في شوارع ستارفيل، ترددت الأحاديث والهمسات في الأسواق والمقاهي، بينما كان الناس يتحدثون عن “وحش الغابة” الذي أصبح الآن تحت راية الثورة.
في شوارع العواصم الملكية:
“هل سمعتم؟ وحش الغابة انضم للثوار!”
“أجل، ذلك الوغد الذي كان يقطع طريقنا كلما مررنا بالغابة!”
“سمعت أن الغابة احترقت بالكامل ولم يستطع فعل شيء لإنقاذها.”
“مجرد وحش أحمق، لا أكثر.”
“لا تقلل من شأنه، سمعت أنه يمتلك قدرة فريدة. الثوار يصبحون أكثر خطورة مع كل يوم.”
الآراء تباينت بين من يستخف بـ”الوحش” ومن يخشاه. لكن الجميع أجمع على أن الثوار أصبحوا قوة لا يستهان بها بعد هذا الانضمام.
-
قصر الإمبراطور…
في قاعة العرش الفاخرة، حيث انعكست أضواء المشاعل على الجدران الذهبية، جلس الإمبراطور على عرشه الضخم، عينيه تضيقان بالغضب المتصاعد.
كانت الأخبار تنتشر كاللهب، وسمعها حتى أضعف مواطني الإمبراطورية…
ضرب قبضته على مقبض العرش، ليصدر صوت ارتجافي في القاعة، وجميع الحاضرين انحنوا بخوف واضح.
“كنت أظن أن الغابة ستقضي عليه…” قالها بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب.
“كان من المفترض أن يكون ما حدث للدار وضد القراصنة كارثة للثوار، لكنهم يواصلون إزعاجي بلا توقف!”
-
قاعدة الثوار…
مرَّ أسبوع على انضمام أوريل إلى الثوار، ولكن اسمه لا يزال يُهمس في كل زاوية وكأنه لغز غامض.
في غرفة المعلمات، حيث تُرسم خُطط التعليم والتدريب، كانت الجلسة مختلفة عن المعتاد… محور الحديث؟ وحش الغابة.
“ذلك الفتى… إنه مزعج للغاية!” قالت لمى، المعلمة الصارمة، المسؤولة عن تعليم الطلاب الجدد، ذات 35 عاماً، وهي تضرب الطاولة بخفة لتفريغ إحباطها.
“لا يتحدث أبدًا، ولا يجيب عن أسئلتنا. كيف يمكننا تدريسه ونحن لا نعرف حتى مستواه العلمي؟”
رفعت ميلفي، المعلمة ذات الابتسامة الهادئة، رأسها من كوب الشاي الذي تحتسيه وقالت بنبرة خالية من التوتر:
“الشخص الوحيد الذي يتحدث إليه هو إيروها. ربما عليكِ أن تسأليها عن كيفية التعامل معه.”
عقدت لمى حاجبيها، قائلة بقلق:
“هذا صحيح… يبدو أنها الوحيدة التي استطاع الوثوق بها منذ تلك الحادثة. غريب جدًا…”
بعد ساعات قليلة، وبينما كانت إيروها تعود إلى القاعدة حاملة بعض الأغراض، اعترضتها لمى في منتصف الطريق.
كانت ملامح لمى متعبة ومرهقة بشكل واضح، مما جعل إيروها تشعر بقلق مفاجئ.
“ما الأمر، معلمة؟” سألتها وهي تميل برأسها قليلاً.
تنهدت لمى بعمق وقالت بنبرة يائسة:
“أرجوكِ، أنقذينا!”
ارتفع حاجبها بدهشة، وردت بقلق:
“أنقذكم؟ هل يعقل أن أوريل فعل شيئًا؟”
تقدمت خطوة وسألت بجدية:
“ما الذي يحدث؟”
“اجل انه هو… لا يستمع، لا يتحدث، ولا يخبرنا بأي شيء. كيف يمكننا تعليمه؟”
حدقت إيروها فيها لبرهة، ثم… انفجرت في ضحك خافت ممزوج بالسخرية.
“هذا كل شيء؟ لقد أوقفتني وأخفتني بسبب هذا؟”
ابتسمت وهي تضع يدها على خصرها:
“وما الذي تتوقعين مني أن أفعله؟”
“أولًا، ما هو مستواه العلمي؟ وثانيًا، لماذا لا تحاولين إجباره على التحدث؟ لا يمكن أن يكون جامدًا هكذا طوال الوقت!”
ردت ايروها بلا تردد:
“هذا محال!”
“لماذا؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وشرحت:
“جعل أوريل يتحدث يشبه محاولة تحريك جبل. لقد قضيت اسبوع معه، وما زلت أجد صعوبة في جعله ينطق بأي شيء. أما مستواه العلمي؟ أقل من الصفر.”
تجمدت لمى في مكانها، وفتحت عينيها على اتساعهما:
“ماذاااا!؟”
“أتعنين أنه طوال هذه الاسبوع لم يفهم أي شيء؟ كنا نبذل كل هذا الجهد في الشرح ومحاولة توصيل المعلومات، وهو لا يدرك أي شيء؟”
شعرت بالإحباط والعجز.
ارتبكت إيروها، لكنها أكملت بابتسامة خفيفة:
“لا تقلقي، انه سريع الاستيعاب، رغم كل ذلك، يستطيع التعلم بسهولة إذا وجد من يشرح له بالطريقة الصحيحة.”
فكرت وهي تضع يدها عند ذقنها:
'لقد فعلها من قبل، أليس كذلك؟ عندما شرحت له عن الثوار وعن مهمتنا، فهم كل شيء بسرعة. إنه ذكي، لكنه يحتاج إلى طريقة خاصة'
-
وفي إحدى الغرف المكتبية، جلست إيمي على مكتبها، منهمكة في مراجعة التقارير، بينما كانت مايلا تقف بجانب النافذة تراقب تدريبات الجنود في الخارج.
“ما كل هذه الضجة في غرفة المعلمات؟” سألت وهي تنظر بعينين نصف نائمتين.
ضحكت مايلا وقالت بنبرة ساخرة:
“المعلمات يعانين مع أوريل. يبدو أنه لا يتحدث معهن مطلقًا.”
تنهدت إيمي ، ثم رمت القلم على الطاولة ورفعت عينيها إلى مايلا:
“لماذا هذا الصمت منه؟”
هزت كتفيها بابتسامة:
“ليس أمرًا غريبًا. الجميع لاحظ أنه لا يتحدث مع أحد باستثناء إيروها.”
توقفت إيمي للحظة، ثم رفعت حاجبها بابتسامة ماكرة:
“إذن… لمَ لا نجعل إيروها هي من تعلّمه؟”
ضحكت مايلا بحماس واضح:
“هذه فكرة رائعة!”
ثم توجهت إلى إيروها ولمى في الخارج، وأخبرتهما بالفكرة الجديدة:
“إيروها، لديكِ مهمة جديدة. أنتِ الوحيدة التي تتحدث معه، لذا من الآن فصاعدًا، ستكونين مسؤولة عن تعليمه كل شيء من الصفر.”
نظرت إيروها إليهما للحظة، ثم ابتسمت بخفة:
“حسنًا، أعتقد أنني الوحيدة التي يمكنها فعل ذلك.”
ثم حملت دفاتر وأوراقًا وتوجهت مباشرة إلى غرفة أوريل.
-
في غرفته…
داخل تلك الغرفة الضيقة، كان الصمت ينسج خيوطه بين جدرانها القديمة. ترتيبها البسيط جعلها تبدو مرتبة بطريقة غريبة.
في الزاوية اليمنى، استلقى سرير ضيق. امام السرير، وقفت سبورة صغيرة معلقة على الجدار الأمامي، تظهر عليها آثار كتابة قديمة تم مسحها بعناية، لكن بقايا الطباشير الأبيض لا تزال تنقش خطوطًا خافتة عليها.
وفي منتصف الغرفة، طاولة خشبية عتيقة، بجانب الطاولة وقف كرسي وحيد.
الغرفة كانت هادئة، بالكاد تنفذ إليها أشعة الشمس عبر النافذة. جلس أوريل على الأرض، يستند إلى الحائط، غارقًا في صمته كعادته. الصمت لم يكن مجرد حالة بل كان جزءًا من كيانه، كأنه يحيط به كدرع لا يمكن اختراقه.
انفتح الباب ببطء، ودخلت إيروها بخطوات خفيفة. كانت تحمل معها بعض الأوراق والدفاتر، وكأنها تستعد لمعركة من نوع آخر.
رفع عينيه نحوها للحظة، ثم أعاد نظره إلى الأرض.
“ألم تقولي إن لديك عملًا؟”
ابتسمت وجلست بجواره على الأرض دون تردد:
“أجل، لكنني انتهيت منه.”
نظرت إلى دفاترها، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه مباشرة. رنت في ذهنها فكرة أثقلتها طوال الأسبوع. 'لقد
.
.
.'
“أوريل، لماذا لا تساعد المعلمات؟ لماذا لا تتحدث معهم على الأقل؟”
ساد الصمت مرة أخرى. كان يعرف كيف يترك الكلمات معلقة في الهواء.
بعد دقيقتين، أجاب بهدوء:
“أتعنين تلك الثرثرة التي يرددونها؟”
قطبت جبينها من الدهشة.
'ثرثرة؟' فكرت في نفسها، متعجبة من طريقته في وصف دروس المعلمات.
‘هل يعتبر كل ما يسمعه بلا قيمة؟'
“ثرثرة؟ إنهم يحاولون تعليمك، أوريل.”
رفع حاجبه قليلًا، ونظر إليها بطرف عينيه، وكأنه يحاول فهم ما الذي يدفعهم للاستمرار.
“لم يسبق لي الجلوس في مكان كهذا. ما فائدة تلك الدروس؟” قالها بنبرة خالية من الحماس.
'فائدتها؟' أعادت كلماته كأنها تعيد التفكير في الأمر. تنهدت بارهاق.
“ستعرف ذلك فيما بعد، ولكن الان لدي أسئلة وأريد منك الإجابة عليها.”
“ما هي؟” رد ببرود. كان وجهه خاليًا تمامًا من التعابير، كما لو أن المشاعر أمر لا يعرفه. شعرت بشيء من الإحباط، لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة.
'تغييره
.
قررت أن تبدأ بسؤال بسيط:
“ما هي الإمبراطوريات؟”
توقف عن الحركة لوهلة، ثم ببرود:
“إنها ما تحدثتِ عنه سابقًا… لكني لا أعرف ما هي.”
رغم بساطة الرد، لم تستطع منع ضحكة خفيفة من الخروج.
‘صريح جدًا… لكنه جاهل.’
“حسنًا، سأشرح لك يوميًا وأعلمك كل ما تود معرفته.” قالت بابتسامة مشجعة.
ثم مالت نحوه قليلًا وسألته:
“أخبرني، ما الذي يثير فضولك أكثر؟ ماذا ترغب في معرفته؟”
لكن إجابته كانت كعادته، مبهمة وغامضة:
“لا أعلم.”
تنهدت بهدوء، وأسندت ظهرها إلى الحائط بجواره.
'التعامل
.
.'
بعد لحظة صمت، جلست بجواره كليًا، ووضعت الدفتر في حجرها.
“إذن، سأخبرك أولًا عن العالم.”
لم يجيب، و بدأت حديثها بصوت هادئ لكنه مليء بالحماس:
“العالم واسع جدًا… أكبر مما تتخيل. الأراضي تمتد بلا نهاية، الغابات كثيفة ومليئة بالأسرار، البحيرات والأنهار تعبرها مخلوقات لا تُعد ولا تُحصى، والجبال شاهقة تكاد تلامس السماء.”
لوّحت بيدها في الهواء، وكأنها تشير إلى كل زاوية في العالم، تحاول أن تجعله يرى الصورة من خلال كلماتها.
“في هذا العالم، هناك البشر، الحيوانات، الوحوش، والنباتات… وكلها تتعايش أو تتصارع لتبقى.”
كان يراقبها بصمت… لم يتحدث، لكنه كان يصغي جيدا. تابعت وهي تشير بخفة إلى إحدى صفحات دفترها، حيث رسمت خريطة العالم:
“لكن الأهم من ذلك كله هو أن العالم ينقسم إلى ست إمبراطوريات.”
“ست؟”
أومأت برأسها بحماس:
“أجل. كل إمبراطورية تحكم جزءًا من هذا العالم، ولكل واحدة منها قوانينها الخاصة وطريقتها في السيطرة.”
1: امبراطورية الدم… تحكمها عائلة الدم، إحدى العوائل الثلاث العظمى.
إمبراطورية لا تُبنى على الجيوش ولا على القوات التابعة، بل على سلالة واحدة فقط… سلالة تُسيّر شعبها بإرثها وقوتها، ليست الأوسع ولا الأضخم، فهي في المركز الثالث من حيث المساحة. حيث تمتد من الغرب حتى غرب الشمال الغربي. لكن عظمتها لا تُقاس بالأرض، بل بمن يحكمها.
2: امبراطورية ستارفيل وهي المكان الذي نعيش فيه و من يحكمها كذلك من العوائل الثلاث العظمى، عائلة الضوء. وهي امبراطورية ضخمة بشكل لا يمكن وصفه، الأراضي هنا لا تعد ولا تحصى، لدرجة أن هناك تصنيفات داخل الإمبراطورية نفسها.
“كوهي، الإمبراطور، خلفه، هناك ١٣ ملكًا، وكل واحد منهم يملك سلطة واسعة."
ثم تابعت بإصبعها، كما لو كانت تشير إلى تسلسل هرمي:
“تحت هؤلاء الملوك، هناك 9 ممالك، وكل مملكة بحجم دولة مستقلة.”
“لكل مملكة ملك يحكمها، و لكل مدنٌ تابعة لها رئيس، في المجمل، هناك ٦٢ مدينة موزعة عبر التسع ممالك.”
“الآن، سأخبرك بهذه الممالك… وأدوار حكامها.
1. مملكة أومبريلا – ملكها إيسترن، سيد الأطعمة.
“في هذه المملكة، الطعام هو الركيزة التي تقوم عليها… ومنه تستمد ست مدن قوتها."
—
2. مملكة نيوفايل – ملكها ماكسويل تاي، سيد الاختراع.
“في هذه المملكة، يُزرع العلم كما تُزرع الحقول، وتزهر الاختراعات كأشجار لا تعرف ذبولًا… ومن ظلالها تنبثق ست مدن حية."
—
3. مملكة فالوريس – ملكها جولر جاريت، سيد الذهب.
“هذه المملكة تُعرف بتجارتها، تُقيم وزنها بالذهب، وتسطع كأنها أنصاب من كنوز الأرض، خلفها سبع مدن تُنير طرق القوافل."
—
4. مملكة زراون – ملكها أولير، سيد الزراعة.
“إنها مملكة الخضرة والخصب، تمتد غاباتها ومزارعها كبحرٍ لا ينتهي، وتحت لوائها عشر مدن تنبض بالحياة."
—
5. مملكة أكاديموس – ملكها بياغو، سيد التعليم.
“إنها مملكة الفكر والمعرفة، موطن العباقرة والجامعات الكبرى، وتحيط بها ثمان مدن تضيء بنورها."
—
6. مملكة سيرافيل – ملكها إيكر، سيد الطب.
"هناك… حيث يسكن الطب، ويُمارَس العلاج، وتقوم المستشفيات على شفاء الجراح و تتبعها ست مدن."
—
7. مملكة سيغناليس – ملكها بيبرا، سيد الاستخبارات.
“مملكة الاستخبارات، معقل العيون الخفية والخطوات الصامتة، الغموض يسكنها والخطر يحيط بها، وتحت لوائها تسع مدن."
—
8. مملكة ويتسري – ملكتها كيوكي.
" دورها ما زال غامضًا… لكن تحت ظلها خمس مدن "
—
9. مملكة نيبتونيا – ملكها لامار، سيد الشواطئ.
"إنها مملكة الشواطئ والموانئ، معقل الأساطيل، وحاجز الأمن المنيع لحدود الإمبراطورية، وتحت لوائها خمس مدن."
-
مملكة كافاليا: ؟ ❌
-
استمرت إيروها في تعداد الممالك و المدن، مملكة تلو الأخرى، موضحة أدوار ملوكها وسادة المدن حتى انتهت قائلة:
“وأخيرًا، هناك اربع ملوك لا يحكمون ممالك، لكن أدوارهم لا تقل أهمية…
ملك الجيش الامبراطوري تايو ، وريث الضوء الإمبراطوري، ابن كوهي نفسه.
الملك لوغراي فريد ، سيد مقر إيرثون، حيث يُساق المجرمون للعمل قسرًا، ليكونوا عِمادًا لعدالة لا ترحم.
الملك جلاتيوس ، اليد العليا التي تُمسك بخيوط الممالك جميعها، سيد الإدارة، وحارس التوازن بين العروش، أنه المسؤول عن إدارة الممالك.
وأخيرًا… صمتت، رفعت عينيها نحو البعيد وأكملت.
الملك كاسبر ، سيد السجن الأكبر في العالم، سجن الرعب… حيث تنتهي الحرية وتُولد الكوابيس.
تسللت أشعة القمر الخافتة عبر النافذة الصغيرة، كأنها تسترق السمع لما يدور في الغرفة.
“والآن، دعني أخبرك عن إمبراطورية ميدوهار.” قالتها بنبرة واثقة، لكن بحذر واضح، وكأن ذكر اسم تلك الإمبراطورية يفرض احترامًا خاصًا.
“هذه الإمبراطورية تُحكم من قِبَل عائلة زيوفري ، وهي واحدة من أضخم الإمبراطوريات في العالم. جيشها قوي ومرعب، لكنها… غامضة جدًا.”
رغم كلماتها، شعرت أن الغموض الذي يحيط بميدوهار ليس مجرد شائعة.
“ميدوهار ليست كإمبراطورية ستارفيل التي نعيش تحت ظلها. هناك شعور بأن عائلة زيوفري تعرف أكثر مما تظهره… لكن لا أحد يتجرأ على سؤالهم.”
“أما إمبراطورية كودراد…” تابعت، وهي ترفع إحدى الأوراق وتشير الى الخريطة حيث تقطن في الجنوب.
“كودراد صغيرة للغاية، حجمها لا يتعدى مملكة واحدة فقط من ممالك ستارفيل. لكنها… مختلفة.”
رفعت عينيها نحوه، وكأنها تشرح شيئًا غريبًا حتى بالنسبة لها:
“شعب كودراد هو الذي يحكم نفسه. لا ملوك، لا عائلات نبيلة. القرارات تُتخذ جماعيًا، والجميع يساهم في إدارة الإمبراطورية.”
خفضت صوتها قليلًا، كما لو أنها توشك على الكشف عن سر:
“وهناك إمبراطوريتان… لم تعودا موجودتين.”
“إمبراطورية الجليد… كانت تحت حكم عائلة الجليد، إحدى العائلات الثلاث العظمى.”
وضعت إصبعها على جزء فارغ من الخريطة:
“قبل تسع سنوات، دُمرت هذه الإمبراطورية بالكامل في ظروف غامضة. لا أحد يعلم ما الذي حدث بالضبط. بعضهم يقول إن كارثة طبيعية ضربتها، بينما يظن آخرون أن هناك قوة خفية تقف وراء ذلك.”
ارتفع صوتها قليلًا وهي تضيف:
“بعد دمار إمبراطورية الجليد، انضمت عائلة الجليد إلى ستارفيل...”
تجمد الجو للحظة. بدا وكأن ذكرى تلك الأحداث تثير القلق حتى بعد مرور سنوات طويلة.
“أما إمبراطورية أوكسار…” قالتها بنبرة أكثر حدة.
تغيرت تعابير وجهها وكأنها تتحدث عن أمر يفوق الوصف:
“أوكسار لم تُدمر بفعل كارثة غامضة، بل على يد عائلة الدم قبل أربعة عشر عامًا.”
ضغطت على الورقة قليلًا:
“المعركة يقال بانها كانت شرسة لدرجة أنها غيرت خريطة العالم بالكامل.”
رفع أوريل عينيه نحوها، وسأل بفضول:
“لماذا هاجمت عائلة الدم إمبراطورية أوكسار؟”
صمتت لوهلة، ثم همست:
“لا أحد يعرف السبب الحقيقي. البعض يقول إن الإمبراطور السابق لأوكسار ارتكب جريمة بحق عائلة الدم. آخرون يعتقدون أنها كانت مسألة قوة فقط… لكن مهما كان السبب، الإمبراطورية اختفت، ولم يبقَ سوى البحر.”
“لكن…” تابعت بابتسامة خفيفة، تحاول تخفيف حدة الجو:
“الإمبراطوريات ليست كل شيء في هذا العالم.”
نظرت إلى أوريل، الذي كان يستمع بتركيز.
“هناك أيضًا الاتحادات. وهي كيان يحكم مملكة واحدة فقط، لكن قوتها تكمن في الموازنة بين الإمبراطوريات و الدول.”
رفعت إصبعين:
"لدينا اتحادان كبيران…
اتحاد روملس، ويحكمه أربعة حكماء.
اتحاد هوفيكار، تحت قيادة ستة حكام.
"وتنتشر في بقاع العالم ممالك صغيرة، لا يتجاوز سلطانها القرى و الجزر والمدن المحدودة، أغلبها آثرت التحالف مع الاتحاديين لتحافظ على وجودها."
بينما كانت تشرح، لم تنتبه إلى أن الوقت قد مر بسرعة. التفتت نحو النافذة، فوجدت أن السماء قد أظلمت بالكامل.
“آه! لقد تأخر الوقت!” شهقت بدهشة، ثم نظرت إلى أوريل بابتسامة مرهقة.
“أتمنى أن تحفظ ما أخبرتك به. غدًا سنكمل الحديث عن بقية العالم.”
جمعت دفاترها واتجهت نحو الباب.
“وداعًا يا أوريل… ولا تنسَ، العالم لا يزال أمامك لتكتشفه.”
بينما بقي يراقبها بصمت. توقفت لحظة، تشعر بأن شيئًا تغيّر، وقبل أن تغادر رأت على شفتيه وميض ابتسامة خفيفة، صغيرة لكنها أحدثت صدى عميقًا في قلبها .
‘هل ابتسم؟’
للحظة، شعرت وكأنها حققت إنجازًا صغيرًا في كسر جدار الصمت الذي لطالما أحاط به.
“تصبح على خير يا أوريل.”
رفعت يدها تلوّح له بلطف، لكنه لم يقل شيئًا. فقط رفع يده قليلًا، وأومأ برأسه في صمت.
عادت الأجواء الهادئة لتُغلف المكان.
استلقى على السرير وأغمض عينيه، لكن عقله كان يضج بالأفكار.
'يا لَإزعاجهم… كانت المعلومات هائلة حتى كاد رأسي ينفجر. ومع ذلك، فهمت تقريبًا كل شيء. والآن…
'
فتح عينيه، وراح ينظر إلى السقف بنظرة عميقة.
'هل
.
.
…
…
.'
ابتسم، لم تكن مجرد ابتسامة عابرة، بل كانت بداية… بداية شيء جديد يتشكل في داخله، شيء لم يعرفه من قبل: الفضول.
أغمض عينيه مجددًا، لكنه لم ينام على الفور.
في الخارج، كانت الرياح تهب بهدوء، كما لو أنها تحاول تهدئة أفكاره وتُهيئه لرحلة طويلة لم يكن مستعدًا لها بعد.
لكن سواء كان مستعدًا أم لا…
كانت هذه الليلة بداية لشيء جديد.
لأول مرة منذ وقت طويل… بدأ يبحث عن سبب للعيش.
ومع ذلك، فإن هذا الفتى… الذي بلا هدف ولا حياة، كان ينتظره مستقبل مثير، قد يُغيّر العالم كله.
نهاية الفصل