قاعدة الثوار – بعد أسبوعين

تحت شمسٍ خافتة تراقب سماءً ملبدة بالغيوم، خرجت إيروها من غرفة أوريل وهي تجر قدميها بتعبٍ واضح. كان وجهها شاحبًا قليلاً، وعيناها تحملان إرهاقًا لا يمكن إنكاره، لكنه لم يكن خاليًا من الأمل.

كانت خطواتها ثقيلة، كما لو أنها تحمل جبلًا من المسؤوليات على كتفيها.

من بعيد، لمحتها إيمي ، التي كانت تتجول بين أروقة القاعدة، تتحدث مع بعض القادة الآخرين. تركتهم فورًا واتجهت نحوها بخطواتٍ سريعة.

“إيروها!”

رفعت رأسها ببطء، وعندما التقت عيناها بعيني إيمي، ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرهقة:

“إيمي… أهلاً. كيف حالك؟”

لكن إيمي لم ترد التحية، بل قطعت مباشرة إلى صلب الموضوع وهي تنظر إلى الإرهاق الذي لا يخفى على وجهها:

“هذا السؤال لكِ… تبدين متعبة. ما الذي يجري؟”

ضحكت بخفة، وكأنها تحاول التخفيف من القلق عليها:

“أنا بخير، لا تقلقي.”

لكن إيمي لم تبدُ مقتنعة بكلماتها، فتقدمت خطوة أقرب وسألت بجدية:

“وماذا عن تعليم أوريل؟ هل تسير الأمور كما يجب؟”

ترددت للحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة. عيناها تائهتان للحظات، قبل أن تجيب بنبرة أكثر هدوءًا:

“الأمر… مرهق. لكنه يتحسن. بدأ يسألني عن العالم، وهذا بحد ذاته تقدم جيد.”

ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة، وكأنها رأت في كلماتها شعاع أمل صغير.

“أرى أنكِ نجحتِ في تحريك فضوله أخيرًا.”

أومأت إيروها برأسها ببطء وأضافت:

“نعم، لكن بسبب هذا التقدم، قررت المعلمات العودة لتدريسه. أردن استكمال ما بدوا به… لكن بلا فائدة تُذكر.”

تذكرت مشهدًا معينًا، لم تستطع إلا أن تضحك بخفة وهي تستعيده في ذاكرتها، رغم إرهاقها.

قبل أيام – غرفة التدريس

كانت لمى ، المعلمة المسؤولة، واقفة أمام السبورة، تحاول شرح درس في الرياضيات و العلوم.

على الجانب الآخر، جلس أوريل على مقعد خشبي، ذراعيه متشابكتان، وعيناه تحدقان في الفراغ كما لو كان في عالمٍ آخر.

“كما ترى، أوريل، هذه المسألة بسيطة جدًا. إذا كان لدينا…” بدأت بشرح المثال الثالث، لكن كلماتها ظلت معلقة في الهواء.

أوريل لم يكن يستمع.

كانت عيناه معلقتين خارج النافذة، يراقب الأطفال في الساحة وهم يركضون ويضحكون.

“أوريل!” صرخت بحزم، محاولة إعادة تركيزه على ما تقول.

استدار ببطء نحوها، عينيه الثابتتين التقتا بعينيها مباشرة.

“أنتِ مزعجة.”

-

ضحكت إيروها وهي تتذكر كيف جفلت لمى في مكانها بعد تلك الكلمات.

“ومنذ ذلك اليوم، لم تقترب المعلمه من أوريل مرة أخرى.” قالت وهي تبتسم، وكأنها تستمتع بسرد الحكاية.

“مرَّت ثلاثة أيام، ولم تحاول حتى العودة.”

بينما كانت إيمي تستمع باهتمام. علّقت بتعجب:

“من الغريب أن يفشل الجميع في التعامل معه، حتى المعلمات اللواتي يمتلكن خبرة طويلة في الإقناع والتعامل مع أصعب الشخصيات. بعد كل شيء، الثوار يتقنون تغيير الآراء وجذب القلوب.”

ابتسمت بخفة بينما تخيلت ملامح أوريل الباردة في ذهنها:

'يا

له

من

فتى

غريب

.

سيكون

التعامل

معه

مثيرًا

للاهتمام،

لكن

للأسف

لدي

الكثير

من

الأعمال

التي

تشغلني

.

'

قاطعت إيروها تفكيرها بشيء من الإحباط:

“حتى الآن، لا يهم كم نحاول. إنه عنيد بطريقة غريبة. أراه يبدي اهتمامًا بالعالم، لكنه…” توقفت قليلًا وهي تنظر للأمام، “عينيه… لا تزالان ميتتين. أحيانًا أشعر أن فضوله لحظي فقط، وأنه لا يتغير حقًا.”

سألتها إيمي فجأة:

“ما نوع الأمور التي تعلمينه إياها؟”

تفاجأت بالسؤال، وكأنها لم تتوقعه.

“أُعلّمه عن العالم… الطبيعة، الأطعمة، الظواهر، الأرقام، الحروف… أشياء أساسية.”

لم تعلّق إيمي فورًا، لكنها اكتفت بابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها ببطء.

“إذن… كيف تتوقعين أن تلمسي شخصًا من الداخل دون أن تقتربي من قلبه؟”

“ماذا تعنين؟”

رفعت يدها وربتت على رأسها برفق:

“أعني أنكِ بحاجة للحديث معه عن شيء أكبر من مجرد أرقام وطبيعة… عليكِ الحديث عن المشاعر. إن أردتِ أن تغيّري شيئًا فيه، فعليكِ أن تبدأي من هناك.”

“العواطف؟” تمتمت إيروها وهي تحاول فهم مغزى كلامها.

"نعم، ابدأي بالحديث عن العائلة… الإخوة… الصداقة.”

بدت كلماتها واضحة وبسيطة، لكنها دخلت قلب إيروها كالسهم. للحظة، شعرت أنها سمعت شيئًا كان عليها فهمه منذ وقت طويل.

“العائلة…” رددت وكأنها تستعيد ذكرى غائبة.

“أنتِ محقة…لا اعلم كيف نسيت ذلك” همست، وكأن شيئًا ما انكشف أمامها فجأة.

أومأت إيمي بابتسامة دافئة:

“جربي ذلك، وأخبِريني لاحقًا كيف سارت الأمور."

بدات إيروها تغادر، بينما وقفت إيمي تراقبها، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها.

“لا اعلم؟” همست، عينايها تلألأتا وهي تتابع خطواتها المبتعدة.

'متأكدة أنكِ تعرفين تمامًا… لكنكِ لا تريدين الاقتراب من هذا الموضوع. ليس لأنكِ لا تفهمينه، بل لأنكِ…'

توقفت للحظة، وكأنها تسترجع الماضي:

'…لا ترغبين في الحديث عن العائلة.'

وضعت يديها خلف ظهرها وسارت ببطء، تاركة الممر خلفها.

“بعد كل شيء، مهما كنتِ ناضجة، تظلين طفلة… تتعلم.”

نظرت نحو السماء الرمادية:

'وربما… هذا التعليم ليس لأوريل وحده. بل لكِ أيضًا.'

كملت طريقها عائده إلى عملها، تاركة إيروها تواجه تجربة جديدة في علاقتها مع أوريل، حيث سيكتشف كل منهما أشياء عن الآخر وعن نفسه.

-

في غرفة أوريل...

كان الضوء يتسلل بخجل، والطعام أمامه، بينما جلس هو مسترخيًا، منفصلًا عن الجو كعادته. جلست إيروها على طرف الكرسي القريب منه، تحاول أن تبدو ثابتة، رغم إدراكها المتأخر أن الحديث عن “العائلة” مع شخص مثل أوريل قد يكون مهمة أثقل مما توقعت.

كان تركيزه على الطعام أكثر من تركيزه عليها، وكأن العالم يتوقف عند لقمة بطيئة يرفعها إلى فمه. حين طلبت منه أن يترك الأكل لأن لديهما درسًا مهمًا، لم يُبدِ حماسًا، بل تنهد واضطر إلى مجاراتها على مضض.

“وما هو الأمر؟”

ترددت للحظة. ساد صمت قصير، تخلله صراع داخلي واضح. شجعت نفسها بصمت، ثم رفعت عينيها إليه.

“ما هي العائلة، أوريل؟”

توقف عن الأكل. نظر إليها بعينين فارغتين من أي شعور مألوف، وأجاب بلا اكتراث، وكأن السؤال لا يحمل أي وزن.

“الحيوانات؟”

كانت الصدمة فورية. لم تكن تتوقع جهلًا، بل شيئًا آخر… لكن ليس هذا. الفكرة بدت عبثية لدرجة أنها احتاجت لحظة لتستوعبها. ومع محاولتها التأكد مما سمعت، ازداد اقتناع أوريل بإجابته، وهو يضع الملعقة جانبًا بجدية تامة.

“عشت مع الحيوانات… كانوا يتحدثون عن العائلة، فاعتقدت أنها تتعلق بهم.”

تسللت ضحكة خافتة منها رغم محاولتها كبحها. بساطة منطقه، وبرود نبرته، جعلا المشهد غريبًا ومضحكًا في آنٍ واحد. ارتباكه كان واضحًا وهو يراقب ابتسامتها، وكأنه يتساءل عن الخطأ الذي ارتكبه.

“ألم أخبرك أنني عشت مع الحيوانات؟”

استعادت جديتها سريعًا. لم يكن الوقت مناسبًا للضحك. الدرس لم يبدأ بعد، وهو أهم مما يبدو. حين طلب منها أن تُنهي الأمر بسرعة، أدركت أنه لا يرى في هذا الحديث أكثر من واجب ثقيل.

تقدمت خطوة أخرى نحوه، لا جسديًا، بل معنويًا.

“العائلة… لا يوجد أحد في هذا العالم بلا عائلة. إنسانًا كان أم حيوانًا.”

أدار وجهه قليلًا، وكأنه يجمع الخيوط داخل عقله. صوته جاء منخفضًا، لكنه واضح.

“إذن… لم أكن مخطئًا.”

لم تنفِ فكرته، لكنها صححت مسارها. المغزى أعمق من مجرد تعريف. بصوت دافئ، حاولت أن ترسم له صورة لم يعرفها من قبل: العائلة هم الوطن الصغير، الدم والمشاعر، الحب والوفاء، الأمان والقيم. شيء لا يُستبدل، مهما كثرت البدائل.

توقفت حين لاحظت نظرته. لم تكن فارغة هذه المرة، بل فضولية… مترددة. سؤاله جاء مباشرًا، بسيطًا، لكنه أثقل من كل ما سبق.

“حتى أنا… لدي عائلة؟”

إجابتها كانت حاسمة، بلا تردد.

“بالطبع. لا يوجد أحد بلا عائلة. لديك أب وأم، على الأقل."

مال رأسه مرة أخرى، كما يفعل حين يحاول فهم مفهوم جديد. الكلمات بدت غريبة على لسانه، لكنها استقرت في ذهنه بهدوء.

“لدي أب… أم… فهمت.”

تسللت الحيرة إلى إيروها وهي تراقب نبرة صوته الهادئة أكثر من اللازم، نبرة لا تدل على فهم بقدر ما تدل على محاولة ترتيب مفهوم جديد داخل عقل لم يعتد هذه الأمور. سألت عمّا استقر في ذهنه، فجاء جوابه ببرود منطقي، يقارن ما سمعه بما رآه سابقًا في عالمه القديم: الآباء والأمهات موجودون حتى بين الحيوانات، يحمون صغارهم ويقفون بينهم وبين الخطر.

ترددت قليلًا قبل أن تؤكد صحة الفكرة، مدركة أن التشابه لا يعني التطابق. لكن سؤاله التالي جاء فجأة، بسيطًا، وببراءة غير متوقعة:

"هل يمكنني اعتبار الحيوانات التي عشت معها عائلتي؟"

لم تردّ عليه بانفعال، بل بنبرة هادئة ثابتة، كأنها تحاول أن تتسلل بين طبقات الصمت التي تراكمت حول قلبه عبر السنين. أوضحت له أن بإمكانه اعتبارهم كذلك من حيث الشعور، لكنهم ليسوا عائلته الحقيقية. توقفت للحظة، ثم أكملت بعد نفس عميق، وكأن الكلمات التالية أثقل مما تبدو.

العائلة هم من يربطك بهم الدم والقرابة . الأب، الأم، الإخوة، الأجداد، وكل من يشترك معك في الجذور. ليست مجرد وجود ثابت، بل مشاركة حياة كاملة؛ دعم في الضعف، ومساندة في النمو، وارتباط على المستويات الشخصية والاجتماعية والعاطفية والمادية.

ثم أضافت بابتسامة يختلط فيها الحزن بالواقعية:

"لكن ليس كل العائلات جيدة."

بدت الفكرة وكأنها تصطدم بشيء داخله. رفع حاجبه قليلًا، مستحضرًا ما قيل سابقًا، وسأل عن التناقض. ساد الصمت. لم تجبه مباشرة. ابتسامتها الحزينة كانت كافية لتقول إن بعض الحقائق لا تُقال بسهولة. صمته ازداد ثقلًا، وفضوله بدأ يتحول إلى شيء أعمق.

عادت للحديث بحذر، موضحة أن وجود آباء سيئين أمر حقيقي، لكنه ليس القاعدة. الغالبية العظمى من الآباء في هذا العالم محبون، يحمون أبناءهم بصدق، لكن العالم—كعادته—لا يخلو من الاستثناءات.

تابعت حديثها وهي تنظر نحو النافذة، حيث الضوء يتسلل بهدوء إلى الغرفة. مشاعر البشر تختلف ، لكن مشاعر الأهل تجاه أبنائهم غالبًا ما تكون واحدة: حب، حنان، وعطف. ومع ذلك، هناك دائمًا من يكسرون هذه القاعدة، ويتركون خلفهم فراغًا لا يُملأ بسهولة.

وفي تلك اللحظة، لاحظت إيروها التغير الطفيف في عيني أوريل. الفضول لم يعد سطحيًا، بل صار حقيقيًا، بطيئًا، كأنه يخطو لأول مرة نحو منطقة مجهولة. شعرت بسعادة خفية تتسلل إلى داخلها.

'هل

وصلت

إلى

قلبه

أخيرًا؟'

انتقلت بسلاسة إلى المفهوم التالي، وكأنها تفتح بابًا جديدًا في ذهنه لم يُطرق من قبل. الأخوة … كلمة نطقت بها بثقل خاص، ثم راحت تشرحها باعتبارها رابطة الدم والرحم، سواء كانت كاملة أو ناقصة، مؤكدة أن جوهرها لا يتغير. تحدثت بشغف واضح، وكأنها لا تشرح تعريفًا، بل تحكي عن كنز إنساني نادر. الأخوة لا يُقدَّرون بثمن ؛ هم السند الأقرب، والدعم الأصدق، والقيمة التي لا يمكن تعويضها مهما تبدلت الظروف.

كان أوريل ينظر إليها بعينين لامعتين. لم يكن مجرد استماع، بل غوص كامل في الكلمات. شيء ما في حديثها كان يشدّه، وكأن عالمًا مجهولًا يتشكل أمامه للمرة الأولى، عالم لم يكن يعلم بوجوده أصلًا.

ثم انتقلت إلى الأصدقاء ، موضحة أن الصداقة، رغم كونها أقل من العائلة، إلا أنها لا تقل أهمية في حياة الإنسان. علاقة تقوم على الثقة والمودة والتعاون، لكنها حذّرت—دون قسوة—من ضرورة التأكد من صدق المشاعر. فليس كل قرب حقيقيًا، ولا كل ضحكة دليلًا على الوفاء.

في داخل أوريل، تحرّك شيء غامض. إحساس غير واضح، خليط من الحنين والتساؤل.

'الصداقة؟ هل كان لعوبًا أم صادقًا؟'

لاحظت إيروها التغيّر في ملامحه. تسلل القلق إلى داخلها، وتساءلت بصمت إن كانت قد أثقلت عليه، أو إن كانت قد أخطأت في تقدير قدرته على الاستيعاب. لكن أوريل لم يكن يومًا عاديًا. كل ما سبق أن شرحته له—الثورة، العالم، القوانين، وحتى الأرقام والحروف—استوعبه بسرعة مدهشة، وكأن ذهنه مهيأ لكل ما هو أعقد.

قطع تفكيرها صوته البارد، الخالي من أي تعبير:

“هل هناك شيء آخر؟”

توقفت للحظة، تحدّق فيه بدهشة صامتة، ثم ابتسمت بخفة. لم يكن سؤال ملل… بل رغبة. رغبة في المزيد. أخفت دهشتها وأشارت إلى التوقف، مدركة أن الكمّ وحده قد يرهق حتى أكثر العقول اتساعًا.

ساد صمت قصير بينهما، تبادلا خلاله النظرات. لكن داخلها، لم تستطع تجاهل الإحساس الذي دفعها للسؤال. كان في صوتها أمل خافت، انتظار صغير لعلامة، لأي رد فعل صادق.

“إذن… ما رأيك؟”

لم تكن تسأل عن الدرس، بل عنه هو.

في تلك اللحظة، شعر أوريل بموجة من الذكريات تعصف به.

تذكر الأيام التي قضاها مع الحيوانات في الغابة. تلك اللحظات البسيطة التي كانت مليئة باللهو والمغامرات الطفولية. كانت الذكريات نادرة، لكنها عميقة بما يكفي لتترك أثرًا بداخله.

تذكر صديقه السابق الذي منحه لحظة أمل في وسط ظلامه. تذكر منقذه… الشخص الذي انتشله من حياة قاسية بلا معنى.

“لا أعلم.” قال بهدوء، وكأنه يهرب من مشاعره.

لكن شيئًا ما في تعابيره تغيّر.

"العلاقات لا تدوم، أليس كذلك؟"

همس لنفسه داخليًا:

‘كل الذين عشت معهم اختفوا. لم أتمكن حتى من البقاء معهم طويلًا. الأمر أشبه بكابوس يمنعني من التفكير فيه.’

ورغم ذلك، لم يستطع إنكار فضوله.

“لكن…” أضاف بصوت منخفض، وكأن الكلمات تخرج بصعوبة، “إن كانت العائلة رائعة حقًا، فأنا أرغب برؤية ذلك. الآن، فضولي لا يتعدى كونه مجرد فضول. ربما يتغير رأيي حين أرى ذلك بعيني.”

تراقص بريق الأمل في عينيها حين سمعت كلماته.

“هذا جيد.” قالت بابتسامة دافئة، وكأنها عثرت أخيرًا على خيط رفيع قد يقود إلى تغييره.

صمتت لوهلة، ثم سألت فجأة، بصوت مرِح:

“إذن، ماذا أكون بالنسبة لك؟”

نظر إليها مستغربًا من سؤالها، ثم رفع حاجبه قليلًا وأجاب بلا تردد:

“فتاة مزعجة؟”

اتسعت عيناها غضبًا، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامتها.

“مزعجة؟! هل هذه أفضل إجابة لديك؟!” قالت وهي تضربه بخفة على ذراعه.

لم ينزعج، بل ابتسم ببطء، وكأن تلك اللحظة البسيطة استطاعت أن تكسر جزءًا صغيرًا من بروده المعتاد.

أما إيروها ، فرغم تظاهرها بالغضب، شعرت بالسعادة تغمرها وهي ترى تلك الابتسامة النادرة.

‘هذه هي البداية…’ فكرت وهي تراقبه.

‘لن أسمح لك أبدًا بالتفكير في الموت. سأجعلك ترغب في الحياة، سأمنحك هدفًا… مهما حدث.’

-

بعد عدة أيام…

في مكتب إيمي، كان الجو مشحونًا بالتوتر.

جلست خلف مكتبها، تضرب سطحه بأصابعها بتوتر واضح، ثم تحدثت بانزعاج:

“ألا يكتفون بتعذيب الأطفال هؤلاء؟ إلى متى سيستمرون في هذه الأفعال الحقيرة؟”

وقف أمامها رجل متوسط الطول، بشعر أزرق غامق ينسدل على كتفيه، يرتدي ملابس أنيقة بلون البحر. كانت عيناه تشعان بالثقة والهدوء.

“هل أذهب؟” سأل بنبرة جادة، وكأنه مستعد للتحرك في أي لحظة.

التعريف الرسمي:

• الاسم: كاييل

• اللقب: رمح الحرية

• المكانة: قائد ثوري - رئيس التحرير الثاني

• العمر: 34 عامًا

• المستوى: معين

نظرت إليه بارتياح، وكأن ثقلاً كبيرًا بدأ يخف عنها.

“أرجو أن تفعل ذلك يا كاييل. أعلم أنك عدت لتوّك، ولكن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى من ينقذهم.”

توقفت للحظة، ثم أضافت بابتسامة عريضة تحمل مزيجًا من الحماس والتحدي:

“وأيضًا… ضم أوريل معك في هذه المهمة.”

رفع كاييل حاجبه قليلاً بدهشة، لكنه لم يعترض. كان يعلم أنها لا تتخذ قراراتها إلا بدقة.

وهكذا، بدأت أول مهمة حقيقية لأوريل. مهمة محفوفة بالمخاطر، لكنها تحمل هدفًا نبيلًا:

إنقاذ الأطفال.

نهاية الفصل

2026/01/11 · 20 مشاهدة · 2179 كلمة
نادي الروايات - 2026