر حلمٍ يتسرب من بين الأصابع. بقيت فقط “المعرفة”: أنني رأيت ذلك. أنني لم أتذكره. وأن هناك من قرر هذا الختم عن قصد.

سألت نفسي بحدة: هل هذا مرض؟ هل هذه هلوسة؟ ثم جاء سؤال أشد قسوة: وإن كانت هلوسة… لماذا تظهر بهذه الصياغة الباردة؟ لماذا “تم” و“ختم” و“متطلبات”؟ من يهلوس بلهجة تقرير إداري؟

مرّت سيارة إسعاف بعيدة، فارتجفتُ بلا سبب. ثم تذكرت سطرًا من الرؤيا: “لا تنخدع بالهدوء.” لم أعد أعرف هل هو تحذير أم سخرية.

وصل سليم بعد دقائق. رأيته يقترب بسرعة، يحمل حقيبته على كتفه، وملامحه جادة على غير عادته. جلس أمامي فورًا، ووضع يده على كتفي:

«انظر إليّ. هل أنت بخير؟»

حدقتُ فيه كمن يرى دليلًا على أن اليوم ما زال حقيقيًا. وجه سليم كان طبيعيًا، عيناه فيهما قلق إنساني… وهذا وحده كان مرساة.

قلت: «لا أعرف… حصل شيء غريب.»

قال: «دوخة؟»

قلت: «أكثر من دوخة… كأنني… فقدت لحظة، ثم رأيت شيئًا. ورأيت رسائل…» توقفت. لأنني لم أكن أريد أن أبدو مجنونًا أمام صديقي.

سليم لم يضحك. قال بهدوء مفاجئ:

«لن نتكلم هنا. تعال. نذهب إلى مكان هادئ. قهوة… ماء… ثم تحكي لي من البداية، خطوة خطوة.»

أومأت. نهضتُ معه.

وأنا أمشي بجانبه، شعرت بشيءٍ غامض—ضعيف جدًا—كأنه يتسلل تحت الجلد: إحساس بأن خطواتي أكثر اتزانًا مما ينبغي، وكأن جسدي يعرف كيف يوزع وزنه دون أن أفكر. لم أعلّق. لم أخبر سليم. لكنني لاحظت.

لأول مرة في حياتي، شعرت أن داخلي يحمل “شيئًا” لا أستطيع تسميته… ليس قوة، وليس ذاكرة، بل معرفة لا أعرف مصدرها.

أما الرسالة التي بقيت مثل مسمارٍ في رأسي، فقد كانت واحدة:

تم الرجوع إلى الأرض بعد 200000 سنة من توقف الزمن.

لم أفهمها. لكنني فهمت أنها لن تتركني بسهولة.

2026/03/02 · 5 مشاهدة · 1510 كلمة
foshi rayane
نادي الروايات - 2026