مسرحية الشياطين والعبيد
عيد التأسيس إنه اليوم الذي تحتفل فيه الجمهورية بتأسيسها كأي جمهورية أخرى ولكن هذه المرة رقم مميز جداً وهو الذكرى رقم 1000 لتأسيس هذه الجمهورية العتيقة.
تجهز السلطات احتفالاً مختلفاً ليتفاخروا به أمام العالم ولكن يبدو أن هجوم السترات السوداء سيكون طامة على الجمهورية إن كان حقيقياً ، يصدق الناس الشيء الذي يريدون التصديق به ويكذبون ما لا يريدونه هذه ماهيتنا نحن البشر، أحياناً لا يكون لدينا قابلية أو استعداد لتصديق خبر أو إشاعة وهذه الحالة تنطبق على لويس رئيس جمهورية الروتشيلد.
الصحفي السابق والرجل الذي بدأ من القاع ليصبح رئيس الأمة التي تعرف بأهل التجارة العالمية، كل السلع تمر من خلال هذه الجمهورية وكل الرذائل توجد في هذه الجمهورية حانات وبيوت دعارة ومخدرات.
شعر بني خشن طويل ولحية قصيرة وخشنة وجسد نحيل كغصن الليمون وبشرة بيضاء قد غزاها الشعر الأسود وصوتٌ أقل ما يقال عنه جميل ومريح للمستمعين إنه رئيس جمهورية الروتشيلد لويس صاحب الهمة التي تقارع الجبال، محبٌ للمعرفة وعاشق لوطنه سياسي مخضرم وخطيب مفوه يستطيع بكلماته أن يؤثر على أي شخص حتى كبير الروتشيلد.
دخل هذا الخطيب على البرلمان العملاق ، إنه مبنى يجتمع فيه مختلف الأحزاب السياسية ويضم 3 أحزاب أساسية وهي حزب العمال وحزب الديموقراطية وحزب الجمهورية.
رخام أبيض مصقول بشكلٍ مستقيم وفيه القليل من الخربشات البنية التي أعطته لمحة فنية بسيطة، تصميم بسيط من الخارج ولكنه معقد للبناء عكس ما يراه الشخص العادي.
أبواب ذهبية اللون مزخرفة بشتى أنواع الدروع المرسومة وقاعات تصرخ بالرفاهيات والألوان التي تسر الناظرين.
القاعة الرئيسية قاعة مستديرة فيها ثلاث طاولات عملاقة وكلها مستطيلة الشكل ،على كل طرف طاولة مستقلة وفيها كراسي عدة وكأنها معدة فقط ليجلس كل شخصٍ منهم على طاولة حزبه الخاص.
كان الجميع جالساً في مكانه المخصص والكل ينتظر رئيس الجمهورية ليتحدثوا عن المعضلات الجديدة.
دخل عليهم لويس وقاموا بتحيته وبعدها قال بصوتٍ جهور: لدينا الآن مشكلتين عيد التأسيس والسترات السوداء.
أولاً عيد التأسيس قد اقترب وتبقى له أسبوع ويجب أن نبدأ بالتجهيزات نريد أن نجعله احتفالاً لا ينساه العالم أبداً ، نريده أن يكون احتفالاً يدخل التاريخ من أوسع أبوابه.
تحدثت إحدى النساء وقالت: الكلام أسهل من الفعل سيادة الرئيس نحن نملك مشاكل في الميزانية العمومية وهذا الاحتفال سيضر الجمهورية أكثر من نفعها ولا تنسى أن الأوكنكو قد قام بمقاطعة الجميع بلا استثناء.
نحن الآن في خضم أزمة اقتصادية لم يشهدها العالم قبلاً بسبب الأوكنكو كل من في الجمهورية ينوي الشراء والبائعين قد رفعوا الأسعار لأعلى حد مستغلين الطلب العالي.
قال لويس: هذا العيد يجب أن يكون مميزاً لأنه سيكون طريقة للتباهي أمام العالم بأننا ما زلنا قائمين ونستطيع أن ننشط السوق الداخلي في هذه الذكرى سأستغل هذه المناسبة لأعقد اتفاقيات تجارية جديدة مع جمهورية الكورنيل وجمهورية الهابسبيرغ، وأيضاً هناك مورد آخر وهي مملكة الشرق وهي تنوي التحالف معنا تماماً شريطة إسقاطنا لمملكة الشمال، وهذا سيكون موضوعاً للنقاش في الفترة القادمة مع الخان وربما سأسافر إلى مملكة الشرق لاتفق معه على شروطنا.
أنا أعرف الوضع الحالي أكثر من أي شخص يجلس هنا ، فرصتنا واحدة لنحل كل شيء في احتفال ربما يجعل الركود يختفي من اقتصادنا المتهالك. إجراءات التقشف التي حاولنا فعلها لم تنجح أبداً طيلة هذه السنوات بسبب العجز الذي نملكه، الأوكنكو قد ضربنا نحن الجمهوريات الثلاث ضربة اقتصادية موجعة ولن نستطيع فعل شيء سوى طلب الدعم المالي والموارد من قبل مملكة الشرق ومملكة الشمال فهما من يملكان الموارد الكافية ليقوموا بإنقاذ العالم من المجاعة القادمة.
الأراضي الإفريقية كانت وما زالت المورد الأساسي للغذاء بالنسبة لنا نحن الجمهوريات الثلاث ومقاطعتهم لنا ستؤدي إلى مصائب.
قالت امرأة: إذن لماذا لا نفكر في حربٍ كاملة لنأخذ كل شيءٍ منهم.
قال لويس: أتظنين بأن المجلس السفلي لم يحاول؟
التحالف الخماسي الذي قام مؤخراً قبل 26 سنة كان السبب الرئيسي لعدم تمكننا من السيطرة على إفريقيا، الأوكنكو وشيشنق هما من منعا العالم من فعل ما يريدونه وأمسكا الأمور والشؤون بأفضل طريقة، حاول الكورنيل تحديهم ذات مرة ولكن سحقوا بشدة.
كما تعلمون الأمور العسكرية لا دخل لنا بها فقط ذاك المتسلط كبير الروتشيلد من يحق له التقرير لأنه ملك عنصر الرياح ومع ذلك نستطيع الضغط عليهم إذا قمنا بالتعاون مع بعضنا ، إذا قمنا بمؤازرة بعضنا البعض فيمكننا مواجهة سلطته.
قال أحدهم: إذن لماذا لا نستعين بكبير الروتشيلد ونجعله يقرضنا القليل لا بل فلنجعله يقوم بالأمر على طريقته، ليس بالشرط أن نعارضه مباشرة.
نظر لويس إلى القائل ورد عليه بعجرفة تامة: من الحماقة أن نطلب منه أن يمدنا بالمال لأنه وإن فعل ذلك فسيجعله ديناً على الدولة ، هو لا يتبع الجمهورية هو يعتبر كيان مستقل بذاته ولا نستطيع طلب شيء لا نملك مقابلاً له، سواء المعارضة أو وقفنا في صفه فسيقوم بطعننا في ظهورنا متى ما لم يجد حاجته لنا فهو لا يعاملنا كأعضاء مساهمين في بناء الجمهورية بل يستحقرنا وتعلمون لأي درجة يحتقركم، لا تتعاقد مع الشيطان إذا لم تكن مستعداً لتضحي بما لديك ونحن لسنا مستعدين للتضحية بأي شيء.
ألا يكفينا أنه يسيطر على حقنا في التعامل مع المجلس السفلي؟ ويعتبر هو الواجهة ولسنا نحن، الصفقات الحقيقية كلها بين يديه كي أصفه بشكلٍ أفضل هو محرك الخيوط ونحن لا نملك خيوطاً كثيرة مثله.
على أية حال لقد نشرت لكم الخطة التي سنتبعها ولكن مشكلتنا الحقيقة هي السترات السوداء، لقد قمنا بنشر الجيش في العواصم ولكن نخشى تدخل عائلة الروتشيلد بأنفسهم ليفضوا الجيش ويجعلهم يرحلون فكما تعلمون لا شيء في هذه الجمهورية يستطيع إيقافهم إذا كانوا جاديين بالكامل.
رغم كل الذي قلته من الجيد أنه يأخذ الأمور بروية وإلا لقام بتطهيرنا قبل حلول هذا الاجتماع.
قالت الامرأة السابقة: ما هي احتمالية هجومهم في عيد التأسيس؟
قال لويس: شبه مؤكدة ، لو فعلوها في هذا اليوم سينالون مبتغاهم تخريب وتدمير الاقتصاد الداخلي للجمهورية.
إن جماعة السترات السوداء جماعة خطرة لأن هجماتها تستهدف حياة الجمهوريات والممالك وليس مواطنينها بشكل مباشر فغالباً سيخربون المصفوفات ، لن يهجموا بغباء على مصفوفات القتل لكنهم سيخربون مصفوفات الدفاع والنقل وهذه ستكون النهاية لنا، إذا تم تخريب مصفوفات الدفاع فأي غازٍ ويمكنه السيطرة على بعض المناطق ، لدينا عدة ثغرات في العاصمة ولكن إذا نجحوا في هجوم فستكون مهمة صعبة لمعاينة الأضرار.
بينما هم يتناقشون كان القائد الأعلى لجيش الجمهورية يطوق العواصم الثلاثة وجعل مصفوفة الدفاع تعمل لصد أي هجماتٍ محتملة من أي عدوٍ.
كان العيد قد اقترب يوماً وراء يوم وبقي الآن يومين ليأتي عيد التأسيس ولم يظهر أي بادرة لأي هجوم كامل بل كان الوضع طبيعياً تماماً أناس يدخلون الحانات وبيوت الدعارة ويعيشون حياتهم الكئيبة بسلام وأناس يبيعون المخدرات بأغلى وأعلى الأسعار علناً والكل يتلهف من أجل أن يأخذوا الذهب الأبيض.
جاء اليوم الموعود وهو عيد التأسيس ، كان الجيش يراقب من بعيد ولكن ليس بعيداً جداً.
احتفالات صاخبة هنا وهناك بسمات كئيبة في كل مكان، ألعاب نارية في السماء الزرقاء والأهم من كل هذا النشيد الوطني للجمهورية.
كانوا يغنون بصوتٍ واحد وكئيب وكأن الكلمات ليس لها معنى ذا صلة بحالهم : وحدة وعدالة وحرية للوطن. للوطن لأجله علينا الكفاح ،من أجله علينا النضال، بأخوة وبقلب قوي ويد متماسكة علينا الدفاع.
وحدة عدالة وحرية هم رهن الرخاء ، بلادي أزهري بنور هذا الرخاء وكوني سلاماً إلى نهاية الحياة ، بلادي أزهري بنور هذا الرخاء وكوني سلاماً إلى نهاية الحياة، أزهري يا جمهوريتي بالمعرفة ، أزهري يا جمهوريتي بالولاء، أزهري يا جمهوريتي بالمودة والعلياء، أزهري يا درة الأرض والسماء، أزهري يا جمهورية الروتشيلد.
كان أحد الأطفال يفكر في نفسه ويقول: اليوم الوحيد الذي يسمح لنا بالفرحة فلماذا أشعر بالحزن من الجميع أهذا العيد الذي يفترض أن يكون مميزاً ما المميز في هذا العيد لم يتغير أي شيء.
هذا ما يظنه طفل جمهورية الروتشيلد وظنه في محله ولكن تغيرت هذه النظرات قليلاً عندما ظهر ذاك الرجل صاحب الشعر البني في السماء.
لم يميزه الكثيرين في البداية ولكن ميزوا صوته الجميل وسمعوه يقول بنبرات شاعرية ومتزنة:
في مثل هذا اليوم العظيم تأسست هذه الجمهورية ، تأسس وطننا الذي دام ذخراً لكل منا ومأوى لكل ضعيف ومقهور ، نحن أبناء أعرق جمهورية في التاريخ لذلك اليوم سيكون مميزاً جداً لن يكون كباقي الاحتفالات السابقة بل هذه المرة ستعزف أجمل المعزوفات طوال اليوم، ما الذي تريدونه أيها الشعب؟
نساء؟ رجال؟ أطفال؟ مخدرات؟ذهب؟أموال؟ أي كان ما تريده سنحققه اليوم تخليداً لذكرى هذه الجمهورية العظيمة ، سنغرقكم بجميع أنواع السعادة التي تريدونها احتفلوا بهذه المناسبة كل منكم سيؤتى مالاً وبيتاً في هذه المناسبة.
1000 سنة من المجد والعلا لبلدنا العظيم ارفعوا رؤوسكم ودقوا طبولكم وارفعوا أعلامكم وغنوا من أجل موطنكم العظيم
هذا الخطاب الضعيف لم يكن مؤثراً بالنسبة للويس ولكنه غسل أدمغة هؤلاء التعساء فجنوا وصرخوا بغباء: من أجل الوطن سنحتفل. وهذا ما يظنه لويس ، السعادة في هذه الرغبات الدنيوية ما هي إلا فتات خبز.
كان يأنب نفسه ويقول: النفاق الذي اصطنعته الآن لن أنساه يوماً ما حييت ، لقد بعت شرفي وذمتي ببيعهم الأكاذيب والسعادة الوهمية ، لست سوى حثالة قد ذاق السلطة وتكبر قليلاً ولكن علي أن أتحمل قليلاً فلدي مهام يجب أن أنهيها ومن ضمنها السترات السوداء لو دخلوا إلى العاصمة سأنهيهم بنفسي.
كانوا ينتظرون الهجوم بفارغ الصبر وكانوا مستعدين له أتم الاستعداد.
جاء جندي من أقصى العاصمة ليقوم بتقديم تقرير وهو يسرع بأعلى شيء ممكن وقال للويس بأعلى صوته: تقرير مهم إلى الرئيس لويس لقد سقطت المصفوفة الدفاعية الخاصة بالعاصمة الإدارية!!
جاء جندي آخر: إلى رئيس لقد سقطت المصفوفة الدفاعية للحدود الغربية في لحظة وجيزة.
صدم لويس من الذي يسمعه فكل الجيش متمركز داخل العواصم فكيف لهم أن يدخلوا ويعطلوا المصفوفات الدفاعية في حضور الجيش والأغرب أن حرس الحدود هم الوحيدين الذين لم يغيروا مكانهم ، في خضم هذه الظروف استنتج شيئاً واحداً وهي أنه هناك خونة داخل الجيش عليه أن يقاتل وحيداً ، لا أحد ليثق به سوى نفسه سيكون عليه قتال الجيش بأكمله.
فجأةً دون أي إنذار انفجرت عدة مباني وأكلتها النار ، هجوم السترات السوداء قد بدأ ، اجتياح سريع دون أن يعلموا أماكنهم.
بدأو يبحثون عن أي شخص مشبوه ولكن الانفجارات قد أشغلتهم من ذلك ، جميع مواطني الجمهورية يركضون في هلعٍ تام ، أناس يدعسون حتى الموت بسبب الهلع.
خرج من أيدي لويس مياه عذبة وقام بإطفاء النيران على المباني بأسرع ما يمكنه وقال بأعلى ما لديه: إلى جميع جنود الجيش هجوم السترات السوداء قد بدأ فلتبرحوا أماكنكم لأن هناك خونة بداخلكم كل من يتحرك منكم فسأعتبره عدواً.
خرج من الجيش آلالاف ليقتلوا لويس والتفوا حوله كدائرة وبدأو بمهاجمته بكل شيء.
نيران ورياح وجليد من جميع الدائرة تضرب الرئيس لويس.
كون لويس حاجزاً مائياً منع الكثير من الهجمات الشرسة ولكنه أصيب ببعض الهجمات العنيفة والتي أردته جريحاً بشدة وكل ذلك يرجع لقوة الهجوم المشترك بينهم نزل على الأرض بسبب الجراح وحاول الابتعاد عنهم فقام مستخدم رياح بدفع سكينته نحو عنقه ولكنها توقفت في آخر لحظة بسبب حاجز المياه السريع الذي قام لويس بإنشاءه.
عندما رأى قائد الجيش هؤلاء تحرك من مكانه وقام بتوليد نيران خضراء من كفه وجعلها كالسوط وبدأ بجلد الخونة وجعلهم يشتعلون في مشهدٍ مخيف وقال: أيها الرئيس لويس هل أنت بخير؟ ، عليك بالهرب من هنا فأنت لست مقاتلاً من الأساس وستكون عائقاً.
قال لويس وهو يترنح من الألم: القانون رقم 18 من دستور جمهورية الروتشيلد ، رئيس جمهورية الروتشيلد هو القائد العام للجيش وقت الاضطرابات ويجب عليه القتال مع الجيش وقيادته في حالات الطوارئ.
أنا محكوم بالقانون ولن أخالفه، اذهب أنت مع أفضل رجالك لاستعادة الحدود من المعتدين بسرعة ، سأتولى الأمر هنا بطريقةٍ ما.
انطلق قائد الجيش من دون تردد مع مئة رجل فقط وجعل باقي المشكوك في أمرهم في مكانهم.
مكافحاً لوحده أمام أعداءٍ متنكرين كحلفاء ، الصديق يشبه العدو والعدو يشبه الصديق ، لا مجال للثقة كل من في الساحة عدو.
كانت أعينه الضيقتان تتسعان تدريجياً لأنه بدأ بالتركيز ، خرج من يده كمية وافرة جداً من المياه وكونت آلالاف من الرماح المائية وكانت صلبة ومضغوطة وبدأت تنطلق على جميع أعضاء الجيش فكان لا يهتم كان حليفاً أم عدواً فقرر أن يبيد الجميع.
بالطبع لم يسكت أي شخص سواءًا الخائن أو الوفي عن الهجمات فحاولوا قتل رئيسهم.
في هذه المعمعة ظهروا فجأة ملوحين بأعلامهم ، أعلام حمراء وفيها رسمة درع أحمر أطرافه ذهبية فاقعة يحملها رجال يرتدون بدلات حمراء قرمزية بقمصان بيضاء وربطة عنق حمراء قانية.
إنهم عائلة الروتشيلد قد ظهروا فقال أحدهم بصوتٍ عالٍ: بأمرٍ من كبير الروتشيلد أنا اللواء ناثان مايل روتشيلد أعلن أننا نحن عائلة الروتشيلد سندمر خونة الجيش بأكملهم وسنستعيد الحدود الغربية من الأعداء ، إلى جميع أعضاء العائلة فلتحيطوا بالأعداء ولتقوموا بأرجحة أعلامنا العظيمة.
تحركوا من مكانهم ملوحين بأعلامهم يميناً ويساراً ملتفين حول جميع أعضاء الجيش وقاموا بشيءٍ واحد الدوران بسرعة وهم يطيرون بجنون.
تغيرت ملامح المكان وكأنهم انتقلوا إلى مكانٍ آخر، مكان أخضر اللون فيه نهر كامل من اللون الأخضر وشمسٌ خضراء تنير المكان وتسبب الخوف في آن.
قال ناثان: لا مفر لكم منا.
أيتها الأعلام أطيعي أمرنا واصبغي أعدائنا باللون الأسود وحلفاءنا باللون الأحمر، ابرقي عليهم بالدماء وعذبيهم حتى الممات.
توهجت الأعلام وقامت بضرب الأعداء وتحولت ملابسهم إلى سترات سوداء.
قال ناثان: اقتلوا كل أسودٍ منهم واحموا كل أحمرٍ منهم.
تحرك ناثان بنفسه وقام بتكوين قوسٍ كامل من الرياح وأطلق خمسة سهام منه في السماء فارتفعت إلى حدٍ معين ثم توقفت تماماً مكانها وبعدها برياحه الخضراء كون رمزاً طويلاً كان الرمز عبارة عن كلمات طويلة تقول التتبع التلقائي للأسود.
عندما اكتمل الرمز اختفت السهام الخمسة من ناظر لويس وجميع المشاهدين ونظر أسفله فوجد جثثاً هامدة وشيئاً صغيراً ينطلق بسرعة خارقة إلى جميع السترات السوداء.
نظر ناثان إلى لويس باحتقار وقال له: العاديين من أمثالك لن يستطيعوا تكوين حرفٍ واحد من الرموز، المرة القادمة اهرب بجلدك ولا تتوقع من كبيرنا أن يهتم بأمرك مرة أخرى.
قال لويس: أنا لست مقاتلاً فمن الطبيعي أن لا استخدم رموز العناصر وليس الجميع مثلكم أيها اللواءات الأربعة، ما الذي اكتشفتموه في الغرب؟
رد ناثان:لا شيء يهمك بتاتاً فلن نشارك معلوماتنا الاستخبارتية معك لكن سأعطيك نصيحة بسيطة اهرب من الجمهورية الآن لأن حياتك المهنية قد دمرت سلفاً يا لويس.
قال لويس: أقدر هذه النصيحة ولكن هذا ليس من شأنك.
قتل جميع السترات السوداء في بضعة دقائق وعندما مات آخر واحدٍ منهم رجعت التضاريس لمكانها واختفت الشمس الخضراء وعادت الأمور لمجراها.
قال ناثان للويس: ستتم محاكمتك غداً في المحكمة الدستورية وسأتي شخصياً لأخذك للمحاكمة ولا تعتقد أنني سأسمح لك بالهرب ومع ذلك أنصحك به فرقبتك ستكون هي الثمن.
قال لويس: والدك يريدني ميتاً لماذا يلجأ للمحكمة؟
قال ناثان: أتعلم ما هي المسرحية؟
نظر لويس إلى ناثان: إذن هل هي مهمة ما يريد مني تنفيذها؟
قال ناثان: بل هي مسرحية ستموت في نهايتها
قال لويس ساخراً: هل كتبها المخرج مايل؟
قال ناثان: بل الرب من كتبها.
قال لويس: لم أفهم ما تقوله يا ناثان عن ماذا تتحدث؟
قال ناثان: الحياة مسرحية في نهايتها سنموت والذي يخرجها الرب.
لم يشغل لويس رأسه كثيراً بكلام ناثان الفلسفي الغامض وقال بينما هو ممتلئ بالجراح: دعنا من هذا الكلام فلتنطلقوا إلى الشرق لتستعيدوا المصفوفة والحدود قبل أن يأتي الكورنيل والهابسبيرغ إلينا.
قال ناثان: فلتهتم برقبتك يا أحمق.
رجع لويس لمنزله وبدأ يودع أيامه الرئاسية لأن وراءه محاكمة ستنتهي بإعدامه التام.
كان يكتب في أحد مفكراته بسرعة تامة فكتب: إلى أعضاء البرلمان الأعزاء ستتم محاكمتي من المحكمة الدستورية وسينته الأمر بطيران عنقي لذلك سأترك لكم الخطة التي يجب أن تتبعوها حتى الفترة القادمة.
اتصلوا بمؤسسة سلاح العدالة واطلبوا منهم فتح ملف تحقيق حول عائلة الروتشيلد ، هذا سيجعلهم يفكرون مرتين قبل أن يعارضوكم ، يجب أن تبيعوا ذمتكم من شيطان إلى شيطانٍ آخر ويفضل أن لا يكون شيطان الروتشيلد.
هذا سيعتبر آخر يوم لي في هذا العالم لذلك سأحتسي شراباً أخيراً وأتناسى كل شيء وادعاً إنجازاتي المتراكمة ل20 سنة، بدأت بالشرب حزناً وسأنتهي شارباً مبتسماً وباكياً.
جاء اليوم الموعود وسيق لويس بجيشٍ كامل إلى المحكمة ولكن هذه المرة كان الشعب غاضباً منه يرمونه بالحجارة ويشتمونه بأقذر الكلمات كأنه الذي أجرم بحق الجمهورية ولكن الحقيقة أنه حاول فعل ما يستطيعه.
وقف داخل المحكمة يسمع الاتهامات التي لا تنتهي و كلها ملفقة تماماً.
قال القاضي: رئيس الجمهورية لويس أنت قد قمت بتسريب الخطة الدفاعية للعواصم الثلاث لجماعة السترات السوداء ولم تقم بفعل ذلك فقط بل أيضاً قمت بالتحالف مع الأعداء لإسقاط حدودنا ولولا وجود اللواء ناثان لكانت هذه الجمهورية قد انتهى أمرها نحن نتهمك بالخيانة العظمى لهذه الجمهورية.
قال لويس بشجاعة: لماذا لا تنهون الأمر؟ فلتقتلوني بسرعة فأنا قد جهزت نفسي منذ أن أخذت ذاك المقعد النجس، أنتم تعلمون جيداً بأنني حاولت إيقاف الأمر ولكن بما أنكم ترون عدم كفاءتي فلتتنازلو عن مناصبكم فأنتم من دعموني أيها القضاة وصوتم لي في البداية، أنتم الذين صنعتم الوحش الخائن.
ابتسم بشكلٍ مر وقال: انتظروا لحظة أنا المخطئ هنا ، ما من شخص يأخذ زمام سلطة عليا وهو ينوي التخلي عنها ، وما من ديكتاتوري سيرضى بأن تهدد سلطته لذلك طلبي غير منطقي، أنزلوا قراركم فليس لدي شيء أخسره كل ما أردته قد حققته سواءًا رأيتموه خيانة أو وفاء فأنا لم أخن جوهري ، الناس لن تموت إلا في يومها لذلك أطلقوا حكمكم
جاءت الكلمة المنتظرة من القاضي: بعد كل هذه التهم نحن نحكم عليك بالإعدام وستعدم غداً في مثل هذه الساعة.
تم جره ذليلاً إلى السجن وحرم من طعامه، جاءه رجل بداخل السجن يرتدي عباءة بنية يقول: أتحب الدمى والمسرحيات؟
قال لويس: سأموت غداً فلتختصر الموضوع ما الذي تريده من الرجل الذي خسر كل شيء؟
قال الرجل: لدي صفقة معك أيها الخاسر هل أنت مهتم؟
قال لويس: سأستمع لهذه الصفقة وأعتقد أنك ستكون خاسراً لأن حياتي قد انتهت حتى لو أخرجتني من السجن فكل شيء انتهى ولن يعود.
قال الرجل: هل تحب هذه الجمهورية؟
قال لويس: ومن الذي لا يحب وطنه؟
قال الرجل: جيد جداً سأجعلك تهرب من هذا السجن بشرطٍ واحد وهو أن تقبل المهمة العظيمة.
قال لويس: إذا كانت لمصلحة الجمهورية فسأقبل ولكن إذا كانت لأجل مصلحتك الشخصية فأنا أرفض تماماً.
نزع الرجل عباءته وقال:
أنا رئيس السجن المركزي ريتشارد سأرسلك إلى مؤسسة سلاح العدالة لتكون جاسوساً فيها.
سلاح العدالة يحتاج أناس مثلك في الجهاز التشريعي فأنت أحد أفضل الرجال في القانون عموماً وهذا ما يريدونه.
عندما تهرب سنصدر مكافأة على رأسك لذلك حياتك ستكون في خطر حتى تصل لجمهورية الكورنيل عندها أطلب حق اللجوء ، سيقومون بإيوائك والتحقيق في أمرك لمدة لا تقل عن أسبوع فلتخبرهم بكل شيء إلا هذا الاتفاق الذي بيني وبينك.
بعد هذا الأسبوع قدم طلباً للانضمام إلى الجهاز التشريعي وستقبل في اليوم نفسه لأنهم يريدونك بشدة خاصةً وأنك قد تعاملت معهم بصورة في قمة العملية ، هناك شيء يجب أن تعرفه وهو أن رئيس المحكمة العسكرية كان يضغط على كبير الروتشيلد لتنضم لهم بأي طريقة وحينما يرى أنك قد أخرجت إكراهاً من ديارك سيستقبلك في الجهاز التشريعي بصدرٍ رحب تماماً.
ابتسم لويس صاحب الملابس البرتقالية والمهترئة فقال: فهمت كل شيء ، ظننت أني سأتعاقد مع شيطان ولكن خرج لي شيطانٌ آخر ، إن هذه جمهورية شياطين.
قال ريتشارد: بل أنت ستذهب لتصبح عبداً للشياطين الحقيقين.
وظيفيتي الحقيقية أيها الرئيس الخائن هي أن أزرع المجرمين الذين تمت إدانتهم وأعطيهم صفقات تليق بجريمتهم ، أن أبيعهم للشياطين واجعلهم عبيداً لهم ويكون العبيد سلاحهم ليقتلوا الشيطان، إنها مسرحية الشياطين والعبيد وأنت أحد الدمى الرئيسية في هذه المسرحية.
قال لويس: إذن ما هي جريمتي؟ ألا يحق للدمية أن تعرف محركها؟
قال ريتشارد: جريمتك هي الولاء ؛ إن الولاء جريمة في هذا الزمان وعقابها في العادة هو الموت ولكن سأعطيك الفرصة للتكفير عن هذه الجريمة، ليس للدمى مشاعر وليس للدمى خيار سوى الرقص على نغمات المحرك كيف ما يشاء.
بالنسبة لطريقة تواصلنا سنجعل أحد عملاءنا المزدوجين يتكفلون بنقلها لنا ، حتى ذلك الحين حاول النجاة من القادم لن أقوم بشيء سوى تحريرك من أغلالك وأخرجك من السجن أما الباقي سيكون كله بيدك وحاول أن لا تموت.
فتح ريتشارد الزنزانة وفك أغلال الفولاذ المقوى المتواجدة في أقدام لويس وهي أغلال فضية والتي تقوم بإعاقة مستخدمي العناصر بالتحكم واستخدام عناصرهم بحرية.
بعد أن فك أغلاله قال له: ما قيل هنا يبقى هنا ستصدر مكافأتك في غضون ساعة من الآن.
اهرب بجلدك وعش خائناً لبلدك ، كن ظل هذه الجمهورية.
عملية الهرب قد بدأت وحياة لويس قد أخذت مساراً آخر مختلف عن الذي أراده لنفسه ، في أعماقه كان يقول: هل هذه الحياة التي لطالما أردت أن أعيشها؟
هل استحققت كل هذا الانتظار؟
هذه ستكون آخر مرة أشارك فيها في أمور لها علاقة بالسلطة ولن أتورط مجدداً بها فلا خير قد أتى من المقعد المصنوع من الطين.
الآن علي أن أتخطى حرس الحدود ولكن قبلها يجب أن أجد مصفوفة الانتقال وانتقل إلى الحدود ويبدو أني بعدها سأحتاج أن أقاتل حرس الحدود حتى ذلك الحين يجب أن أحافظ على هدوء أعصابي.
بدأ يتنفس الصعداء وبدأت خطة الهروب من الجنة إلى الجحيم أو الجحيم إلى جحيمٍ آخر ، حياة الرئيس السابق ستأخذ مساراً مختلفاً سيصبح الظل لهذه الجمهورية سيذكره التاريخ بالمجرم والخائن ولكنه كان الأوفى لشعبه ووطنه ، لم يذرف دمعة واحدة بينما يغادر بل كانت عيناه بائسة وخاب ظنها، كانت عيناه قد أصيبت بشيء يدعى الهم وتمنى أنه لو يستطيع البكاء ولكن لا وقت للدموع ، كانت آخر كلماته لنفسه: لا مجال للانهيار الآن فأنا مجبر على التجاوز ومجبر على هذه الحياة وسأتعاقد مع أعتى الشياطين لأنجو ، سأكون عبداً مخلصاً له حتى أكون سيفي وعندها سيبدأ انقلاب العبد على السيد، انتظرني يا وطني سأعود مرفوع الرأس ربما ليس غداً ولكن قريباً إن لم يكن غداً فهو بعد غد وإن لم يكن بعد غد فانتظرني حتماً سأعود.
التغيير الحقيقي يبدأ من هنا من نقطة خروجه من سجنه ، مسرحية الشياطين والعبيد لم تبدأ بعد ولكنها ستكون ممتعة ، العبيد سيتذللون لأسيادهم ليطعموهم ولكن هناك الشياطين.
في تلك الأماكن ينتظرون أي لحظة غضب أو استهتار من السيد ليغروا العبيد ليثوروا على أسيادهم.
الشيطان يغري ولكنه لا يجبر والسيد يأمر ولا يطلب والعبد ينفذ ولا يطلب.
هذه العلاقة بين الثلاثي الشيطان والعبد والسيد ستكون هي علاقة لويس ومايل وروبرتس جون كورنيل.
من السيد ومن الشيطان ومن العبد؟
هذه الأسئلة تدور في مكانٍ بعيد من عقل لويس ، يريد أن يكون مخلصاً لوطنه حتى أنه سيتعاقد مع الشيطان وربما يتحول الشيطان لسيد.
في ليلة صيفية حارة ورطبة ستبدأ بذرة التغيير وبذرة الفوضى وبذرة الثورة بالنمو كل شيء تغير بعد هذه الليلة الحارة.
ستسطر هذه الليلة في كتب التاريخ لأنها ستشهد حادثة كبيرة لم يتوقعها أي شخص في هذا الكوكب حادثة لا توصف.
هذه الحادثة ما هي إلا بداية لعواصف ستهلك العالم وتزهق ملايين الأرواح، إن الشر الذي فعله ذلك الرجل سيعتبر هو الدافع لقيام وعودة الحروب العظمى ورغم أنه من يعلم ألمها وأهوالها أكثر من أي شخص في هذا الكوكب ولكنه اضطر ليفعل ذلك.
من دون الحرب لن يوجد السلام هذه الفكرة التي لم تفارقه يوماً من الأيام هي التي دفعته لأجل أن يسطر اسمه في التاريخ.
لديه نظرة واضحة ولن يغيرها مهما حدث وهي تحقيق أهدافه وأحلامه ، لا يهم إن رأه العالم كشيطان أو مستبد أو طاغية فقط كل الذي يحتاجه هو تدمير أعدائه وتحقيق أهدافه وما تبقى ليس سوى رفاهيات لا داعي لها.