خرجنا من القاعة وكأننا نخرج من سطحِ عالمٍ إلى سطحٍ آخر. الممرات نفسها، الجدران نفسها، حتى رائحة الجامعة نفسها… لكن فوق كل ذلك كانت هناك طبقة جديدة لا تُرى بالعين وحدها: طبقة “الواجهة” التي صارت تسير مع الناس كظلٍّ شفاف.
كنتُ أمشي بجانب سليم، وهو ينظر أمامه ثم إلى جانبه ثم يعود فيحدّق في الهواء كمن يتأكد أن ما يراه ليس خدعة. قال بصوتٍ منخفض، كأنه يخاف أن يسمعه أحد فيستغل ارتباكه:
“ريان…هل هاذا سيبقى؟”
لم أرد أن أبدو كمن يعرف أكثر مما ينبغي. الحقيقة أنني “أعرف” شيئًا… لكن دون ذاكرة، ودون دليل، ودون حقٍّ في اليقين. قلتُ ما يصلح للحياة اليومية:
“لا أدري, لكن الواضح أن اللذي وقع لس لحظة وتمر .”
مررنا قرب مجموعة طلبة متحلقين، كل واحد يعرض لصاحبه “شاشته” وكأنها بطاقة تعريف جديدة. سمعت واحدًا يقول بفخرٍ مضحك: “أنا فالمستوى الأول!” وردّ آخر: “حتى أنا!” ثم ضحكوا. ضحكٌ من نوعٍ غريب: ضحك يحاول أن يجعل الخوف عاديًا.
سليم لم يضحك. كان فضوله صار جادًا، وخوفه صار منظمًا. وهذا—بالنسبة لي—أخطر وأفضل في نفس الوقت: أخطر لأن العقل حين ينظم خوفه يصبح قادرًا على اتخاذ قراراتٍ كبيرة، وأفضل لأنه يمنع الهستيريا.
قلت له ونحن ننزل الدرج نحو الساحة:
“ماذا رأيت في الشاشة الخاصة بك بالضبط؟ غير الاسم والمستوى؟”
أجاب فورًا، كأنه حفظها من أول ثانية:
“الملف الشخصي… الاسم: سليم… المستوى: 1… وفقط.”
كنتُ أومئ برأسي وكأن ذلك طبيعي. في داخلي كانت شاشتي الخاصة ما تزال تحوم، لا تريد أن تختفي، وتذكّرني بالأختام والحدّ المسموح. كانت كأنها تقول: لا تنسَ أنك لست مثلهم.
أجبرت نفسي على النظر إلى الطريق لا إلى الواجهة. لا أريد أن أعيش نصف حياتي في هواء مكتوب.
خرجنا إلى ساحة الكلية. الشمس كانت قوية، كأنها تحاول أن تعوّض عن الضوء الذهبي الذي ابتلع الليل أمس. الناس في كل مكان يتحدثون في نفس الموضوع، حتى الذين لا يحبون الكلام. صارت هناك وحدة غريبة بين البشر: لأول مرة يحمل الجميع شيئًا مشتركًا يظهر أمام أعينهم.
سليم قال وهو يمرّر يده في شعره بعصبية:
“البارح قال الصوت ‘المختارين’… واليوم أعطاهم نظام… يعني… هل سيختارهم من بين الناس؟ أو الكل مختار؟”
كان يسأل سؤالًا منطقيًا تمامًا. وأنا كنت أريد أن أجيبه بمنطقٍ أبرد: غالبًا البداية عامة ثم يأتي الفرز. لكني توقفت قبل أن أتورط في تخمينات. قلت:
“لا ادري. لكن كلمة ‘بطولة’ لا تأتي بلا شروط. و’مختارين’ تعني أنه سيكون فرز.”
تقدّمنا في الطريق نحو باب الجامعة الخارجي. كان في ذهني شيء واحد يتكرر كنبضة: “بعد أسبوع”. أسبوع واحد فقط بين عالمٍ عادي وعالمٍ يعلن بطولة كونية. أسبوع واحد… وهو لا يكفي حتى لمراجعة فصلٍ ثقيل من قانون الشركات، فكيف يكفي للاستعداد لشيء اسمه “بطولة الإمبراطور السماوي”؟
وبينما كنتُ أغلي بهذه الفكرة، حدث ما لم أكن أريد أن يحدث بهذه السرعة.
ظهرت أمامي إشعارة صغيرة.
ليست شاشة جديدة كاملة، بل شريط أعلى الرؤية، مثل تنبيه لا يطلب إذنًا. لكن هذه الإشعارة لم تكن مثل إشعارات الهاتف. كانت تخرج من “النظام” نفسه، بنفس النبرة التي لا تمزح.
توقفتُ تلقائيًا. عيناي ثبتتا على الكلمات قبل أن أفهم أن قدمي توقفتا.
إشعار نظامي
تمت دعوتك إلى البطولة.
كانت الجملة قصيرة جدًا، لكنها حملت وزنًا جعل ظهري يبرد. ليست “احتمالًا”، ليست “قد تكون”، ليست “ربما”. بل قرار: تمت دعوتك.
ابتلعت ريقي. حاولت أن أستوعب: هل هذا يعني أنني من المختارين؟ هل هذا يعني أن الجزيرة العائمة ليست مجرد عرض؟ هل هذا يعني أن الإحساس الذي قال لي “هي لك” لم يكن وهمًا؟
وفي نفس اللحظة—قبل أن أفتح فمي—سمعت سليم يقول:
“هاه؟!”
التفتُّ إليه. كان ينظر إلى الهواء أمامه بنفس النظرة التي كنتُ عليها. ثم رفع عينيه إليّ بسرعة، وقال بصوتٍ أعلى قليلًا من اللازم:
“أتاني نفس الشيئ! مكوتب: تمت دعوتك إلى البطولة!”
تجمدتُ ثانية. ليس لأن الدعوة وصلت إليه، بل لأن وصولها إليه… يعني أن الأمر ليس “وهمًا خاصًا بي”، ولا “تلاعبًا في ذهني”. النظام يوزع الدعوات فعليًا.
لم أرد أن يلاحظ أحد أننا تلقينا دعوة ونحن في وسط الزحام، لكن سليم كان متوترًا ومنفلتًا قليلًا. شددتُ على ساعده بخفة وقلت:
“بتريث… بعنا نتمشي بعيد قليلا.”
تحركنا إلى جانب السور، حيث تقل الأصوات قليلًا. سليم ما زال يحدق في الهواء كأن الرسالة قد تترك أثرًا على شبكية عينه. قال:
“ريان… هذا… هذا معناه أننا مختارين، صح؟!”
لم أجبه بنعم فورًا. كلمة “مختار” صارت ثقيلة جدًا بعد الليلة الماضية. قلت بدلًا من ذلك:
“على الأقل… تمت دعوتنا. وهذا يعني أننا ضمن دائرة… ما.”
سليم لم يحب كلمة “دائرة”. يريد كلمة واضحة. قال:
“بطولة الإمبراطور السماوي… يعني قتال؟ يعني منافسة؟ يعني…هل سنموت؟”
السؤال خرج منه صريحًا، دون تجميل. نظرتُ إلى وجهه، ثم إلى الناس حولنا الذين يضحكون ويصوّرون ويحلّلون، وكأن الموت احتمال بعيد. لكن بالنسبة لمن وصلت إليه “الدعوة”، الاحتمال صار قريبًا بما يكفي ليجلس معك على نفس الطاولة.
قلتُ له بصدقٍ لا يُرعبه أكثر:
“لا نعلم التفاصيل. لكن ما دام اسمها بطولة… فالأرجح فيها اختبار، وربما قتال. والمختارون ليس مثل الذين يحضروا من بعيد.”
سليم ابتلع ريقه. ثم حاول أن يمسك نفسه بشيء عملي:
“ماذا افعل؟”
السؤال الذي يحبه عقلي: ماذا نفعل الآن؟
نظرتُ إلى الواجهة أمامي. كانت رسالة الدعوة ثابتة لثوانٍ ثم صارت مجرد “مُستَلَم”. وفي زاوية الرؤية، شاشتي الخاصة كانت لا تزال تلمع بتذكير الأختام. كان النظام كأنه يصفعني برسالتين متناقضتين:
تمت دعوتك…
لكن قوتك مختومة، وذاكرتك مختومة، وحدّك لا يكاد يُرى.
أيّ بطولة هذه التي يُدعى إليها شخصٌ بسلاحٍ مغلق في صندوق؟
ثم أدركتُ… هذه ربما هي الفكرة أصلًا: البطولة ليست للأقوى الآن، بل لمن يستطيع أن يعمل داخل القيود. للذي يستطيع أن يظل إنسانًا وسط طاقة قد تمحو الإنسان.
قلتُ لسليم، وأنا أختار الكلمات بعناية:
“أولًا: نجمع المعلومات التي أعلنها الصوت: بعد أسبوع تبدأ البطولة. هذا ثابت.
ثانيًا: نحافظ على حياتنا عادية قدر الإمكان، لأن اللذي يضيع أعصابه يخسر قبل ما أن يبدا.
ثالثًا: نستعد جسديًا وذهنيًا: نوم، أكل، تدريب بسيط… والأهم: فهم النظام اللي ظهر اليوم.”
هنا قاطعني سليم:
“لكن النظام عندي ما لا يرى فيه غير الاسم والمستوى… كيف سنفهمه؟”
قلتُ:
“نفهمه من السلوك اللذي سيفرضه علينا. اليوم كل شيئ في المستوى 1… يعني البداية العامة. الدعوة هي أول فرز حقيقي. وباقي التفاصيل غادي تظهر بالتدريج.”
سليم سكت لحظة، ثم قال بجملة كأنها سكين:
“ريان… هل أنت متأكد أنك مثلنا؟”
توقفتُ داخليًا. هذا السؤال كان سيأتي عاجلًا أو آجلًا. سليم ليس غبيًا. وهو رأى أمس واليوم أنني أطرح أسئلة ليست عادية، وأن الأستاذ سمع عني. والآن، في لحظة الدعوة، سليم يشعر أن هناك طبقة أخرى تحوم حولي.
لم أستطع أن أقول له الحقيقة كاملة. ليس لأنني أريد أن أخونه، بل لأنني لو قلت له “شاشتي مختلفة وفيها أختام وحدّ قوة” فسيغرق في سؤال: لماذا؟ وكيف؟ وسيبدأ يربط ذلك بالإمبراطور السماوي وبالجزيرة وبصوت السماء… ثم ربما يقول شيئًا أمام أحد فيتحول الأمر إلى كارثة.
قلت له بصدقٍ جزئي، لكن ليس كذبًا:
“أنا… عندي إحساس أن الأمور عندي معقدة أكثر. لكن لا استطيع ان أثبت لك شيئ . لأن حتى أنا لا أتذكر التفاصيل. اللذي عندي هو المعرفة… وبعض القيود اللتي لا أفهمها جيدا.”
تحركنا نحو المكتبة كما اتفقنا، لكن خطواتنا لم تكن عادية. كل خطوة كانت تحمل وزن أسبوع قادم. دخلنا المكتبة، جلسنا في طاولة جانبية، وفتحنا دفاترنا… لكن هذه المرة لم نفتحها لنراجع قانون الشركات فقط. فتحناها لنصنع “خريطة”.
قلت لسليم:
“نكتب الآن ثلاث خانات:
1. ما نعرفه يقينًا.
2. ما لا نعرفه.
3. ما يمكننا فعله خلال أسبوع.”
سليم بدأ يكتب بسرعة، كأنه وجد أخيرًا أرضًا يقف عليها.
ما نعرفه:
ضوء ذهبي ظهر في السماء وصوت سمعته الأرض.
أعلن “استيقاظ الإمبراطور السماوي”.
أعلن بعد أسبوع بطولة.
اليوم ظهر نظام لكل الناس، كلهم مستوى 1.
وصلتنا دعوة للبطولة.
ما لا نعرفه:
معنى المستويات.
شروط البطولة.
من المختارون فعليًا.
ما الذي سيحدث عند بداية الأسبوع.
ثم نظر إليّ سليم وقال:
“وما يمكننا فعله؟”
قلت:
“نحافظ على جسدنا: نوم، ماء، أكل.
نحافظ على عقلنا: لا نغرق في الشائعات.
ونستعمل هذا الأسبوع في تدريب بسيط: سرعة رد الفعل، تحمل، تركيز. حتى لو البطولة لم تكن جسدية، التركيز سفيد.”
سليم قال:
“وإذا كانت البطولة مرتبطة بالنظام؟”
قلت:
“إذن لازمنا نفهم كيف نتصرف مع النظام. نحاول نلاحظ: هل تظهر إشعارات أخرى؟ هل تظهر ‘مهام’؟ هل تظهر ‘نقاط’؟”
ثم توقفت لحظة قبل أن أضيف:
“وأنت… إذا وصلك أي شيء جديد في النظام ديالك، أريه لي مباشرة. أنا كذلك.
سليم وافق، لكنه قال شيئًا جعلني أتجمد داخليًا:
“ريان… ماذا إذا كانت البطولة… هي التي سترفع الناس من المستوى 1؟”
كانت فكرة منطقية جدًا، ومخيفة جدًا. لأنها تعني أن العالم كله سيهرع. البشر سيقاتلون من أجل رقم. ومن أجل “تقدم”. ومن أجل معنى جديد يمنحه النظام. وهذا وحده قد يخلق فوضى أسوأ من الزلزلة.
قلتُ:
“ممكن. ولهذا… لازمنا نكونوا هادئين. اللذي سيركض وراء الرقم بلا عقل… يسقط أسرع.”
سكتنا قليلًا. في المكتبة كان هناك صمتٌ نسبي. لكن حتى المكتبة لم تكن كما كانت؛ كل همسة بين طالبين كانت عن “المستوى” و“الدعوة” و“المختارين”.
نظرتُ إلى سليم، ثم نظرتُ إلى يدي… وشعرت بذلك الحاجز الداخلي مرة أخرى. “0.000…001” ليس رقمًا على شاشة فقط؛ هو إحساس بأن شيئًا في داخلي محبوس وراء طبقات. ومع ذلك… الدعوة وصلت.
هذا يعني شيئًا واحدًا: النظام لا يدعوني لأنني “جاهز” بالقوة. يدعوني لأنني “ضمن قصة” أكبر من فهمي. وربما… لأن الجزيرة التي ظهرت أمس ليست مجرد جزيرة. وربما… لأنها فعلاً لي، حتى لو لم أستطع أن أتذكر لماذا.
رفع سليم رأسه فجأة. قال:
“ريان… هل ترى رسالة أخرى؟”
حدقتُ في الهواء أمامي. لا شيء جديد. لكني شعرت بشيء يشبه “الشدّ” في صدري، كأنّ هناك اتجاهًا بعيدًا يناديني دون صوت.
قلتُ بصوتٍ منخفض، أقرب إلى اعتراف:
“لا رسالة… لكن… يوجد حساس.”
سليم لم يضحك. لم يعلّق. فقط قال:
“إذن سنذهب معاك… حتى نفهم.”
وفي تلك اللحظة، وعلى الرغم من الصمت، شعرت أن الأسبوع القادم لن يبدأ “بعد سبعة أيام” كما يظن الناس. سيبدأ من الآن. من هذه الطاولة. من هذه الدعوة التي ظهرت في الهواء ثم استقرت في حياتنا كحكمٍ نهائي:
تمت دعوتك إلى البطولة.