الصفر المهمل
قال آوين بنبرة واثقة: أرواح أهل الشمال متساوية لا تفضيل لي بينهم أبداً.
قال فيكتور: الواقع مختلف يا زعيم أرواح الناس ليست متساوية بعضها أعلى من بعض.
قال آوين: إذاً هل قيمة روحك أعلى من غيرك؟ يجب أن ننقذ من يمكننا إنقاذهم.
ابتسم فيكتور بفتور وحزن وقال : يا زعيم بيت الأرض ويا ساحر الأرواح المتفرد إنك تدعني أشك بأنك تفهم ما هي الأرواح إن أرواح الناس غير متساوية بعضها أعلى من بعض وبعضها أقل من بعض هذا الواقع ، هل يعامل اللاجئ كالمواطن؟ وهل يعامل المقيم كالمواطن؟ إنهم يملكون أرواحاً ولكن هل حياتهم حق متساوية؟ الإجابة الوحيدة هي لا وهذا هو واقعنا ، أما الذين من أمثالي يمكن أن نصفهم بالصفر المهمل.
أما أنتم يا أصحاب العناصر لستم صفراً مهملاً بل أرقام حقيقية لها قيمة ولها قدرة على تغيير المعادلة.
إذا عشتم ربما ستضيفون قيمةً للصفر المهمل الذي يحاول تغيير الواقع.
لا أطلب منك يا زعيم بيت الأرض أن تتخلى عن النساء فأنا سأحمل وزر موتهن جميعهن معك لأنني هربت ولكن هناك مصلحة أعلى من كل شيء وهي أن تعيش.
إذا استطعت العيش اليوم فسيكون هناك غد لبيت الأرض وأما إذا مت اليوم فلن يكون هناك غد لبيت الأرض وهذه حقيقة لن أناقشك فيها.
صمت آوين تماماً من كلام فيكتور وقال له مستغرباً: من أنت أيها السيد؟ هلا شرفتني باسمك
قال فيكتور مبتسماً: أنا هو الصفر المهمل يا سيد آوين لا حاجة لك بمعرفته.
أقوم بعملي فحسب.
نظر آوين إلى فيكتور وقال: هل هذا أحد مساعدي سيلفا؟
لماذا لم أره وأعرف عنه قبلاً.
مع دقة عقارب الساعات مرت العشر دقائق بسرعة وكأنها صفحة من رواية قصيرة فيها فواصل كفواصل دول الشرق مع دول الغرب.
نزل فيكتور وسلم هؤلاء الرجال إلى إقليم بيت الصوت ولم يرتح ثانية واحدة فغادر من أجل اللحاق بزعيمه كي يرى ما هو المصير الذي سيصير إليه.
كان القلق هو المسيطر على عربة فيكتور فبعد أن أنزل آوين وهنري وهنريك قال لهم: أخبروا المسؤولين أن يجهزوا مسعفين لأن هناك احتمال أن يكون الزعيم مصاباً من القتال.
انطلق فيكتور السياف الخشبي العجوز وصاحب العربة إلى إقليم بيت الأرض على عجل.
وكأن الموت يلاحقه فهو يعي ويعلم جيداً أنه إذا مات سيلفا اليوم فمعنى ذلك أن حقوقه وامتيازاته مع الزعيم القادم ستكون شبه معدومة فبالرغم من فقر فيكتور ولكن هناك تعويضات يعطيها سيلفا كصون شرفه وحفظ أمنه كسائق عربة وحمايته من أي عسكري فيه النرجسية والغرور والبهتان.
لو مات سيلفا فهذا يعني موت فيكتور معه.
فهو رب عمله وهو الوحيد الذي استقبله للعمل عنده رغم أنه أمي عجوز قد هلك جسده وضاق عمره.
كان يصلي ويدعوا من صمائم قلبه بأن يكون سيلفا سليماً كانت العشر دقائق بالنسبة له كأطول عشر دقائق قد عشها.
كانت كالمعركة الفاصلة كاليوم الذي اقتحم فيه حدود بيت الماء وتخطي حراسة السيوف الدموية ويطلب اللجوء من زعيم بيت الماء سيلفا.
بدا وكأن فيكتور خائف على حياة سيلفا وكأنها حياته وهذا الأمر طبيعي ومبرر.
فمن ذا الذي يستطيع لوم رب عائلة يخاطر بنفسه على هذا القلق المبرر؟
لا أحد يستطيع لومه.
انطلق للثغرة التي وجدها هنري من بيت الرياح ودخل منها وترجل على كعبه.
كانت الخيول قد بدأت تفقد قدرتها على الركض السريع وأراد أن يعطيها استراحة بسيطة قبل الهرب.
أمسك سيفه الخشبي بتوتر وخوف شديد.
بدأ بالركض والبحث عن سيلفا.
قبل ذلك سمع فيكتور صياح وصراخ عجيبين كانت هناك امرأة تلد وتصرخ طلباً للمساعدة.
بعدها سمع صوت طفلٍ رضيع يبكي بشدة كان متردداً للحظة حول إنقاذ المولود وأمه ولكنه ترك ذلك وقرر وعزم أن يذهب لزعيمه وصاحب عمله الذي يعطيه أجره.
لمحت هذه الامرأة فيكتور وقالت له: أرجوك ساعد واحفظ هذا الطفل في عهدتك.
سيجزيك زوجي أجرك وأكثر إذا قمت بإنقاذه.
اقترب فيكتور بسرعة من الامرأة وقال: أيتها السيدة الشريفة سأقوم بالاعتناء بابنك نيابةً عن زوجك ما اسم الطفل؟
قالت مبتسمة: لقد رغب والده بأن يسميه جون.
قال فيكتور: إذاً أيتها السيدة ما هو اسم زوجك؟ كي أسلمه ابنه مستقبلاً.
قالت: كارل تشارلي.
نظر فيكتور جيداً إلى هذه الامرأة ونظر إلى عينيها فكانت ذهبية وقال: أنت زوجة كارل تشارلي ذلك الرحال؟
قالت جيني: نعم ربما لن أعيش لمدة طويلة ولكن يجب أن يعيش هذا الطفل.
نزع فيكتور سترته المهترئة وغطى الطفل الممتلئ بالدماء والعفن وقال لجيني: سأعتني به وسأحاول أن أنقذكما أنتما الاثنين بعد قليل.
وقف حائراً لثواني في أي مكان يجب أن يضع جون هل يجب أن يحمله إلى العربة ثم يذهب لينقذ سيلفا.
لم يكن لديه الوقت الكافي ليفكر في ذلك الأمر فاتجه وهو يحمل جون.
اقترب فيكتور من ساحة المعركة وما رأه جعل جسده العجوز ينهار ويقشعر.
الدماء متناثرة أكثر من الماء.
وكانت يد زعيم بيت الماء الحالي سيلفا مقطوعة تقطر كالبحيرة.
رغم ذلك كان مظهره كالوحش لا يعرف التراجع ممسكاً بندقيته الضخمة ويطلق النيران دون جدوى.
رغم أن سيلفا وحش ولكنه يبدو كالرضيع أمام ملك عنصره.
هذا الفرق بين الهائل جعل المعركة غير قابلة للنقاش رغم ذلك القتال من أجل النضال هذه عادة متأصلة في أهل الشمال.
إن كانت الخسارة أكيدة فلن يقفوا دون مقاومة وإذا لم يكن هناك غد جميل سيغنون في الحاضر من أجل المستقبل الكئيب كما فعل بيت الأرض.
لمح ألفونسو وجود فيكتور وأطلق موجة ضخمة تجاهه.
تفاجئ ألفونسو بأن موجته قد توقفت.
وأن الذي أمامه قد استطاع تسخير عنصره بسهولة.
أمسك فيكتور سيفه الخشبي بإحكام وانطلق ليبارز ألفونسو بينما يحمل جون.
كانت المرة الأولى التي يرى فيها سيلفا فيكتور يقاتل بنفسه وبجسده واندهش بدخول فيكتور المفاجئ.
رأى أسلوباً مميزاً في السيافة قريب لنخبة السيوف الدموية.
كان ألفونسو يدافع بتحفظ فهو لا يعلم ما هي قدرة هذا العجوز.
ولا يستطيع المخاطرة بإطلاق كمية ضخمة فلو كان هذا الرجل يملك عنصراً من العناصر واستعمله ضده فحينها سينتهي أمره.
فأصعب شيء ممكن أن يحدث لمستخدم عنصر هو أن يقاتل مسخر عنصره.
هنا ستختلف المعركة اختلافاً جذرياً سيصبح القتال قتال الأكثر مهارة في القتال.
ولكن لم يكن الأمر خطراً لهذه الدرجة ففيكتور مستواه جيد في السيافة ولكنه ليس بالممتاز.
استطاع ان يكتشف ألفونسو الكثير من الثغرات عندما ابتعد.
فأسلوب فيكتور أسلوب يعتمد على تعزيز السيف بعنصر ما.
وهذا الأسلوب يمتاز فيه أعضاء السيوف الدموية عن غيرهم.
كانت المياه تنهال على سيف فيكتور وكأنها شلال مميت.
لم يكن يعلم فيكتور في تلك اللحظة أن الذي أمامه منيع ضد المياه.
فضرب بكل ما يستطيع به جسده على ألفونسو.
أمسك ألفونسو السيف الخشبي وأزال تأثير التعزيز وقال: يبدو أنك لا تستخدم عنصرك أيها العجوز وتستطيع تسخير عنصري فقط.
لماذا تحمل هذا الطفل؟
قال فيكتور بنبرة خائفة في نفسه: هذا الطفل يجب أن يعيش يا هذا.
لا أعلم لماذا حملته ولكن حياة الأطفال مهمة.
قال ألفونسو: أنا أوافق هذا الرأي السليم.
هل أنت من بيت الأرض؟
قال فيكتور: ولماذا سأخبرك؟
قال ألفونسو: لو كنت من بيت الأرض فحينها سأقتلك الآن وإذا لم تكن من بيت الأرض سأدعك ترحل بسلام ما رأيك؟
قال فيكتور: أنا مواطن في بيت الماء ولن أخرج من هنا دون أن أضمن سلامة زعيمي زعيم بيت الماء سيلفا.
قال ألفونسو: بالنسبة لزعيم بيت الماء فلتحلم بأنه سيعيش.
بكى جون فجأة وصرخ وبدأت أعينه بالتفتح فكانت ذهبية.
رأى ألفونسو عيني هذا الطفل وقال: وبالنسبة لهذا الطفل أيضاً سيموت.
تكون نصل من الماء وانقض بسرعة شديدة على جون.
رمى فيكتور جون في السماء وأصاب النصل كتف فيكتور الأيسر وقارب هذا النصل من اختراق قلب فيكتور.
توجه أكثر من عشرة أنصال إلى جون كارل ولكنها توقفت عندما حرك فيكتور يده بينما يعض أسنانه من الألم.
كان يسقط بسرعة حتى أمسكه سيلفا وقال لفيكتور: من هذا الطفل ولماذا لم تعد لبيت الماء لتطلب الدعم كما اتفقنا قبل أن ننقذ أبناء كاستوس.
قال فيكتور: يا زعيم ألم تعلم أن بيت الماء يعتمد عليك كلياً لو سقطت الآن فبيت الماء سيسقط أيضاً.
خذ الطفل سأكسب لك القليل من الوقت لقد تركت العربة في المكان المعتاد.
تقدم هذا العجوز بينما كتفه يقطر دماً.
وسخر الماء وجعل المياه تضرب وجه ألفونسو والذي لم يبدي أي مقاومة لعنصره.
انحنى فيكتور قليلاً وأمسك كومة من التراب ورماها في عين ألفونسو.
أمسك ألفونسو عينه إجباراً لا اختياراً.
ووجد رجل فيكتور تريد ركله ليركع على الأرض.
وقع ألفونسو بشكل أفقي ووجد يد ذلك العجوز تريد ضربه وهي عارية تماماً.
فجأة طوفان عظيم من المياه انطلق من ألفونسو جعل فيكتور يطير لعشرة أمتار متجها لأعلى ارتفاع في السماء.
وبما أن فيكتور ليس مستخدم عنصر فليس باستطاعته الطيران.
لكن من حسن حظه أن زعيمه ذو الرأس المتحجر قد أبى أن يستمع لكلامه وأنقذه.
قام فيكتور بتسخير الماء في مشهد فريد ووجه جون إلى مكان بعيد ولكنه في الحقيقة فكر في أن يرسله لوالدته.
لا يريد أن يري الطفل الذي لتوه ولد الدماء التي ستسفك.
وصل الطفل لوالدته التي خارت قواها والعرق أفسد رائحتها العطرة والطاهرة.
بطش سيف ألفونسو بالعجوز فيكتور فأصبح حاله كحال زعيمه قطعت يده بشكل مأساوي.
تطايرت الدماء كالنافورة وسقط فيكتور من الصراخ فبعكس جميع مستخدمي العناصر الطبيعية أو الخاصة ففيكتور هو رجل ولد بدون عنصر فقط يستطيع تسخير عنصرين من العناصر السبعة الطبيعية وهي الماء والنار.
ووقع على الأرض وركع من الألم وبدأ بالصراخ كالطفل ويعوي كالذئب المجروح.
قال فيكتور بينما يعاني من الألم وشتم زعيمه: تباً لك يا سيلفا لما لم تغادر حتى الآن سأتولى أمره.
رغم الألم ورغم المأساة التي يمر بها فيكتور كان في باله شيء واحد إنقاذ جون كارل وجيني وسيلفا بأي ثمن حتى لو كان الأمر بحياته.
فموته في سبيل إنقاذ سيلفا سيضمن لعائلته حياة أكثر من كريمة.
تخيل أن ينقذك أحد ويموت بدلاً منك من المروءة أن تسدد الدين لو كان ميتاً وذلك من خلال الاعتناء بعائلته.
إن كانت عائلة فقيرة فإعطائهم المال هو الشيء الصحيح وإن كانت العائلة تعاني من أمراض معينة فشفاءهم منها هي نوع من أنواع تسديد الدين.
وهذا ما يريده فيكتور سواءً نجى أو لم ينجو لقد ضمن لعائلته حياة كريمة.
قال فيكتور مبتسماً بألم: عليك اللعنة يا سيلفا حرك مؤخرتك اللعينة من هنا تأكد من تسديد دينك لعائلتي هذا ما أريده فقط لا تجعلني أعاني أكثر.
انطلق بجسده النحيل كغصن الليمون بسرعة شديدة إلى ألفونسو ونطحه برأسه كالثور الهائج وبدا الأمر كأنه قتال سكارى ألفونسو يعطي الفرصة لفيكتور في القتال ليس لأنه لا يستطيع قتاله.
بل لأنه شعر أن هذا العجوز يستحق أن يعيش ولو كانت الظروف مختلفة لربما عرض عليه العمل فمن ذا الذي سيكون مستعداً أن يقاتل ملك عنصر دون تراجع رغم أنه بدون عنصر؟
في كامل العالم لن يوجد مثل هذا الرجل.
قال ألفونسو: سأدعك تذهب أيها العجوز مقابل حياة زعيمك وذلك الطفل هذا وعد مني.
قال هذا العجوز: لن أفعل ذلك حتى لو قطعت جميع أطرافي وجففت دمي وأخرجت مقلة عيني.
لقد تخليت ذات مرة عن بلدي وذات مرة عن أهلي وذات مرة عن عائلتي ولكن منذ هذه اللحظة لن أتخلى عن شيء.
حتى لو فنيت روحي وقطعت أطرافي لن أتراجع.
رمى سيلفا بندقيته لفيكتور وقال: سأذهب لنقل الطفل وأمه ابق حياً سأعود من أجلك.
انطلق سيلفا بسرعة شديدة ولكن حاجز مائياً قد اعترض طريقه.
عندما حرك فيكتور يده تحرك الحائط بعيداً وكأنه فرشة تستقبل ملكها وذهب سيلفا بسلاسة تامة.
بقي هذا العجوز الفقير مع الملك العظيم لمملكة السحر قال فيكتور: قتلك لي سيكون سهلاً جداً ولكن قتلك لزعيمي والناس خلف هذا الجدار لن يتم إلا على جثتي أولاً.
نظر ألفونسو بعطف إلى فيكتور وقال له: هل تعلم من أنا؟
قال فيكتور: لم تخبرني باسمك فكيف سأعرفه؟
قال ألفونسو بنبرة فيها الكثير من الكبرياء: أنا ملك عنصر الماء وملك مملكة الغرب وسيد عائلة الاستاريوس ألفونسو إيدورك.
لم تشرفني باسمك أيها العجوز المناضل.
على الأقل اسمح لي أن أعرف اسمك.
إذا أردنا أن نقتل شخصاً لا نعرفه يجب أن ننظر لعينيه ونعرف اسمه إذا لم نستطع النظر لعينيه أو معرفة اسمه فحينها هو لا يستحق الموت.
إن أخطر الناس أيها السيد الفاضل هم الذين يستعدون لحماية كل شيء رغم خوفهم وضعفهم وقلة حيلهم وأنا أقدر هؤلاء الناس فهم يمثلون الكثير من شعبي.
ابتسم فيكتور وقال: أنا الصفر المهمل يا جلالة الملك.
قال ألفونسو: إذا أيها الصفر المهمل هل هناك أي كلمات أخيرة تود قولها؟
لولا الظروف الاستثنائية أيها الصفر المهمل لكنت عفوت عنك وربما أعطيتك الكثير بسبب شجاعتك النادرة.
قال فيكتور: كلماتي الأخيرة؟
ليس لدي أي كلمات أخيرة بل اطلب منك أن تجعله موتاً مريحاً.
في تلك اللحظة انطلق ألفونسو بكامل سرعته وانقض على صدر فيكتور فطعنه طعنة قاتلة كافية لجعله يموت بعد بضع ساعات وقام بكتابة رمز العناصر.
المخدر.
بالرغم أن فيكتور أخبره بأنه يريد موتة مريحة ولكنه كان يباسل أمام ألفونسو كي لا يقتل حتى النهاية.
كان كالقرد المتعلق بالشجرة لا يريد الإفلات منها.
إنه كان يريد العيش ومتمسكاً بغريزة النجاة حتى بعد أن قال كلمات الخنوع والاستسلام.
أدخل ألفونسو مائه إلى صدر فيكتور وقال له: احتراماً مني أيها الصفر المهمل سأجعلك تموت ببطء ودون ألم حتى تفكر في حياتك وهل كانت جيدة بالنسبة لك وهل إذا أتيحت لك فرصة أخرى للعيش هل ستأخذها.
أيها الصفر أنت مهمل لأنك لن تغير المعادلة مهما حاولت.
في تلك اللحظة وقع فيكتور على الأرض دون أن يشعر بالألم ولكنه في الواقع كان يحتضر فأصيب بنزيفٍ داخلي خطير لن يمكنه الصمود لساعة.
على الأكثر يستطيع الصمود لنصف ساعة من هذه الإصابة.
فألفونسو قام بهتك جميع أعضاء فيكتور الداخلية ودمرها بحيث أن الاسترجاع وأي رمز من رموز العناصر الطبيعية غير ممكنة.
إلا لو كان مستخدم عنصر خاص فهذا ظرف وموضوعٌ آخر.
حتى بين جميع أصحاب العناصر الخاصة من النادر أن يملك واحدٌ منهم قدرة الشفاء.
حمل فيكتور بندقية سيلفا بيأس وبدأ بضرب ألفونسو بها ولكنها لم تكن شيئاً أمام ألفونسو فأمسك البندقية وقطعها بسيف مائي وقال لفيكتور: لا داعي للقتال بعد الآن أغلق عينيك ومت بهدوء أيها الصفر المهمل.
كانت أعين ألفونسو هادئة بينما ترى فيكتور يناضل ويقاوم الموت بهدوء.
قال ألفونسو لفيكتور: أتود سماع قصة قصيرة قبل موتك؟
كان فيكتور يحاول النهوض ولكن دون جدوى.
قال ألفونسو وكأنه لا يهتم للنضال أو رأي فيكتور في الاستماع.
: في قديم الزمان وتحديداً عند القرن المظلم كان هناك مخلوق غريب لقب بالهجين.
كان الهجين طفلاً من أمٍ من الوحوش وأب بشري.
ترعرع هذا الهجين في أحد المناطق عند الغرب وسكن فيها.
نبذه البشر وكرهه الوحوش كان غريباً يحمل دم البشر ودم الوحوش.
حائراً بين هويتين هل هو بشري أو وحش ، انطلق هذا الهجين من الغرب إلى أقصى الشرق.
وعاشر الوحوش ووجد فيهم الكثير من الشبه وكان الشبه فقط في الجسد ولكن أفكاره مماثلة لمعشر البشر.
وشبهته الوحوش بالبشر كثيراً ولكنه في تلك الفترة كان يكره معشر البشر فغضب وثار دمه وقتل بضعة وحوش.
أدى ذلك إلى حرب بينه وبين الوحوش.
واتهمه الوحوش بأنه عميل في جيش البشر رغم أنه يكره البشر كثيراً.
وأرسلوا العديد من أجل رأسه.
توالت السنوات وعاداه البشر والوحوش ولم يعد هجيناً بالنسبة لهم بل مسخاً لا ينتمي إلى هذا أو ذاك.
كان هذا المسخ لا يريد مالاً ولا طعاماً ولا حتى مسكناً بل يريد وطناً وقبولاً بين الناس.
رغم أنه ابن للبشر وابن للوحوش ولكنهما نبذاه أكثر من لقطاء البشر ومن لقطاء الوحوش.
وقتلوه في النهاية بدمٍ بارد وكان هذا الهجين خطئاً مشتركاً بين البشر والوحوش.
إن قصة المسخ المسكين أيها الصفر المهمل تمثل الكثير من أبناء البشر.
المغترب والرحال واللاجئ والهارب المنفي.
رغم أنك قلت لي بأنك مواطن في بيت الماء ولكنني ألاحظ أن سيفك الخشبي لا ينتمي لهم بل ينتمي لأولئك الذين خدموا القيصر وكانوا يلقبون بالسيوف الدموية هل أنت المسخ الذي يعيش في بيت الماء؟
تجمد فيكتور بسرعة عندما قال له ألفونسو ببرود يليق بجلالته: هل أنت المسخ الذي يعيش في بيت الماء.
قال فيكتور بغضبٍ حزين: لست مسخاً ولست هجيناً.
قال ألفونسو: إذاً من أنت أيها الصفر المهمل؟
كان هذا السؤال مدمراً ومؤلماً أكثر من أي سؤال قد سؤل له فيكتور في كامل حياته.
فهو لا يستطيع قول اسمه فهو ليس بمميز فقط هو كما وصف نفسه صفرٌ مهمل بل صفر مهمل يجابه الأخطار عله يغير المعادلة.
لم يجاوب فيكتور السؤال وشعر ألفونسو بأنه هزم فيكتور بهذا السؤال وقال لفيكتور بنبرة مفخمة.
فلتقل اسمك الحقيقي أيها الصفر المهمل.
قال فيكتور : اسمي لا يعنيك بشيء يا جلالة الملك ليس وكأنك ستعرف من أنا.
ليس وكأنك ستتذكر اسمي.
في تلك الأثناء حاول سيلفا إنقاذ جيني وجون من الكارثة ولكنه وجد أن جيني لا تستطيع الوقوف حتى فقدت قدرتها على الحركة تماماً وحملها سيكون صعباً عليه بل مستحيلاً لأنه بعد حالة الولادة أقل حركة يمكنها قتل المرأة فجسدها قد أنهك لأنه قامت باحتمال ألم الولادة لوحدها دون أي ناس أو مخدر أو طبيب مختص فطبيبها المختص قد تم نقله كباقي الناس.
قالت جيني: أنت هو أخ كارلوس ، زعيم بيت الماء سيلفا ؟أنقذ ابني جون وكارل سيسدد الدين لكم يا بيت الماء.
قال سيلفا: لا داعي للرسمية أيتها السيدة جيني فأنا بالفعل مدين لكارل وسأقوم بتسديد ديني اليوم بالفوائد.
حمل جون بسرعة ووضعه في العربة عبر توجيه المياه.
حاول حمل جيني بالمياه ولكنه لم يستطع فعل ذلك.
قالت جيني: ليس هناك وقت ذلك العجوز على ما يبدو يريد كسب الوقت لك أنقذ جون واتركني.
لم يتردد سيلفا حينها وانطلق إلى فيكتور.
كان يركض بينما الدماء تقطر من يده بجنون فوجد في مشهدٍ مرعب ذلك العجوز سائق العربة ممداً على الأرض وينزف بشدة من صدره ولكنه لا يصرخ.
لوهلة بسيطة ظن سيلفا أن فيكتور قد مات ولكنه عندما رأى شفاه فيكتور تتحرك لم يفقد الأمل.
حاول البحث عن ألفونسو الاستاريوس ولكنه لم يجده.
لقد حاول التخمين حول اختفاء ألفونسو لكن لم تخرج أي إجابة في ذهنه.
كتب سيلفا بكل يأس أكثر من خمس رموز يمكنها شفاء الإصابات ولكن دون جدوى.
كان فيكتور واعياً بما يحدث وقال لسيلفا: ألم تذهب بعد أيها الأحمق؟
لا تعرني اهتماما إنها بضع دقائق وسأموت يا سيلفا.
كان صوته هادئاً ولكن قوة كلماته كان أشد من مصفوفات القتل بالنسبة لسيلفا.
كان يرى أحد أعوانه وأعز الناس إلى قلبه يحتضر.
حمل سيلفا فيكتور ووضعه على ظهره وتحامل على نفسه.
كانا كالثنائي المثالي لا يملكان يدين كاملتين.
بدأ سيلفا بالركض بكل ما أوتي من قوة وقال لفيكتور بينما يمسك عينيه من الدموع: اصمد قليلاً يا فيكتور.
لكن صوته قد فضحه فذلك الصوت الذي كان يبدو أنه صوت رجلٍ لا يقهر أصبح صوت رجل مقهور مغبون.
بينما الأمطار الذهبية كانت تحل على إقليم بيت الأرض كان المحارب سيلفا يركض بكل بأس ويأس حاملاً عجوزاً حياته عبارة عن يأس.
ولد في إقليم السيوف الدموية وعاش هناك كأي طفلٍ هناك وعندما لاقى العذاب هرب وحمّل نفسه وزر الهروب والاشتياق أحب عائلته أكثر من نفسه وكره نفسه أكثر من كرهه لأعدائه وجد قصة الهجين قريبة جداً في وصفه وكأن ألفونسو الاستاريوس يعلم من هو وأين تربى بل ربما هو الوحيد الذي علم كيف يختزل قصة فيكتور الحقيقة في قصة من الأساطير القديمة.
قال فيكتور بابتسامة مودعة لسيلفا: هل أنت حزين على فراقي يا زعيم؟
قال سيلفا بينما الدموع تنهمر عليه وبغضب: وكيف لا احزن؟ انظر لحالك يا فيكتور أنا كنت السبب في حدوث ذلك.
اصمت واصمد قليلاً سنصل قريباً إلى بيت الصوت وستعيش فقط انتظر
كان سيلفا يحاول تهدئة نفسه والتمسك بأقل أنواع الأمل.
رد فيكتور بكل هدوء وكأنه يغط في نومة عميقة:
إن الحزن يا زعيم ليس نقيضاً للحياة بل هو جزء منها وسنة من سننها لا داعي لأن تكتم الدمعة دعها تنزل فالكتمان مؤلم ومتعب كم من قلوب ماتت لأنها كتمت دمعتها عندما كان يجب أن تنزل وكم من حنجرة فقدت صوتها عندما منعت نفسها من الصراخ والانهيار لا أريد أن أراك متعباً في المستقبل بسببي يا زعيم فما أنا إلا صفر مهمل ليس له قيمة سيحزن علي القليل وسيكملون العيش وهم يتذكرون ذاك المسكين الذي أراد الراحة لأهله.
نحن لا نعلم قيمة من نحبهم إلا في النهايات يا زعيم.
قل لي يا زعيم هل بإمكاننا أن نفرح دون أن يكون عندنا استعداد للبكاء كالأطفال؟
وهل يمكننا أن نسعد برؤية مولود جديد دون أن نكون قادرين على البكاء والحزن على وفاة عجوز في مثل سني؟
أو هل يفرحنا انتشار شذى أزهار الربيع ولا يحزننا تجمد البحيرات في الشتاء؟
وهل بإمكاننا معرفة دفء العائلة دون أن نتذوق وحدة الغربة؟
وهل بإمكان الأصفار المهملة أن تغير المعادلة في نهاية الأمر؟
أو هل يمكن للشتاء أن ينتهي دون أن يذوب الصقيع؟
وهل يمكن للخريف أن ينتهي دون أن تهطل الأمطار وتذبل الأشجار؟
وهل يمكن للربيع أن ينتهي دون أن تتفتح أوراق الأشجار وينتشر شذى الأزهار؟
الحزن ليس نهاية الطريق بل هو جزء منه يجب أن نتعايش معه كأنه جزء من جسدنا.
عشت حياتي كاملة بأكملها بدون ندم يا زعيم.
من السيوف الدموية إلى بيت الماء اشتقت كثيراً لموطني وأهلي وناسي ولكنك خففت هذا الاشتياق علي وإن كان لدي ندم في ساعة مماتي فهو أنني لم أودعهم جيداً فقط ذهبت دون أن أخبرهم وتركتهم يتامى وتركت أرملة لتعيل هؤلاء اليتامى دون أن أسلمهم ما يستحقونه من مال وثورة وأراضي لا تعد ولا تحصى.
إن كان لدي ندم في ساعة وداعي فندمي بأن الطبقة الدنيا التي كانت تعتمد علي دائماً ستحتاج أن تتعامل مع الوضع بدوني.
كل ما يريده هذا الصفر المهمل هو حياة سعيدة وبسيطة لماذا ذلك صعب؟
كان صوت تنفس سيلفا ثقيلاً جداً ويستطيع فيكتور التخمين بأن سيلفا يبكي ويحاول أن يخفي حزنه.
أكمل فيكتور:
إن كان لدي ندم فهو أنني لم أمت في أرض بيت الماء أو السيوف الدموية.
لم أمت في الوطن الجديد ولا القديم.
بل مت في أرض الخراب واليأس.
أحياناً أشعر أني سليل اليأس والخراب أينما حللت فتكت بي الحياة ولكن يشاء القدر بأن يسخر لي من يساعدني رغم فتك الحياة بي.
وتم تسخيرك لي هذه المرة يا سيلفا لوسيوس وأنا أشكرك على ذلك.
يا زعيم لدي طلب أخير وأعلم أنك ستقوم به فأنت من خيرة الرجال وأشرفهم كرهتك وخشيتك كثيراً ولكن أحببت الأيام التي عملت فيها معك.
اعتني بعائلتي وأهلي ولو حزنوا فأخبرهم أن الموت سنة الحياة وأن والدهم أحبهم أكثر من ما أحب نفسه.
كان صوت فيكتور هادئاً والدمع ينساب منه كلحن كمان حزين.
تنهال الأمطار على فيكتور وسيلفا لتنقيهما من الفرح والسعادة ولتجعلهما يشعران بضيق القلب ووجع الصدر وقد زاد ذلك عندما قال:
أخبر هيكتور أنني آسف على تركه في هذا العمر الصغير منذ الآن هو رجل البيت وعليه إعالة عائلته والزواج.
وأخبره أن الوطن مهما كان بعيداً سيأتي وقت علينا العودة له حتى لو توقف الزمان وغربت الشمس من مشرقها فهو ليس مجرد قطعة من الأرض بل قطعة من الروح.
ساعده بما تستطيع عليه يا زعيم إنه من ذريتي وأعز ما أملكه وكنزي الأعظم الذي لن أساوم من أجله ما حييت.
وإذا كبر الأصغر جوزيف وكارلا فقل لهم أن والدهم أحبهم وعشقهم أكثر من أي شخصٍ في هذا العالم وليس هناك شخص مثلي في هذه الحياة سيتمنى لهم الخير كما فعلت أنا إلا والدتهم الفاضلة.
أخبر الحبيبة أنني آسف لأنني لم أعطها ما تريده من حبٍ واهتمام وأنني آسف لأنني لم أكن خير الزوج والرجل بل كنت فقيراً لا يستحق جوهرة غالية مثلها.
أخبرها أن النجوم لا تبدو مضيئة في حضرتها فنورها طاغي وأجمل من كل نجوم هذا الكون، أخبرها أن الشمس تخجل وتختبئ وراء السحاب عندما ترى ضحكتها المشرقة والقمر الأزرق المكتمل والهلال المبشر يتحول إلى دموي عندما تغضب وتزعق على أولادها.
قل لها بأن تتستر وتصبر على ما يصيبها فهي امرأة فاضلة تتصف بكل الأخلاق الجميلة إلا الصبر.
أخبرها أنني أحبها حتى في ساعة موتي الأخيرة لم أكن أفكر في شيءٍ سواها هي وأولادي أخبرها أنني فخور بكوني تزوجت بها.
بين جميع النساء قل لها أن ليس لها مثيل.
بينما ينساب اللحن الحزين من عيني فيكتور بدأ يصل اللحن إلى النهاية ليكون لحناً عميقاً بسيطاً فيه رحلة طويلة من الغربة والألم والوداع.
استسلم فيكتور للأمر الواقع وقال مستبقاً الأحداث:
في عزائي يا زعيم لا داعي للدموع الشديدة ولا مراسم معقدة بدلاً من إعطاء قبري بضعة أزهار فلتبدلوها لرغيف إلى الحارس الجائع والمواطن البائس ، في عزائي لا داعي للخطابات المبكية والبليغة فقط بدلوها إلى خطاب ترقية لأحد الشباب الطموحين وعلموا الناس أننا في النهاية سنذبل وسنموت لذلك يجب أن يعيشوا حياتهم بحذافيرها ويدعوا الماضي للماضي فهو لن يعود.
كان سيلفا يجهش بشدة وجنون وقال لفيكتور: تماسك يا فيكتور لقد اقتربنا سأنقذك حتماً.
قال فيكتور:
أخبروا الشباب اللاجئين بأن يعيشوا الحاضر لا الماضي فالماضي مؤلم وفيه من الجمال الآخذ إن تعمقوا فيه لن يعودوا بسهولة.
أخبروهم...........
أخبرو...
أخبر...
أخب...
أخ..
أ..............
أجهش سيلفا بالبكاء كالطفل عندما سمع كلمات فيكتور الأخيرة والتي كانت: أخبروهم.
ذلك الصفر المهمل الذي حاول تغيير المعادلة
ذلك الصفر المهمل الذي يعرف أنه لا قيمة له
ذلك الصفر المهمل الذي جابه الخطر كانت نهايته كباقي الأصفار.
لقد مات الصفر المهمل وهو على ظهر زعيمه.
لقد مات الصفر المهمل وهو يحاول تغيير المعادلة الضخمة وفي النهاية لم يستطع تغيير المعادلة.
كان سيلفا يركض بجثة فيكتور ولكنه لم يستطع سوى البكاء بهدوء وحمل الجثة دون أن ينطق بكلمة رغم أن قلبه كان كالعاصفة وعقله مشتت ولكنه كان يركض وكأنه في مارثون مئة ميل.
انطلق سيلفا إلى تلك العربة التي يحمل فيها ذكرى فيكتور وذكرى تحميله الأغذية والأسلحة والحمولات.
كان جون الصغير متوقفاً عن البكاء.
هادئاً وكأنه غط في النوم.
انطلق سيلفا بالحصان يبكي على فيكتور كالطفل الصغير وترك جيني.
لقد تركها لأن حملها وهي في هذه الحالة سيعرضها لخطر حقيقي وسيقتلها حتماً.
وصل سيلفا إلى إقليم بيت الصوت وسلم جثة فيكتور وبدأوا بمداوته.
في تلك اللحظة شعر جميع أهل الشمال بشيءٍ واحد وهو الخزي والخسارة.
لقد خسر البيت العتيق خسارة ساحقة وسقط في هذه المعركة جميع محاربيه.
وخسر الاستاريوس بضعة مستشارين هم من يحركون أمور البلد.
والمجلس السفلي خسر خسارة كبيرة من الجيش الذي أعدوه لغزو بيت الأرض.