طريق الفلاح
دخل فيكتور الغرفة الاستراحة المشتركة بين العمال والجنود وبدأ بخلع قميصه وقال في نفسه: الحياة ليست عدالة لقد ولدت فقيراً ولكن لن أموت فقيراً.
كانت إرادته في العيش غنياً بمالٍ يسمح له أن يفكر بترك العمل للأبد والعيش مع أبناءه والجلوس معهم في حديقة خضراء بعيداً عن خطر فقده لحياته.
إن طريق الفلاح طريق صعب ليس فيه طرقٌ معبدة ولا خطوط حديدية فعلى كل واحد من الفلاحين الذين لم يتلقوا تعليماً جيداً أن يصنعوا طريقهم عبر حملهم للمحراث ويسقوا الزرع ليخرج وينبت ويحصدوه.
وكذلك فيكتور ابن الشمال وأحد السكان السابقين والأصليين في قبيلة السيوف الدموية.
إن الفلاح مشابهة جداً لكلمة الفلاح ولكن لا يعلم الناس أن الفلاح يسعى دائماً للفلاح.
يسعى لحصد الزرع لجني المال ليعيش أبناؤه حياة كريمة.
طريق الفلاح طويل ولكنه يستحق التعب.
نام فيكتور على فراش ليس بالمريح وليس بالمؤلم واستيقظ على أصوات تفعل مصفوفات القتل وأصوات المدافع.
كان في الغرفة عدة رجال ينامون فيها.
لكن لم يستيقظ خائفاً بل منزعجاً فهذا المعتاد في هذه المنطقة.
عندما تفعلت مصفوفات القتل استيقظ الجنود لنداء الواجب وتحركوا قبل أن تأتي أصوات المدفعيات التي جعلت فيكتور ومن معه يستيقظ.
بالنسبة للمستجدين فهذا لا يبشر بالخير أبداً فكانوا يخرجون من الغرفة لينجوا بحياتهم.
عندما رأى فزعهم أوقفهم من الباب وقال لهم صارخاً: اهدأوا قليلاً لو خرجتم فستصبحون لحماً مفروماً من ضرب المدافع هنا نحن في أكثر مكان أمناً.
لكن مع كامل الآسف خرج شاب في مقتبل العمر وفتح الباب خرج لمترين من الغرفة وضربته مدفعية عنيفة وجعلت جسده بلا ملامح كلحم مفروم.
تناثرت الدماء داخل الغرفة وخارجها على حدٍ سواء وبدأ الرجال بالصراخ كالنساء من الخوف والرعب.
أغلق فيكتور الباب بالقوة والإجبار وصرخ للذين معه في الغرفة: إذا خرجتم الآن فلن يكون لكم غد اجلسوا هنا وصلوا من أجل نجاتكم.
الفزع ليس خيار هنا تماسكوا قليلاً فأنتم رجال تملكون عوائل لتصرفوا عليها واليوم ليس يوم موتكم.
نظر الشبان إلى فيكتور وفي عينيهم يأس وخوف وثقة.
جلسوا هادئين وقالوا: إذاً إلى متى سننتظر؟
قال فيكتور: حتى ينتهي صوت المدافع ومصفوفات القتل.
عندما يكون الوضع أكثر أماناً سأخبركم بنفسي اتبعوني وسأخرجكم إلى بر الأمان.
قالوا بصوتٍ واحد: شكراً أيها القائد.
ظهرت ابتسامة مستغربة على وجه فيكتور وقال: أنا لست قائداً أنا مجرد سائق عربة ولا أملك أي عنصر، أنا من عامة القوم.
نظر أحد الشبان وقال: كيف تملك مثل هذا الحزم وسرعة التصرف وأنت لست جندياً مثلنا أو قائداً حتى؟
قال فيكتور: لقد عملت هنا لمدة طويلة تقريباً منذ أن تولى سيلفا زعامة بيت الماء وأنا هنا أعمل كسائق للحمولات والأسلحة.
الخبرة لها دور لو كنتم تملكون نصف خبرتي لما كنتم فزعين هكذا.
نظر فيكتور لوهلة وقال مستغرباً كأنه لم يستمع جيداً لهذا الشاب: إذا لقد تخلفت عن واجبك أيها الشاب؟!!!!!
قال الشاب باحترام ومغيراً الموضوع: ما اسمك أيها السيد؟
قال فيكتور: لا داعي للرسميات ادعوني بفيكتور فقط لقب السيد لأصحاب العيون الذهبية وللجنود الحقيقين.
قال الشاب: التواضع فضيلة جميلة يا فيكتور.
قال فيكتور: أنا لا أؤمن بالتواضع بل معرفة الحدود والنفس جيداً.
لا أرى عيباً في معرفة أنك أعلى أو أدنى من أناس معينة.
كان يتحدث وكأنه رجل حكيم ولكنه كان يقول ذلك بشكل عرضي وهو مقتنع به.
بعد ساعة هدأت مصفوفات القتل وخفت أصوات المدافع وطرق أحد الرجال الباب بقوة.
أومأ فيكتور للرجال وهمس بصمت: لا تفتحوا الباب حتى يعرف الرجل عن نفسه.
في بعض الحالات يكون هناك جاسوس يتحرى عن الأمور وربما يقتلنا.
أمسك فيكتور سيفه الخشبي واقترب من الباب الذي كان يطرق بقوة أكثر من ذي قبل.
قال فيكتور للجندي الشاب الذي تخلف: هنا يأتي دورك القتالي أنا سأعطله قليلاً وأنت فلتقضي عليه.
كان الشاب خائفاً جداً.
لم يكن لفيكتور أي طريقة للتأكد من النصر حتى سمع صوتاً مألوفاً يقول: هل هناك أحد؟
تغيرت النبرة المتسائلة لمتأففة ومتأسفة وبدا وكأنه سيغادر: يبدو أن فيكتور قد عاد لمنزله.
فتح فيكتور الباب وقال مندهشاً بشكل رسمي ومحترم: الزعيم سيلفا؟ ما الذي تفعله هنا أليس من المفترض أن تكون في الخطوط الأمامية؟
كان رؤيتهم لسيلفا تطمئنهم وتنزل عليهم شعور السلام.
قال سيلفا: ومن الذي قال بأنني لم أكن في الخطوط الأمامية؟
لقد انتهيت من مهامي هناك.
ما الأمر معك ؟ لماذا تعطيني هذه النظرة؟
كان فيكتور ينظر بخيبة أمل بسيطة واستطاع سيلفا تمييز هذه النظرة.
قال فيكتور مشيراً إلى الشاب: عليك بالتعامل معه وتدريبه على الشجاعة قليلاً إن هيكلكم الإداري للجيش يحتاج إلى إعادة تأهيل.
نظر سيلفا إلى الشاب وقال بصوتٍ حازم: من أنت أيها الشاب ومن أي وحدة من الوحدات؟
قال الشاب: جندي المشاة في الوحدة 21
سمع فيكتور صوت لكمة قوية.
كانت اللكمة موجهة لهذا الشاب.
سالت الدماء من وجه هذا الشاب وقال سيلفا بنبرة مخيفة جعلت فيكتور يرتعش ويخاف: التخلف عن الجيش مصيره الإعدام يا فتى.
قال الشاب مرتجياً السماح: أرجوك إلا هذا الحكم يا زعيم.
قال سيلفا بينما عينيه ترى هذا الشاب باشمئزاز: القانون قانون تحمل مسؤولية مخالفة القانون العسكري لبيت الماء نحن لسنا أطفالاً هنا نحن حماة وجنود الوطن وسيوف الضعفاء ومنبت السلام والأمان، إن الضعفاء لا يملكون سوانا نحن إذا تخلفنا لحظة واحدة فسيعانون هل تفهم ذلك؟
أم نسيت القسم الذي أقسمته عندما انضممت إلى الجيش؟
لقد أقسمت بشرف عائلتك وشرف ديارك ووطنك بأنك ستقاتل من أجل الضعفاء وها أنت تنكث هذا القسم لو كنت متأخراً لتجاوزت عن الأمر ولكنك تخلفت عن المعركة دون عذر.
شعر فيكتور حينها بالذنب والأسى لقد تسبب بمقتل هذا الشاب بشكل غير مباشر ولكنه قد اقتنع قليلاً بكلام سيلفا.
لقد أنبه ضميره ولكنه تجاهله وكتمه وخرج دون أن يتحدث مع سيلفا.
كان يمشي متوجها للعربة ليعود لمنزله بعد دوامٍ متعب.
حتى سمع صوت رصاصة إعدام هذا الشاب.
قال فيكتور في نفسه ليهرب من ضميره: هذا ما قد جناه على نفسه ولست أنا السبب.
لو نزل على ساحة المعركة وهذه هي شجاعته فحتماً سيموت وسيكون عيباً كبيراً على الجيش.
لكن هل كان يستحق أن يموت هكذا؟
نزل من العربة وهو لا يدري لماذا يريد النزول منها.
لقد ضاق صدره وبدأ في شتم نفسه وقال: اللعنة عليك يا فيكتور ليس الآن وقت الضمير والبطولة أيها الأحمق.
كان يقاوم شعوراً غريباً لا يعلم ما الذي يريد أن يفعله بخصوص هذا الشاب.
سمع فيكتور صوت سيلفا وهو يأمر: خذوا الجثة وادفنوها وقولوا لعائلته أنه كان بطلاً قاتل في سبيل الواجب وسيصرف لهم راتبه السنوي.
رضي فيكتور بهذا الأمر الذي جعل سيلفا يرتفع في ناظره.
لم يكن يرى سيلفا بشكل مباشر ولكنه استطاع تمييز صوته الأجش.
سمع صدى خطوات قادمة إليه فإذا به يرى سيلفا بجانبه وكأنه قد طار خصيصاً إليه.
لقد صدم فيكتور من الخوف ولم يتحدث قبل زعيمه.
قال سيلفا: لماذا ما زلت هنا أليس من المفترض أن تعود لعائلتك؟
قال فيكتور بتردد وحذر: نعم ولكن جاءني شعور أنني قد نسيت شيئاً هنا.
كانت أعين سيلفا الذهبية تنظر وتحلل فيكتور تحليلاً.
وجد سيلفا وفهم أن فيكتور يشعر بالكثير من المشاعر المختلطة من نبرة صوته وعينيه الخائفتين.
قال سيلفا ليهدأ فيكتور: لا تقلق يا فيكتور فلترح بالك أنا لا أنوي أي شيء تجاهك أو تجاه الجيش.
ما أنا إلا رجل أعطي السلطة وعليه إحسان استخدامها.
هذا الشاب لم يكن الأول ولن يكون الأخير.
قال فيكتور بتردد: هل يمكنني الانصراف؟
قال سيلفا: لك كامل الحرية بفعل ما تشاء بعد أن تنتهي من عملك لماذا تنتظر إذني؟
انصرف فيكتور من فوره وركب العربة.
تأمل سيلفا في ملابس فيكتور البسيطة وجسده النحيل الذي يشبه الهيكل العظمي وقال لفيكتور بينما العربة تمشي: هل أنت تأكل جيداً؟
تعال غداً عند الساعة الثامنة مساءًا أنت وعائلتك لتناول العشاء معي أنا و روبرتو.
قال فيكتور: سأحاول.
رفع فيكتور يده إلى السماء ليودع سيلفا.
قال سيلفا في نفسه: هؤلاء الرجال دائماً ما يثيرون القلق لماذا لا يأكلون جيداً؟
لقد أعطيتهم مرتباً يمكنه جعلهم يعيشون ويأكلون حتى التخمة.
لم يفكر كثيراً في ذلك.
عاد فيكتور لبيته وركن عربته ودخل لمنزله.
غير ملابس عمله الرثة والبسيطة إلى ملابس النوم.
جلس فيكتور ونادى على زوجته وقال بنبرة حزينة: هل نام الأطفال؟
قالت زوجته: بلى يا فيكتور ماذا هناك لماذا تبدو كئيباً؟
قال فيكتور بابتسامة فيها الكثير من الهم والغم: لا شيء نحن غداً سنتعشى عند زعيم بيت الماء سيلفا اذهبي واشتري ملابس لائقة لك ولأبنائك.
مد المال الذي أخذه اليوم بعد تعب شديد لزوجته.
اعترضت زوجته: لا يمكنني أخذ هذا المال هل نسيت أنه سيتوجب علينا دفع رسوم التعليم.
قال فيكتور: سأعمل في دوام زائد لا تقلقي حول هذا الموضوع.
قالت زوجته: لا يجب أن نذهب للعشاء إذا كان الأمر سيجعلنا في ضيقة.
قال فيكتور: أتعتقدين أن أمثالنا من عامة القوم يملكون الحق في رفض طلب وأمر من زعيم بيت الماء؟
في الأساس لو كنت أشعر بالأمان تماماً من سيلفا لقمت برفض دعوته لقد قتل شاباً لأنه تخلف عن الجيش بدون تردد فماذا هو فاعل برجل رفض دعوته وتكرمه؟
لن أخاطر بفعل شيء مصيره سيكون غامضاً بالنسبة لكم.
علينا الذهاب وعدم إغضابه.
كان إعدام الشاب أثر كبير على نفس فيكتور فأصبح أكثر حذراً في التعامل مع سيلفا رغم أنه عمل معه سنواتٍ طويلة ولكنه خشي سيلفا أكثر من أي وقتٍ مضى فبيد سيلفا أن يدمر عائلته دون أن يطلق عنصره فقط كلمة واحدة ك: أنت مطرود
يمكنها قلب حياة هذه العائلة للأبد.
اقترحت زوجته اقتراحاً أثار غضبه الشديد: لماذا لا تطلب منه أن يساعدك في موضوع دراسة أبناءك.
صرخ فيكتور مزمجراً: فقط عند موتي يمكنك التفكير بذلك في حياتي كاملة لن أقبل أن أكون مديناً بدينٍ لا أستطيع تسديده وعند موتي لن أخلف لهؤلاء الصبيان ديناً بل ثروة لا يمكنهم عدها.
لن أطلب شيئاً لا أستحقه ولا أحتاجه.
إن فيكتور من عامة القوم ليس مميزاً جداً ولكن ما يجعل فيكتور مميزاً قليلاً عن عامة القوم هو إيمانه بشيئين أن الفقر ليس عيباً وأن التعليم والعلم مهمان.
رغم أنه أمي لا يستطيع ولا يعرف الكتابة ولا القراءة ولكنه يفهم ما يجب أن يفعله كأب ورب أسرة ويعلم القليل عن الحساب والمال.
لقد كان فيكتور وعائلته قديماً من رعية السيوف الدموية ولاقوا عندهم الكثير من العذاب فذهبوا لبيت الماء في بداية عصر سيلفا وأصبحوا من مواطني بيت الماء.
لقد لجأ من السيوف الدموية عقب الكثير من الانتكاسات الداخلية بعد قيام حرب التوحيد وموت زعيم السيوف الدموية السابق على يد الطاغية إلى بيت الماء.
رغم أن بيت الماء لم يكن الخيار الأفضل بالنسبة له ولكنه كرجل أمي لا يعلم القراءة أو الكتابة فلن يكون مرغوباً في بيت الصوت.
بيت الصوت يرحب بالرجال المثقفين وأولي العلم خاصة أصحاب المواهب الأدبية والصوتية في العزف أو الكتابة وصناعة الملابس والحرفيين المتعلمين عند أفضل المدارس.
بيت الماء يرحب بالعمال والرجال المستعدين للعمل والإنتاج والتعب ، حتى الذين لا يملكون أي شهادة أو تعليم سيحظون بفرصة للعمل رغم المرتب البسيط الذي بالكاد يكفي العامل.
وبيت النار يرحب بالمقاتلين والمحاربين الأقوياء.
وبيت الأرض يرحب بالتجار والتجارة الحرة مع جميع أنحاء العالم وهم أهل التجارة العامة(بعيداً عن السلاح والصناعة)في الشمال.
وبيت الرياح يرحب بالمجرمين الهاربين من سلاح العدالة.
اختار فيكتور ما يتوافق مع إمكانيته ليصنع مستقبله.
لقد اختار بيت الماء.
لكنه لم يختر أي واحدة من مناطق قبائل الشمال العظيمة بسبب الاتفاقية الثلاثية بين السيوف الدموية والسيوف القرمزية والجرمان.
كانت هذه الاتفاقية تنص على منع الرعية من الهرب إلى الأراضي الأخرى.
ومن وجد دون إثبات قانوني فعلى الطرف الآخر أن يرده إلى أصله.
لو ذهب أحد رعية السيوف الدموية إلى السيوف القرمزية دون تصريح من سلطة وحكومة السيوف الدموية فسيعاد إجباراً للسيوف الدموية أي أن جميع رعية السيوف الدموية والسيوف القرمزية والجرمان فقدوا حق اللجوء لثلاث مناطق من الشمال وتبقى لهم بيوت القيصر.
لقد ترك كل شيء ليبدأ حياته هنا في بيت الماء.
حصل على وظيفته بعد أن قام بعدة مهن كالنجارة والحدادة.
ومن هذه المهنتين اكتسب المهارات الكافية لصنع عربته التي تستطيع حمل الحمولات بشكل أكبر من أي عربات عادية.
وبدأ في الكفاح ليصبح أحد سائقي العربات الأساسين للجيش.
مضى اليوم بطريقة ما بالنسبة لفيكتور.
كانت شكوى ابنه البكر عن رغبته في العمل هي ما تؤرقه وتقطع قلبه إلى أشلاء.
كان ابنه نحيلاً كالقلم وكأنه ورث هذا الجسد من والده.
قال ابنه في الصباح الباكر: يا أبتي فلتجعلني أعمل في المصانع مع بيت الماء.
نظر فيكتور بفضول: لماذا يا هيكتور؟
قال هيكتور: إن التعليم لن يفيدني وأريد أن أساعدك بصفتي رجلاً وأخاً أكبر لأخوتي.
وضع فيكتور يده الرقيقة والنحيلة على ابنه وقال له وهو يربت على رأسه بفرحٍ وفخر: لقد أسعدني سماع ذلك ولكن دراستك أهم من أي شيءٍ آخر.
لا تقلق على موضوع المال سأوفره لك حتى لا تستطيع عده كل الذي عليك هو أن تتعلم لتساعدني.
ألم يكن هذا اتفاقنا؟
قال هيكتور: لكن..
قال فيكتور بنبرة ديكتاتورية ليفرض سلطته الأبوية: بدون لكن.
هذا الأمر غير قابل للنقاش.
ادرس وتعلم واذهب بعدها للعمل في وظيفة مرموقة كمهندسي المصفوفات واختر مصفوفات النقل لأنها متطلب كبير في السوق ولن تتكبد بسببها الكثير من المخاطر وإياك أن تختار أن تكون في الجيش مثلي فحياتك بالنسبة لي أهم من أي شيء.
وأيضاً يمكنك اللعب في أوقات فراغك لا تذهب للعمل.
كان صارماً جداً مع هيكتور فلو تركه ليفعل ما يريد لذهب للعمل في المصانع بشكل أكيد.
تغيرت الصرامة إلى حكمة ولطف وقال: يا بني لا تطلب مركزاً أو عملاً أنت لا تقدر على ملئه وإذا حصلت على مركز فلا تطمح إلى منصبٍ أعلى منه بل ارفع مركزك عبر إتقانك لعملك.
إن رغبتك في العمل أمر جميل ولكنك لا تقوى على الأعمال الجسدية انظر لجسدك الهزيل الذي مهما أكل وشرب فلن يستطيع أن يصبح أسمن بسببي وبسبب جينات أجدادي.
واعلم يا بني أنه لا عيب في العمل ولا عيب الفقر اهتم أولاً بأن تكون إنساناً شريفاً وبعد ذلك اختر المهن الشريفة التي يمكنها أن تجعلك غنياً وتعيش بسعادة.
لو وصلت لأرذل العمر فاتخذ مهنة وأحبها لتتقنها ومهما حدث كن أعظم من عملك وذلك في جعله ذو معنى ففي ذلك فلاحك، أنا امتهنت نقل حمولات الأسلحة لأساعد في حماية هذه الديار الواسعة.
طريق الفلاح بالنسبة للفلاحين من أمثالي ذوي التعليم الشبه منعدم هو الكدح ثم التعب ثم الإرهاق ولكن في حالتك يا هيكتور ستكون فلاحاً مثقفاً.
ضحك هيكتور وقال لوالده: كيف فلاح مثقف؟
قال فيكتور مبتسماً: أي يكدح بذكاء وبأساليب مختلفة عن الفلاحين.
عندما أصبح غنياً سأريك حياة الفلاحين والريف الجميل الذي تربيت عليه في صغري عند وطننا وأرضنا التي اكتست بالثلج والبرد الذي لا يطاق وفي نفس الوقت سأدعك تخطط كيف سيكون زرعك الخاص.
كان هيكتور متحمساً وسأل: متى تعتقد أنك ستستطيع اصطحابي إلى هناك؟
قال فيكتور: بعد أن تتخرج وتصبح مهندساً معتبراً في الجيش.
قال هيكتور: إذا هذا اتفاق يا أبتي.
تبادل فيكتور القبضة مع ابنه الصغير.
تحرك فيكتور قليلاً وجلس في الطاولة وقال لهيكتور: فلتعلمني قليلاً يا بني من الحروف والأبجدية فأنا لن أكون أمياً للأبد لقد أدخلتك المدرسة لتعلمنا نحن جميعاً وذلك بعد مدة وها أنت قد دخلت المرحلة الثانية من المراحل التعليمية وتبقى المرحلة الثانوية والجامعية وبعدها ستصبح قامة علمية كبيرة.
أحضر هيكتور بضع ورقات ومعه قلم حبر رديء وقام بكتابة الحروف الأبجدية وبدأ بتعليم والده في منظر جميل تحت ضياء الشمس الدافئة
قال هيكتور: لدي خبر مفرح لك يا والدي.
ستقوم مدرستنا بعقد دروس محو الأمية مجاناً وذلك باقتراح من مجلس شيوخ بيت الماء وقد وافق الزعيم سيلفا عليه.
قال فيكتور: ما هي الشروط؟
قال هيكتور مبتسماً: لم يعلنوا التفاصيل بعد ولكن جهز نفسك للحاق بي لنرى من الأذكى أنا أو أنت؟
أمسك فيكتور رأس هيكتور وقال: قبلت التحدي أيها الشقي.
حل المساء وغربت الشمس والابن يعلم والده.
بينما يتعلمان حضرت والدة هيكتور الشاي والقهوة لهما كي يكملا التعلم.
بعد ساعة كاملة من الشرح قال هيكتور لوالده: إن استيعابك سريع جداً يا أبتي.
لقد ظننتك ستعاني كثيراً مع الحروف الأبجدية.
قام فيكتور بضرب لطيفة على رأس هيكتور وقال: وماذا تتوقع من والدك؟
لو كنت ستأخذ ساعتين في تعلم شيء فأنا سأخذ ساعة لأتعلمها.
لو كان لديك المشاكل في الرياضيات والحساب دعني أحلها لك لأنه هذا الشيء الوحيد الذي تعلمته في العلوم وبصفتي تاجر مستقبلي فتعلمت الحساب أولاً.
لاحظ هيكتور محاولات كثيرة لفيكتور في كتابة كلمة غير واضحة بالنسبة له.
قال هيكتور لوالده: ما هذه الكلمة؟ إن خطك غير واضح.
ابتسم فيكتور بحنان وألم: الوطن.
نظر هيكتور لوالده وقال: ما به الوطن يا أبتي؟
قال فيكتور: لا شيء مهم فقط ذكرى عابرة في العقل يا بني.
حروفها بسيطة ومعناها جميل مبكي.
بدا فيكتور مشتاقاً بشدة كل ما قال هذه الكلمة وكتبها.
فبالأمس كان ينطقها والآن تعلم يكتبها.
فشعر بالكثير من المشاعر المختلطة وسرح في خياله ليتذكر كل تلك الذكريات الجميلة حتى سمع هيكتور يقول له: فلتقصص علي القليل من وطننا فقد اشتقت لهذه القصص.
قال فيكتور بنبرة ساخرة ومضحكة لهيكتور وكأنه تناسى بعض السرحان في ذكريات الماضي الذي لن يعود: اسمع جيداً يا هيكتور هذه القصة التي أقولها لك هي قصة أحد المدرسين يحمل رشاشاً طوال الوقت وكنا نلقبه بالرشاش استواني.
قال هيكتور: ولماذا هذا اللقب؟
قال فيكتور: هنا القصة المضحكة.
كان هذا الرجل مدير لمدرسة من المدارس ووصلته رسالة مجهولة الطرف تقول مت شهيداً.
لقد كان هذا المدير رجلاً جباناً فبدلاً من أن يبلغ السلطات قد لجأ إلى حداد وطلب منه أن يصنع له باباً مصفحاً بأقوى أنواع المعادن.
وقام بوضعه في بيته واعتزل الناس كالراهب في صومعته.
وعندما يخرج من بيته كان يخرج متنكراً وخائفاً من المتربص.
تلاقى المدير مع أحد طلابه وقال له: هل رأيت رسالتي؟
قال المدير: أي رسالة تقصد؟
قال الطالب: متى الشهادات.
أمسك المدير رشاشه وحشاه في فم هذا الطالب ومنذ ذلك اليوم أصبح المدير استواني يتجول بالرشاش ويهدد جميع الطلبة أصحاب الإملاء السيء.
ضحك هيكتور بشدة ومعه والده وقال فيكتور: هذه القصة لم أفهمها إلا بعد أن تعلمت الأبجدية منك يا هيكتور.
قال فيكتور: لنذهب إلى السوق لنشتري لك رداءًا جديداً يا هيكتور.
نظر هيكتور لوالده: لا أريد ملابس جديدة ملابسي الحالية جيدة.
قال فيكتور: من اللباقة أن ترتدي ملابس جيدة عندما تكون ضيفاً لأحد الأثرياء.
نحن سنذهب إلى زعيم بيت الماء سيلفا ونتعشى معه فلتصاحب روبرتو كارلوس هو فتى جيد وطيب القلب يمكنه أن يكون أفضل صديق يمكن أن تصادقه في حياتك.
الملابس بالنسبة لك مستقبلاً ستكون شيئاً مهماً.
لو كنت ستذهب للقاء وظيفة فارتدي أفضل ما لديك من ملابس حتى لو اقتضى الأمر عليك أن تقوم بتأجير الملابس أو تقترض المال من أجل أن تشتريها.
ذهب هيكتور وفيكتور إلى السوق.
كان المقاطعة التي يسكن فيها فيكتور هي مقاطعة وقسم يسكن فيه الطبقة الفقيرة المكافحة.
عندما يمر في الطريق كان الجميع يحي فيكتور وهيكتور.
فهو محبوب جداً في المنطقة ويعتبره الكثير من أهل المنطقة ملجأهم الأول قبل زعيم بيت الماء فهو من يصلح لهم أمورهم وهو من يقوم باقتراح وإخبار مشاكلهم إلى سيلفا ليحلها لهم.
يقوم بدور الحاكم العام للمقاطعة ولكنه ليس بالحاكم العام فالحاكم العام للمقاطعة ليس مهتماً بالطبقة الفقيرة بل بالطبقة المخملية والطبقة الوسطى.
كان هناك بائع لفطائر اللحم وكان شاباً معروفاً في المنطقة وقال لفيكتور: مساء الخير أيها العم فيكتور.
رد فيكتور وقال: مساء الخير.
قال الشاب: ما الذي تفعله أنت وهيكتور في هذا الوقت المتأخر من الليل؟
قال فيكتور: سنذهب للتسوق ونشتري ملابساً جديدة لهذا الشقي.
قال الشاب: هل أكلتما شيئاً قبل خروجكما؟
لدي بضعة شطائر من اللحم خذوا منها القليل.
وضع فيكتور يده في جيبه ليخرج المال ولكنه سمع الشاب يقول: حسبك يا عم فيكتور إنها اليوم على حسابي.
نظر فيكتور بدهشة وقال: منذ متى وكنت كريماً لهذه الدرجة؟ هل حدث شيءٌ جيد لك؟
قال الشاب: لقد تم قبول أخي الأصغر في الجامعة بمنحة كاملة فقط عندما يتخرج سأعتزل هذه العربة واذهب لأكمل تعليمي.
عانق فيكتور هذا الشاب وقال: هنيئاً لكما.
كان والدكم ليكون فخوراً بكما.
قال الشاب بفرح: أخي ينتظرك ويريد أن يقول لك كلمة بعد شهر من الآن.
قال فيكتور بقلق: هل هناك مشكلة تواجهه هذه المرة؟
زاد القلق وقال: هل لديه مشكلة مع الجيش؟
قال الشاب: لا لا ليس ذلك بل أموراً جيدة وسيخبرك بها بنفسه.
أخرج فيكتور بضع عملات وقال: هذه هدية بسيطة مني لأخيك وأخبره أنني سأكون دائماً مساعداً له متى ما احتجاني أخبره أن يتوجه لبيتي سأساعده بالذي أستطيع عليه.
قال الشاب بأدبٍ واحترام شديدين: منذ أن تركنا السيوف الدموية ولجأنا إلى هنا وأنت ترعانا يا عم فيكتور إن لك فضل كبير علينا ولقد قمت بمعروف كبير لنا لا نستطيع سداده ما حيينا.
سأرد لك نفس الكلام لو احتجت شيئاً منا نحن فنحن تحت أوامرك.
قال فيكتور: لا معروف بيننا فنحن عائلة واحدة ووالدك كان أعز صديقٍ وأخ لي يا هاري إن لم أقم بواجبي تجاهكما فحينها يجب أن تصيبني لعنة أو أموت من الخزي والعار، ربما لم تعلما لأي درجة كان والدكما عظيماً في ناظري عندما كنت أقع في مصيبة كان هو الذي يحلها لي دون أن أطلب دون أن أخبره وكان يغضب أشد الغضب عندما أخفي شكواي عنه لقد تعاهدنا بأننا سنكون أخوة حتى النهاية وقد سميت ابني البكر هيكتور باسمه، ولكن بما أنك مصر أريد أن أعرف تفاصيل المنحة التي تحصل عليها أخوك.
قال هاري: عندما ألتقيه سأساله من أجلك وسأعد لك كامل التفاصيل فقط انتظرها في بيتك.
تحرك فيكتور وأخذ شطيرة اللحم الساخنة ووضعها في فمه هو وابنه هيكتور وقال هيكتور: إنها لذيذة لماذا لا تشتريها منه كل يوم؟
قال فيكتور: هناك أشياء ألذ من هذه الشطيرة عندما نملك ثروة سأجعلك تتذوق بضع الأطباق الشعبية التي كنا نتناولها في السيوف الدموية.
وصل فيكتور لمحل ملابس معروف وشهير.
مكث فيه بضع دقائق واشترى لابنه هيكتور ملابس فاخرة بالنسبة للفقراء وقريبة لأولئك الذين من الدرجة الوسطى.
واشترى فستاناً لبنته كارلا وكان فستاناً يليق بجوهرة جميلة يحبها كابنته.
عاد إلى بيته بينما هو شبع وفرح وبمزاجٍ متفائل رغم أن محفظته كانت أنحف من بطنه.
اقتربت ساعة العشاء وهضم فيكتور شطيرة اللحم بسهولة وكأنه لم يأكلها.
أخذ فيكتور أفضل ملابس لديه والتي لا تمت للفخامة بصلة ولكنها جيدة بالكاد.
وارتدت زوجته ملابس واسعة لا تكشف الكثير من مفاتنها وأعطتها هيبة سيدة محترمة وفخورة.
لكن من كانوا نجوم الليلة ولبسوا أفضل الملابس هم أبناؤه الظرفاء الثلاثي المرح
هيكتور الأخ الأكبر وكارلا الأخت الوسطى الوحيدة والرضيع الذكر جوزيف.
ركبوا عربة أبيهم التي تم تنظيفها وتلميعها بعد عودته من ليلة عمل وتحميل شاقة.
مر فيكتور بكثير من البوابات ليصل إلى قلعة الوحل الأزرق.
وصل للباب وفهم فرق بين الزعيم وعامة القوم.
كانت الأشياء التي لمحها بصره كأنها قدمت من عالمٍ آخر.
تلك التماثيل التي يبلغ حجمها خمسة أضعاف حجم فيكتور أم تلك التحف واللوحات الفنية المزينة في قاعة الاستقبال؟
أم قاعة الطعام الخاصة بضيوف الشرف الواسعة؟ هل هذه الأشياء يمكن لفيكتور توفيرها لأبنائه مستقبلاً؟
كان هذا سؤال يراود عقله الباطني ولكن الإجابة الحقيقية لها هي لا.
إلا لو كان قد حكم العالم ذات مرة.
بعد هذه الدهشة التي أكدت فرق المستوى بين الطبقة الدنيا والطبقة الأعلى شعر فيكتور بشعور يراود أي شخص وهو الحسد.
لكن ليس الحسد الذي يتمنى زواله من الطرف الآخر بل يتمنى أن يكون مثله ويكون سيلفا كما هو.
دخل فيكتور وتلقى ترحيباً حاراً من زعيم بيت الماء سيلفا شخصياً.
لقد أعد وليمة كاملة من أجل هذه العائلة.
دخل على المائدة التي تلونت بجميع أصناف الطعام اللحم والدجاج والسمك والنبيذ والعصائر.
لو قيل أن هناك فردوس بالنسبة للفقراء فستكون هذه المائدة.
تفاجئ فيكتور عندما رأى بعض زملائه القدامى في نفس المائدة.
لقد قام سيلفا بوليمة ضخمة جمع فيها كل الطبقة الدنيا أو عامة القوم ليأكلوا معه في نفس الطاولة ولم يكن هناك أي من الطبقة العليا والمخملية أو حتى البرجوازية فقط الفقراء وبضع ناس من الطبقة الوسطى.
لم يكن سيلفا يرتدي ملابس فاخرة بل ملابس شبيهة بملابسهم كي لا يشعرهم بأنهم فقراء وأنهم عائلة واحدة ربما المعيشة هي الاختلاف لكن الوحدة والأخوة واحدة بالنسبة لسيلفا.
وابن أخيه روبرتو يرتدي ملابس عمله المتسخة.
روبرتو كارلوس وسيلفا كانا يتصفان بالبساطة عندما يلاقون الأصفار المهملة عندما يلاقون الفلاحين والعمال البسطاء.
كان يبدو على روبرتو التعب والفرح ذهب بعرقه ليصافح فيكتور وقال له: إذاً قد قدمت أنت أيضاً؟
تعال وكل معنا.
لم يستطع فيكتور منع نفسه من الابتسام لروبرتو وجلس بجواره.
وضع روبرتو الطعام لعائلة فيكتور وقال لهم ببراءة بينما وجهه ممتلئ بالفحم والتراب: مرحباً بكم في منزلكم لو احتجتم لشيء أخبروني وحسب.
كانت زوجة سيلفا تلحق بروبرتو وتحمل منديلاً مبتلاً لتغسل وجه روبرتو المتسخ وتقول له: اثبت مكانك قليلاً.
كان طفلاً بريئاً توقف في مكانه واغتسل وجهه وابتسم ابتسامة مشرقة كالشمس.
اقترب روبرتو من ابن فيكتور مسرعاً له.
مد يده المتسخة والمبتلة في آن وقال لهيكتور وقال: أنا اسمي روبرتو كارلوس ما اسمك؟
صافح هيكتور يد روبرتو دون أن يهتم بأنها مبتلة وقال: هيكتور فيكتور.
قال روبرتو مازحاً: حتى وجوهكما متشابهة ، تعال لنلعب قليلاً.
كان هيكتور ينظر لوالده كي يستأذنه للعب.
قال فيكتور بلطف: اذهب والعب قليلاً لا مشكلة في اللعب أبداً.
كان فيكتور يجلس بعيداً عن سيلفا ولاحظ سيلفا ذلك واقترب من فيكتور وقال له هامساً: أنا أكثر من يعرفك بين الناس يا فيكتور.
هل هناك ما يؤرقك؟
ابتسم فيكتور بمرارة وقال: لا شيء يا زعيم.
قال سيلفا: نحن بيت الماء عائلة واحدة لو كان هناك شيء أستطيع فعله لك فلتقل ولا تخجل.
قال فيكتور: لا داعي أن تتعب نفسك بالمعاملة مع لاجئ مثلي.
تنهد سيلفا وقال: كنت سابقاً لاجئ ولكنك الآن عضو ومواطن فخور في بيت الماء.
قال فيكتور: هذا على الورق فقط يا زعيم.
تنهد سيلفا ولم يرد أن يتحاج ويناظر فيكتور في هذا الأمر فهو يعي معنى كلام فيكتور فهو لم يعتبر نفسه ولو للحظة كفرد منهم.
نظر سيلفا إلى هيكتور وقال مغيراً الموضوع: هل أنت متأكد أنكم تأكلون جيداً؟
إن هذه النحالة ليست طبيعية.
ما الذي تفعله بمالك؟
قال فيكتور بنبرة شبه رسمية وفيها القليل من الوقاحة: ما أصرفه يخصني يا زعيم لا أريد الجواب على هذا السؤال ولا أي شيء يخص عائلتي رجاءًا.
قال سيلفا: لو لم ترد الإجابة لن أجبرك سأعرف بنفسي ولو وجدت شيئاً غريباً فحينها سأتدخل بصفتي من يكفلك.
قال فيكتور بنبرة واثقة: هذا إن وجدت.
قالت زوجة فيكتور لسيلفا بصوتٍ ناعم وفرح ومازح: إن العامل وراثي له دور فمن شابه أباه فما ظلم.
قال سيلفا بكل جدية متجاهلاً زوجة فيكتور: تأكدوا من أن تأكلوا جيداً لا أريد أن أسمع عن موتكم في مجاعة.
قال فيكتور: لا تقلق نحن نأكل والآن سنأكل.
أمسك قطعة دجاج وبدأ بأكلها وكأنه لم يأكل من سنين.
همس أحد الرجال إلى سيلفا.
قام سيلفا من كرسيه وقال لفيكتور وزوجته: عن إذنكما سأعود لكما قريباً.
قام فيكتور معه وقال: سأذهب معك لو كان أمراً يخص الحمولات فأنا من سأقوم بتسليمها في النهاية.
قال سيلفا: أكمل طعامك والحقني.
جلس فيكتور وتناول طعامه باستعجال حتى أنه اختنق في البداية وتناول كوباً من الماء ليهضم وينزل اللقمة من حلقه وريقه.
لحق بسيلفا سريعاً ودخل قاعة اجتماعات واسعة.
وجد فيكتور نفسه أمام قادة الوحدات العسكرية جميعهم.
21 قائد من الأقسام الثلاثة الرئيسية لجيش بيت الماء.
ألقوا التحية العسكرية لسيلفا.
تقدم أحد الرجال وقال: إن لوكي هنريك فاسكو القيصر يطلب منك تحالفاً مؤقتاً.
مد الرجل برقية تم ختمها بخمسة أختام.
كان الختم الأول لقائد فرقة النار الخاصة لوكي هنريك.
والختم الثاني للارسون هنريك كبير مجلس الشيوخ ورئيس مجلس الشورى لبيت النار.
والختم الثالث لأصغر شيخ وعضو في مجلس الشورى هنريك كاستوس هنريك.
والختم الرابع لابن لارسون وشيخ قسم العقاب صامويل.
والختم الخامس للنائب الثاني لفرقة النار الخاصة هنري كاستوس.
ابتسم سيلفا وقال: يبدو أن هذا من تخطيط لارسون وليس من تخطيط لوكي.
أخبروهم أننا قبلنا التحالف.
كان يقول في نفسه: طالما الأمر لم يكن من كاستوس فلا يجب علي القلق من مكيدة كبيرة من خلف الكواليس.
أحضر لي يا فيكتور ورقة وقلم.
كان يقول هذه الجملة بينما يفكر في الكثير من الأشياء.
أحضر فيكتور رزمة ليست بالكثيرة ولا القليلة من الورق.
أخرج قلماً أزرق اللون حبره جاف استخرج من حبار في البحيرة المتجمدة.
خط سيلفا كلماته في الورق فكان خطه سيئاً ولكن يمكن للمرء قراءته.
إلى قائد فرقة النار الخاصة ورئيس الأركان العسكرية لوكي هنريك.
باسمي أنا زعيم بيت الماء المؤقت ونيابةً عن زعيمنا العظيم كارلوس لوسيوس ارتوريوس أقبل التحالف بيننا لطرد خطر معسكر مملكة الشرق.
وأطلب منك الحضور أنت ونائبيك إلى بيت الماء هنا في الوحل الأزرق لنتحدث بشكلٍ مطول حول اتفاقية التحالف وكيفية جريانه مستقبلاً.
وضع سيلفا ختمه الأخضر على الورقة وقال لفيكتور: اذهب غداً إلى حدود المشتركة إلى شركة بريد الأرواح.
قال فيكتور لينتقد قرار سيلفا: لكن رسالة بمثل هذه الأهمية والسرية لن يكون من الجيد إرسالها عبر البريد.
قال سيلفا هامساً لفيكتور: إن هذه الشركة تحت سلطة الجيش وجزء منه.
اذهب غداً ولتأخذ إجازة أسبوع مع عائلتك ، بالنسبة للمال لا تقلق ستأخذ أجرك الأسبوعي دون تأخير.
قال فيكتور بفرحة: علم وينفذ.
غادر فيكتور هذه الأمسية بعد أن ملأ معدته ليسلم الرسالة.
بعد عدة أيام وصلت الرسالة للوكي.
كان يجلس بداخل الخيمة على الكرسي وقرأ الرسالة مستعجلاً.
قال لوكي بصوتٍ مرتفع: هنري.
دخل هنري الخيمة مسارعاً وقال: ما الأمر يا عمي؟
قال لوكي: لدي مهمة لك أنت وهنريك اذهبا لسيلفا لتؤكدا خطتنا والتحالف بيننا نحن والسيوف الدموية.
سيشارك وايلد في التحالف وعليكما تمثيلي ربما سيظهر بنفسه وربما سيبعث مبعوثاً نيابة عنه.
نظر هنري وقال: لماذا لا تدعني أنا وهنريك هنا في الشرق وتذهب بنفسك أليس ذلك أفضل؟
قال لوكي بنبرة فيها الكثير من العزم والخوف: خطر الشرق لا يمكن تركه لأطفال.
هذه المرة الزحف سيكون أكبر من أي سنة سبقت ولن نستطيع إيقافه.
إذا حدث أي شيء فعندي التحفتين الاثنين.
أما المتسلل الذهبي الخاص بك فلا تستخدمه إلا عندما يكون الوضع خطراً هل ذلك مفهوم؟
حتى تلك القدرة الخفية التي يعلمها هارالد فقط.
قال هنري: هل تعرف القدرة التي استخدمها هارالد؟!
نظر لوكي إلى أعين هنري وقال بعد تفكير بسيط وكأنه غير رأيه: لا بل أستطيع أن أحزر ما هذه القدرة التي استطاعت تحويل مسار الحرب حينها.
قال هنري: إذاً ما هي باعتقادك؟
قال لوكي بعد ثانية بسيطة من التفكير: بأي حق تسألني يا هنري؟
اذهب لمهمتك.
تأفف هنري من تصرف عمه لوكي وقال: عن إذنك.
كان بجانب هنري أحفاد لارسون فيليب وإيتو.
قال إيتو: يا عم لوكي لدي شيء أريد أن أطلبه منك.
قال لوكي: ما الأمر يا إيتو؟
إن طلباتك أصبحت كثيرة مؤخراً وهذا يزعجني اجعل أمورك مختصرة قدر الإمكان.
قال إيتو: فرقتنا محتاجة لضباط احتياطين ومسؤولين عن الموارد اللوجستية والمالية فنحن الثلاثة لا نكفي.
هنري بالكاد يستطيع تولي أمور الفرقة التي تتوسع بشكل مستمر.
قال لوكي: إذاً فلتقم بنشر منشور واجعل آل كينيدي يتولون أمر تجنيد وتدريب هؤلاء المجندين.
قال إيتو: وأنا هنا لأطلب منك شيئاً مختلفاً وهو بأن تجعل لنا نحن نواب هنري الحق في اختيار المرشحين لهذه المناصب.
فقط بموافقتك سنبدأ بتدريب هؤلاء الضباط بأعلى كفاءة ممكنة.
نظر لوكي إلى هنري وقال: ما رأيك في كلام نائبك؟
قال هنري: لو كان بيدي لقمت بذلك بالفعل منذ مدة طويلة ولكنك أنت قائد فرقة النار الخاصة وأنت الوحيد الذي يمكنه تقرير ذلك مع آل كينيدي.
قال لوكي: هذا الأمر سهلٌ جداً بالنسبة ولا أرى فيه عيباً أو مشكلة ولكن لدي تخوف كبير منكما يا هنري وإيتو.
قال إيتو برسمية ورعب وكأنه يعلم رأي لوكي مسبقاً: وما هو أيها القائد؟
قال لوكي مبتسماً: لماذا الخوف يا حفيد لارسون؟
الأمر فما فيه هو أنني لا أعتقد أن اختياراتكم للناس ستكون بنفس خبرة آل كينيدي.
هل تستطيعان أن تنافسا جان وجون في هذا الأمر؟
هل تستطيعان تحمل غضب جان فيما بعد إذا علم بقراركما؟
كانت هذه الكلمة كفلم رعب بالنسبة لإيتو وهنري فهما لا يستطيعان مقارعة وتحدي آل كينيدي ابتلع هنري ريقه من هذه الكلمات.
حاول هنري في صغره تحدي سلطة آل كينيدي وكاد أن يعزل تماماً من بيت النار ولولا تدخل لارسون وهنريك لإنقاذ هنري من هذا الموقف لكان هنري الآن خارجاً عن الجيش ويبحث عن عمل عادي خارج إطار السلطة وخارج الأمور العسكرية والسياسية لبيت النار وسيعامل وكأنه مواطن عادي لا يملك امتيازات سلالة القيصر.
قال هنري بثقة: سأتحمل جميع الضغوطات الناجمة عن هذا القرار.
قال لوكي: إذا يا هنري كاستوس لك السلطة في فعل هذا الأمر.
نظر لوكي لهنري وإيتو وقال بعد تفكير بسيط وابتسم: يمكنني مساعدتكم لو وافقتم على طلبي الحالي.
قال هنري بحماس: ما هو؟
قال لوكي مبتسماً بوحشية: أن يفوز واحد منكما بوراثة منصب زعيم بيت النار المستقبلي.
وتعلنوا بعدها بمدة أن ابني الذكر سيكون وريثكم المستقبلي.
أما إذا كانت أنثى فلا شيء عليكم.
ما رأيكم؟
نظر هنري لعمه وقال بحزم: أنا موافق على هذا الشرط.
قال إيتو لهنري: من كان يتوقع أن عمنا لوكي يريد السلطة؟
قال هنري: ومن الذي لا يريد السلطة يا إيتو؟
إن السلطة هي مفتاح مهم لتحقيق الأحلام وإشباع الرغبات.
قال إيتو: قد قبلنا ذلك ولكن سيظل جان وجون غاضبان من هذا القرار وسيقومان بجلب فوضى داخل مجلس الشيوخ .
قال لوكي مبتسماً: فقط أريده أن يتحدث وينطق بشفة واحدة أنتما عضوان من فرقتي وقد قلت كلمتي لكما لا يوجد هناك شيء تحتاجان لخشيانه حتى كاستوس بنفسه لن يستطيع مسكم دون إذني أنا لن أفرط برجالي حتى وإن كانوا حثالة.
أنا الوحيد الذي يسمح له بتأديبكم.
هل ذلك مفهوم؟
قال هنري: وماذا عنك؟
قال لوكي: هل تظنان أن قائد فرقة النار الخاصة التي تمتد من القرن المظلم سيخشى مجرد بشر مثله؟
إن آل كينيدي مرعبون بالنسبة لكم ولكنهم في النهاية أعضاء عائلتي وزوجتي واحدة منهم.
حتى لو اشتد الخلاف لن يكون شيئاً كبيراً بعكسكم أنتما.
الأول هو ابن الزعيم والثاني حفيد الشيخ الأعلى وكلاهما يقمعانهم.
هنري أنت حاولت مجابهة جون الكينيدي قبل أن تخرج من الشمال في رحلتك للبحث عن الذات يجب أن تعلم أن جون يرى فيك إمكانيات كبيرة ولكنه يكرهك ويمقتك أشد المقت لذلك كن حذراً طوال الوقت لا ترخ حذرك خاصة لو كنت خارج إقليم بيت النار لأنه إذا حدثت حادثة مؤسفة لك فربما أول من سيلام على ذلك هم الكينيدي وستقوم نزاعات دموية داخل بيت النار وهذا الشيء لا أريده أن يحدث.
نظر هنري لعمه وقال: هل أنت متأكد أنهم يريدون تصفيتي لهذه الدرجة؟
قال لوكي: أنا أتحدث افتراضاً فقط لأنهم إذا ملكوا الفرصة سيفعلون ذلك حتماً.
لولا مراقبة وضغطنا نحن آل مورجان عليهم لربما أثاروا فتنة شديدة في الإقليم.
قال إيتو: لنفترض بأن الحرب قد قامت ستقف بأي صف يا عم لوكي؟
ابتسم لوكي بتغطرس: سيظل قائد الشياطين الحمر وقائد فرقة النار الخاصة في صف الشعب.
لو أراد الشعب أن يحكمه آل مورجان فسأقف معهم ولو كانوا آل كينيدي فسأكون مع آل كينيدي.
نحن الشياطين الحمر لا نبتغي السلطة ولا الثروة بل نبتغي حماية الضعفاء وسلام البلاد ولو ظهر ما يهدد أمن هذه البلاد فيجب أن نقصيه ونحرقه.
هذا المبدأ لم يتغير ولو لمرة منذ تأسيس الفرقة نحن لسنا سفاحين أو جنود عاديين بل نحن حماة لا نسقط ولا نقهر بل نفوز وننقذ من يستحق الإنقاذ.
نظر هنري إلى عمه بفخر وأعطاه التحية العسكرية وانصرف من فوره.
لحق فيليب وإيتو هنري وبدا وكأنهم أخوة غير أشقاء جنب بعضهم البعض.
كان هنريك يرى هنري من بعيد وقال له: ما الأمر لماذا تبدون فرحين؟
قال هنري مبتسماً بسعادة: لقد حظينا بدعم عمنا لوكي.
نظر هنريك إلى هنري وقال: سبق وأن قلت لك يا هنري أن تبتعد عن المشاكل مع آل كينيدي فأنت لا تجلب لي سوى المصائب والآن أنت تجلبها لعمك.
ما الذي طلبه منك كمقابل؟
قال هنري: بأن أرث منصب زعيم بيت النار ولو رزق بصبي ولد فعلي أن أجعله خليفتي وأجعله زعيم بيت النار القادم بغض النظر عن إمكانياته وشخصيته.
قال هنريك متعجباً: يبدو أنني لم أفهم عمي لوكي يوماً.
تارة يبدو غير مهتم بصراعات السلطة والمصالح الشخصية وتارة أراه متعطشاً بشكلٍ مخيف للوصول للسلطة ويبدو أنه يريد أن يولد طفله بمعلقة ذهبية.
ابتسم هنريك وقال: أود الآن وبشدة بأن أرى الكينيدي يعترضون على هذا القرار في مجلس الشيوخ.
لأن عمنا لوكي إذا قال كلمة فلن يستطيع أحد الاعتراض سوى عمنا لارسون.
اقترب من هنريك رجلً يشبه لوكي وقال لهنريك: تعال معي لحظة يا هنريك هناك شيء يجب أن تعلمه.
قال هنريك: ما الأمر يا فاسكو؟
قال فاسكو بنبرة ممتلئة بالجد: هناك مهمة مشتركة بيني وبينك قررها الزعيم.
تنهد هنريك وقال لعمه فاسكو: وما هي؟
قال فاسكو: مهمة سرية فقط أنا من أعلمها.
قال هنريك لعمه: لا تقل بأنك اقترحت على أبي بأن اذهب معك يا فاسكو.
قال فاسكو مبتسماً بحزن: بل كان اختيار والدك دون أن اقترح عليه فأنا لو أردت الذهاب في مهمة سرية سأحبذ أن أكون وحدي.
لطالما كنت أحب أن أقاتل واعمل لوحدي دون مساعدة ولكن مع مرور الوقت فقدت مهاراتي في العمل منفرداً.
حتى أخي الأكبر كاستوس ولارسون لم يعودوا يثقون بقدراتي الفردية.
لذلك طلبوا منك دعمي.
هذه الخطة تتبع الخطة الأكبر لبيت النار.
قال هنريك بعد تفكير بسيط: لقد فهمت أخبر أبي بأنني لن أشارك إذا أراد أن نفعل الخطة فعلينا أن نبني تحالفات معهم فهم سيسعون حتماً لتحريره.
قال فاسكو: ذكي كما عهدتك توقعت المهمة الصحيحة عموماً لقد أخبرت والدك أنك سترفض قطعاً وفي هذه الحالة عليك الذهاب بنفسك لإخباره بكل شيء تظنه وتعتقده.
نظر هنريك لفاسكو وقال: فلتخبره أنني مشغول حالياً مع خطة عمي لارسون في التحالف الثلاثي.
فلتذهب أنت وجوزيف فهذه المهمة تناسبه أكثر مني ومنك.
قال فاسكو: لقد اقترحت نفس الاقتراح ولكن والدك لم يقبل هذا الاقتراح لأنه من الكينيدي ويبدو أنه يخشى علي من جوزيف.
ضحك هنريك بشدة وأسر الشماتة فقال لعمه فاسكو: يبدو أن والدي قد فقد الثقة بك تماماً ولن يعطيك فرصة لتستعيدها.
تنهد فاسكو ونظر لهنري واقترب إليه مسارعاً ووضع يده على كتفه وقال: هل يمكنك إقناع والدك بأن يدع هذه المهمة لي بمفردي؟
نظر هنري لعمه فاسكو وقال: متى ما عزم أبي على أمر فمن المستحيل تغيير رأيه دون سبب قوي جداً.
ويفترض أنك تعلم ذلك أكثر مني.
ابتسم فاسكو وقال ساخراً: يبدو أنك لا تعلم أن كاستوس هنريك العظيم ضعيف أمام طلبات أبنائه.
رغم أنه لا يظهر ذلك ولكن من الصعب بأن يرفض طلبٍ لكم.
خاصة بنته المدللة أختكم ماريا.
ومضت فكرة لفاسكو وقال: سأتوجه لماريا ستحل لي المشكلة بسهولة.
كانت نظرة هنري متعجبة من موقف عمه ومضى في أمره دون أن يلتفت له وكان الجميع ينظر له نظرة: يبدو مثيراً للشفقة.