غرفة أوريل…

جلس أوريل شاردًا في غرفته حتى قُطع الصمت بدخول المعلمة ميلفي.

نظراتها امام أوريل كانت حادة وصوتها لا يعترف بالمجاملات. في يدها، حملت كتابًا عن الثوار ذو غلاف داكن، وضعت الكتاب أمامه بعزم، ليرتطم بحافة الطاولة بصوت خفيف لكنه واضح.

“خذ هذا الكتاب. اقرأ كل شيء فيه واحفظه.” قالتها بصرامة، كأنها لم تترك له مجالًا للنقاش أو التساؤل.

رفع رأسه بهدوء، ملامحه لم تتغير، لكنها كانت تحمل ذاك البرود الصامت الذي اعتاد عليه. مد يده نحوه، وأمسك به.

لم تنطق ميلفي بكلمة أخرى، أدارت ظهرها وغادرت الغرفة كما دخلتها.

-

عند الممرات الخارجية…

تسللت أشعة الشمس على الحجر العتيق بينما كان أشير يتلصص بفضول من نافذة غرفة أوريل، متكئًا للأمام كطفل لا يعرف الكفّ عن الفضول.

“ أشير! ” جاء الصوت من خلفه حادًا كالسيف.

قفز مذعورًا، ليستدير نحو ميلفي التي واجهته بنظرة صارمة لا تقبل الأعذار. حاول التملص بمزحة سخيفة، لكنها لم تقتنع، واكتفت بتحذير بارد قبل أن ترحل، تاركة إياه يتنفس الصعداء.

لكن الراحة لم تدم.

“ أشير!!! ”

حاول كسر التوتر بابتسامة مرحبة وحنين مصطنع، لكنها قابلته ببرود وأمرته بالابتعاد.

ولكنه لم يستسلم بسهولة، أمال رأسه بخفة وأضاف بملامح مصطنعة الحزن:

“يالكِ من قاسية! لماذا تعاملينني بهذا الأسلوب؟”

“لأنك مزعج. والآن ابتعد.”

“لكننا سنعمل معًا في المهمة القادمة، علينا أن نتوافق!” قالها بحماسة زائدة وهو يلوح بيديه.

تجمدت تعابيرها للحظة، ثم نظرت إليه بحدة قبل أن تضرب الحائط بقدمها، ليصطدم الصوت بأذني أشير ويعيده إلى واقعه.

“ولهذا تحديدًا أنا غاضبة. لماذا عليّ تحمل وجودك؟ في آخر مهمة كدت أن تتسبب بفشلها!”

ضحك بخفة، محاولًا تخفيف التوتر:

“هذا ليس صحيحًا!”

رمقته بنظرة خالية من الصبر، واقتربت خطوة للأمام وهي ترفع يدها محذرة:

“ اخرس. ”

-

داخل غرفة أوريل…

كان الصمت ما زال يلف المكان. لم يكن هناك سوى صوت خافت لتقليب صفحات الكتاب أمامه.

لكن سرعان ما تسلل إلى أذنيه صوت جدال من الخارج، رفع رأسه ببطء، ثم دفع نفسه من الكرسي متوجهًا نحو النافذة.

بلمسة خفيفة، فتحها ونظر للأسفل، حيث كان أشير وإيروها واقفين في الممر، ما زالا في سجالهما الذي بدا وكأنه لا نهاية له.

“إنكما مزعجان.” قالها بصوت بارد، بنبرة مسطحة تخلو من الاهتمام.

التفتت إيروها فورًا، وكأن كلماته أشعلت فتيلًا كان ينتظر فقط شرارة واحدة:

“اصمت أنت أيضًا!”

رفع أوريل حاجبه قليلًا، متفاجئًا من ردها الحاد. تساءل في داخله، ‘ما بها؟’ لكنه لم يكلف نفسه عناء السؤال بصوت عالٍ. بدلًا من ذلك، حول نظره إلى أشير الذي كان يحدق فيه بابتسامة واسعة، ورفع يده يلوح له كأنه صديق قديم.

لكنه لم يبادله الحماس، واكتفى بقول:

“من يكون هذا الأحمق؟” نطق بها بلا مبالاة، وكأن وجود أشير نفسه لم يكن ذو أهمية.

سقطت ابتسامة أشير فورًا، وارتسمت على وجهه تعابير خيبة أمل صافية.

“لست أحمقًا!” رد بصوتٍ مرتفع، محاولًا الدفاع عن نفسه.

لكن إيروها لم تفوت الفرصة.

“إنه احمق بالفعل.”

“لست كذلك!”

احتج بانزعاج، وهو يرفع ذراعيه في الهواء.

لكن إيروها لم تعره انتباهًا طويلًا، وبدلًا من ذلك نظرت إلى أوريل وقالت بنبرة أكثر جدية:

“على أي حال، هناك مهمة قادمة وستكون جزءًا منها.”

رفع رأسه قليلًا. “مهمة؟” كرر الكلمة بنبرة خافتة بالكاد مسموعة.

“نعم. إنقاذ أطفال يعملون في ظروف قاسية في الجبل.”

لم يبدُ عليه أي رد فعل يذكر. عينيه تائهتان وكأن الكلمات مرت بجانبه دون أن تترك أثرًا. لكن إيروها، التي اعتادت على طريقته الباردة في الرد، لم تظهر أي استياء.

على النقيض، وقف أشير يحدق في أوريل بعبوس طفيف، وملامحه تعبر عن الإحباط.

“عندما يوجه إليك أحدهم الحديث، عليك أن ترد.” قالها بتذمر، عاقدًا ذراعيه كأنه يوبخ طفلًا.

بلا أي اكتراث، أغلق النافذة ببطء وعاد إلى سريره، متجاهلًا وجودهما وكأنهما لم يكونا هناك من الأساس.

حدق أشير في النافذة المغلقة بذهول لبضع لحظات، ثم صرخ بغضب:

“هذا الوغد… تجاهلني؟!”

تنهدت إيروها وهي تدير ظهرها لتغادر.

“الجميع يتجاهلك، ليس بجديد.” قالت ببرود وهي تمضي في طريقها، تاركة أشير وحده في الممر، ما زال يحمل في داخله ألف سؤال عن زميله الجديد الذي أغلق النافذة في وجهه بلا أدنى اهتمام.

-

بعد ساعات…

تجمّع الجميع في الساحة الرئيسية استعدادًا للانطلاق. المهمة كانت ثقيلة على عاتق الجميع، فهي ليست مجرد إنقاذ، بل عملية تتطلب الحذر والتنسيق. وقف أربعة عشر شخصًا منتظمين في صفوف شبه منظمة، أعينهم تحمل خليطًا من الجدية والترقب.

في مقدمة المجموعة كان رئيس التحرير كاييل ، قائد المهمة بشخصيته الحازمة ونظراته الثاقبة. خلفه مباشرة، وقف فريق النخبة المخصص لهذه المهمة:

أشير بشخصيته المتهورة وحماسته التي لا تخبو.

إيروها بملامحها الجادة وعينيها اللتين تشعّان حدة.

أوريل الذي وقف صامتًا، عاقدًا ذراعيه وكأن العالم من حوله لا يعنيه.

فورتاليز ، شاب غامض بشعر أبيض قصير، يرتدي درع نينجا فضي داكن وقناعًا. في الثامنة عشرة، لكن وقفته وثقته توحيان بخبرة تفوق عمره.

سومي وسوما ، توأم متطابقان بشعر بني قصير ودروع بنية ثقيلة. في التسع عشر من عمرهما.

كان الهدف هذه المرة هو منجم يقع في أعماق جبل بعيد عن حدود الممالك. المنجم مليء بالذهب والجواهر، وكان مصدرًا أساسيًا لتمويل الإمبراطورية. لم يكن استخراج هذه الكنوز عملاً سهلاً، ولهذا تم إرسال الأطفال المعتقلين—أولئك الذين صُنّفوا كمجرمين—للعمل فيه كنوع من العقاب القاسي.

“لن يكون الأمر سهلاً.” تحدث كاييل بنبرة صارمة وهو ينظر إلى الجميع. “هذه ليست مجرد عملية إنقاذ، بل هي ضربة موجعة لسلطة الإمبراطورية. نحن لا ننقذ الأطفال فقط، بل نحطم النظام الذي يعاقب الأبرياء بوحشية.”

نظر الجميع إلى بعضهم البعض بجدية و صرخوا بحماسة.

-

المنجم…

عندما بدأ الجبل يظهر في الأفق كظل داكن يرتفع وسط الضباب، خيم صمت ثقيل على المجموعة. توقفت الأقدام عند حافة التلال الصغيرة، واختبأت الأجساد خلف الأشجار الكثيفة التي تراقب المنجم من بعيد كعُيون لا تنام.

المنجم كان غارقًا في ضجيج الحياة المفقودة. أصوات المطارق الثقيلة تصطدم بالصخور بلا توقف، تعكس صورة مؤلمة لأشخاص يعملون بلا راحة، وكان محاطًا بحراس مدججين بالسلاح.

وقف كاييل في مقدمة المجموعة، عاقدًا ذراعيه، عينيه مثبتتان على المشهد أمامه:

“هذا هو الاختبار الحقيقي. لن يفشل أحد. الأرواح التي سننقذها تعتمد علينا.”

في تلك اللحظة، تبادل الجميع نظرات حازمة، كل فرد منهم كان يعلم أن العودة من هذه المهمة بدون إنقاذ الأطفال لم يكن خيارًا مطروحًا.

وفوق سفح الجبل المسطح، انكشف المنجم أمام أعين الجميع كجرح غائر في جسد الطبيعة. لم يكن هناك كهف مظلم كما يُتصور عادة، بل امتدت حواف المنجم كفخ مفتوح، يحيط به جدار صخري شاهق يُلقي بظله على الأرض المليئة بالحجارة المتلألئة. الذهب والجواهر كانت تلمع تحت أشعة الشمس.

على بعد أمتار قليلة، اصطف الأطفال، صغارًا في السن، حفاة الأقدام بأجساد هزيلة تشي بأنهم لم ينالوا من الحياة سوى الألم. كانت المعاول الثقيلة أكبر من أيديهم، لكنها رغم ذلك لم تُعفِهم من مهمة الحفر الدؤوبة.

وقف باغوير ، قائد الحراس، متكئًا على عصاه الحديدية، يراقبهم بعينين نصف مغلقتين تحت شارب كثيف يرتعش مع كل كلمة يلفظها بصوتٍ أجش.

“اعملوا! لا مكان للكسل هنا! ومن يتخاذل لن يعود إلى المقر أبدًا!”

كلماته كالسكين، لكنها لم تحرك فيهم سوى الرهبة. اتجه ببطء إلى كرسي خشبي وضع في الظل، جلس عليه واستند للخلف كما لو كان يشاهد عرضًا مسرحيًا لا يعنيه.

امامه الأطفال يعملون كالآلات.

خلفهم، وقف الحراس بعيون متيقظة وسياط معلقة على أكتافهم، تُرفع في الهواء عند أول إشارة على التباطؤ.

عند أحد المنعطفات، توقف طفل صغير فجأة، يلهث بشدة، ثم سقط على ركبتيه، عاجزًا عن رفع المعول مرة أخرى.

“ماذا تفعل؟!” جاء صوت أحد الحراس كالرعد، اقترب بخطوات غاضبة ورفع سوطه عاليًا، ليهوي به على ظهر الطفل بقسوة. صرخة ألم ملأت الهواء، تبعها سقوط الطفل على الأرض، يتلوى وجسده الصغير يرتجف.

اندفع طفل آخر، يبدو أكبر بعامين، نحو الصغير واحتضنه كدرعٍ بشري.

“دعه وشأنه! إنه مرهق!” قالها بصوت يرتجف لكنه محمل بالغضب.

نظر الحارس إليه باستخفاف، وكأن الصغير ارتكب حماقة لا تُغتفر.

“هل تعترض عليّ؟”

رفع السوط مجددًا، وهذه المرة انهالت الضربات على الطفل الأكبر الذي لم يتحرك، فقط شد قبضته حول الطفل الأصغر متحملًا الألم.

التفت الحارس نحو بقية الأطفال، عينيه تضيقان بتهديد واضح.

“اسمعوا جيدًا! أي شخص يتخاذل مثل هذا… لن يُسامَح أبدًا. تمامًا كما قال القائد!”

تسلل الخوف إلى قلوبهم كعدوى لا شفاء منها. لكنهم استمروا في العمل، يعلمون أن التوقف ليس خيارًا متاحًا.

لكن في زاوية بعيدة، وقف فتى في الرابعة عشرة من عمره ، يراقب المشهد بصمت، عيناه تضيقان مع كل جلدة يُسمع صداها. الغضب كان يغلي في صدره، يكاد ينفجر كبركان خامد منذ سنوات.

أخيرًا، تحرك. قبض على معوله بقوة حتى أبيضت مفاصله، ثم تقدم ببطء نحو أحد الحراس، عيناه تلمعان بشيء لم يكن أحد يتوقعه.

رفع المعول عاليًا وضرب به رأس الحارس بكل ما أوتي من قوة. ارتطم جسد الحارس بالأرض، فاقدًا وعيه، وسط ذهول من حوله.

ارتجفت يدا الفتى بعد الضربة، لكنه ظل واقفًا، يلهث بشدة بينما بقية الحراس التفتوا نحوه بعيون مشتعلة غضبًا.

أحد الحراس اقترب بخطوات ثقيلة، ملامحه عابسة وكأن الشر يسيل من عينيه.

“هل تجرؤ على مهاجمتنا؟”

ثبت الفتى نظره في عيني الحارس، وعلى الرغم من الارتجاف الذي تسلل إلى جسده، إلا أن صوته خرج ثابتًا بشكل مفاجئ.

“نعم، أجرؤ.”

مرّت لحظة صمت، اشتعلت ملامح الحارس غضبًا، ورفع سوطه عاليًا وهو يصرخ:

“هذه العينان… سأحرص على ألا ترى النور مجددًا!"

ارتفع السوط في الهواء، يلتف كالأفعى في يد الحارس، مستعدًا لتمزيق الهواء بضربة لا تعرف الرحمة. عينا الفتى كانت مشدودتين على السوط، لكن قدميه بقيتا ثابتتين في الأرض، كأنه يرفض الهرب رغم الرعب الذي تسلل إلى صدره.

رفع الفتى يديه بحركة لا إرادية ليحمي وجهه، وصرخ جسده طلبًا للنجاة، لكن الألم لم يأتِ.

بدلًا من ذلك، تردد صوت حاد في الهواء.

"ززززززفففف"

وصوت انقطاع مفاجئ للجلد المشدود.

تساقط نصف السوط على الأرض كأفعى مقطوعة الرأس. للحظة، ظل الحارس ينظر إلى يده، غير قادر على استيعاب ما جرى.

“ما الذي…؟” تمتم بصوت مرتجف.

لم يملك وقتًا للتفكير. حبل غريب انطلق من الظلال كالثعبان، التف حول رقبته وساقيه بسرعة خاطفة، ثم جذبه بقوة ليسقط وجهه على الأرض مع صرخة مكتومة.

ارتجفت أجساد بقية الحراس، وتراجعوا بخطوات مترددة، عيونهم تمسح المكان بحثًا عن العدو الذي لا يرونه.

“من هناك؟!” صرخ أحدهم.

“أظهر نفسك!” صاح آخر، والسياط ترتعش في أيديهم.

عندها، خيم صوت بارد على المكان، كأنه انبعث من الصخور نفسها.

“إلى أي مدى قسّت قلوبكم؟ هل جفّت مشاعركم؟ ألم يكن لديكم أطفال يومًا؟ كيف تجرؤون على تعذيب هذه الأرواح النقية؟!”

كأن الجبل استجاب لغضب الصوت. تلبدت السماء بالغيوم الثقيلة، توقفت الرياح فجأة. ومن بين الظلال الكثيفة… برزتهيئة كاييل . عيناه توهجت بالازرق، وجهه حمل تعابير حادة كالنصل.

ارتبك القائد باغوير.

تراجع خطوتين إلى الوراء، وعيناه تتسعان كأنما رأى شبحًا.

“هذا… هذا مستحيل…! هذه المنطقة سرية للغاية! كيف علم رئيس التحرير بها؟!”

حاول أن يجد تفسيرًا في عقله المتوتر.

'هل يمكن أن يكون بيننا خائن؟ لكن هذه المعلومات تصل فقط إلى الملك فريد وأتباعه الموثوقين… كيف…؟'

نهض من كرسيه بخشونة، وقبض على عصاه الحديدية بيدين مرتعشتين وهو يحاول التماسك.

“استعدوا! الجميع إلى مواقعكم!” صرخ بأعلى صوته، وهو يلوح بعصاه في الهواء.

بدأ الحراس بالتحرك في فوضى عارمة، يتجهون نحو الأسلحة، بينما تسودهم حالة من الذعر.

لكن كاييل لم يتحرك.

وقف مكانه، عاقدًا ذراعيه، عينيه تراقبانهم كأنهم مجرد حشرات صغيرة تنتظر سحقها.

“لا ملاذ لكم اليوم.”

-

عند قاعدة الجبل…

كانت الأشجار الكثيفة تمتد كستار يحجب الرؤية عن المنجم. وسط الظلال، جلس أوريل والبقية، أعينهم لا تغفل عن الحركة عند قمة المنجم حيث يترنح الخوف بين الحراس.

كان الجميع في وضع استعداد، أجسادهم منخفضة خلف الصخور والجذوع، أنفاسهم هادئة لكن أعينهم تترقب كالصقور.

وقف سوما في المقدمة، رافعًا يده بهدوء لينبه الجميع بالتركيز.

“استعدوا جيدًا. عندما يهجم الحراس على الرئيس، ننطلق فورًا لإنقاذ الأطفال.”

لم يكن في صوته ذرة تردد. كان واضحًا أن المعركة الحقيقية ليست ضد الحراس وحدهم، بل ضد الزمن وضغط اللحظة.

إيروها، أضافت بصوت خافت:

“صحيح. الهدف الرئيسي هو إخراج الأطفال، لذا كونوا على أهبة الاستعداد. لا نريد خسائر غير ضرورية.”

سومي ، التي جلست بجانب جذع شجرة، التفتت إلى الخلف حيث وقف فورتاليز متكئًا على صخرة، عينيه نصف مغمضتين لكن حواسه في حالة تأهب تام.

“مهمتك هي المراقبة. إذا ظهرت تعزيزات، أخبرنا فورًا.”

أومأ بهدوء، ورفع إحدى خناجره الصغيرة بيده، يديرها بين أصابعه كأنه يلهو، لكن عينيه ظلتا مسلطتين على الطريق المؤدي إلى المنجم.

ووسط الاضطراب الذي اجتاح المنجم، وقف كاييل بثبات، جميع الحراس يركضون نحوه كأمواجٍ تتكسر على صخرٍ لا يتحرك. عيناه الضيقتان تراقبهم بصمت قاتل، ينتظر اللحظة المناسبة للرد.

من خلف الأشجار، دوى صوت سوما كطلقة البداية:

“الآن! توجهوا نحو الأطفال فورًا!”

اندفع الفريق من مواقعهم، يركضون بسرعة نحو الأطفال الذين انحنت ظهورهم على الصخور. بدا كل شيء في تحرك مستمر – إلا أوريل.

بينما انطلق الجميع، بقي متسمّرًا في مكانه، كأن الأرض أمسكت بقدميه ورفضت تركه.

تقدم فورتاليز خطوة للأمام، رمقه بنظرة جانبية قبل أن يعود لموقعه للمراقبة. لم يكن الوقت مناسبًا للأسئلة، فالأولوية كانت واضحة – إنقاذ الأطفال.

لكن داخل أوريل… لم يكن هناك سوى ظلام الماضي.

كانت الرؤية أمامه تتلاشى تدريجيًا، والمشهد الحقيقي يُدفن تحت طوفان من الذكريات الثقيلة.

رجل طويل، ضخم البنية، يحمل سوطًا عملاقًا يلمع تحت الشمس.

صوت الجلد وهو يهوى في الهواء، يقطع الصمت بضربات متتالية.

[هل تجرؤ على التوقف؟!] صاح الرجل بصوت يزلزل الجدران، قبل أن يهوى السوط على جسده الصغير.

لم يكن المنجم الذي يراه الآن سوى صورة متكررة لذاك المكان الذي ترك ندوبًا في صدره.

تساقطت قطرات العرق على جبينه، وبدأ جسده يرتجف كطفلٍ محاصر في زاوية مظلمة.

رفع يديه، وضمهما إلى صدره كما لو كان يحمي نفسه من شيء غير موجود… لكنه شعر به – السوط، الصراخ، والدم.

غرق في ذكرى لا تعرف الرحمة.

وبعيدًا عنه … كان الأطفال مرتبكين، غير مستوعبين للفوضى الذي تحدث امامهم.

ركضت إيروها بجانب سوما ، خطواتها سريعة لكن عينيها التقطتا غياب أوريل.

“أوريل…؟ لماذا لم يتحرك؟” تمتمت، لكنها سرعان ما ركزت مجددًا على المهمة.

لم يكن الوقت يسمح بانتظار أحد.

في تلك اللحظة، كان عليهم أن ينقذوا أكبر عدد ممكن.

وعندما اقترب الحراس من كاييل، بدت الثقة في خطواتهم، كأنهم أدركوا الخطة في اللحظة الأخيرة. استداروا بسرعة لمنع الفريق من الوصول إلى الأطفال، لكن…

ابتسم كاييل بهدوء، كمن يلعب دورًا كتب له مسبقًا.

خطوات الحراس بدأت تتباطأ عندما لاحظوا شيئًا غريبًا. كانت عيناه تلمعان بوهج خافت، وسرعان ما تحولت ابتسامته الهادئة إلى تعبير غاضب وقاتم.

“إلى أين أنتم عائدون؟” قال بصوت منخفض لكنه اخترق الهواء كالسيف.

“لن أسامحكم أبدًا، أيها الأوغاد!”

"زززت!!"

في لحظة خاطفة، انبثقت دائرة زرقاء ضخمة تحت قدميه، اتسعت بسرعة حتى غطت ساحة المعركة بأكملها.

كل من دخل الدائرة تجمد في مكانه.

"زززززت!!"

شرارات غريبة تشكلت حولهم، كأنها سلاسل من اللهب المتوهج، كانت الشرارات تزداد شراسة، تُطلق صوت “زززت!!!” كأنها تحذير أخير قبل الفتك، كانت تعيق حركتهم وتحاصرهم كفرائس وقعت في شبكة صياد محترف.

اما هو وقف وسطها، وصدى خطواته كان واضحًا. كل خطوة كان يخطوها تصدر صوتًا خافتًا لكن ثقيلًا:

“تكت… تكت… تكت.”

شيئًا فشيئًا، بدأت الدائرة تتحول، زواياها تمتد إلى الخارج حتى تشكلت إلى معين ضخم ، ينبض بطاقة غير مألوفة.

"ززززززفففف."

رفع يده بهدوء، ليصدر صوت همهمة غريبة، وكأن المعين يستجيب لتناغمه معه.

“ززززززززففففففففف!!

“لن تتحركوا خطوة أخرى.”

على الجانب الآخر، ركض الفريق بسرعة وسط الصخب، متجاوزين الحراس المحاصرين، حتى وصلوا إلى الأطفال الذين اصطفوا في خوف.

وقف سوما وإيروها وأشير و بقية الثوار أمامهم، كدرع حي يفصل بينهم وبين الخطر.

من بعيد، كان باغوير، قائد الحرس، يراقب المشهد بعينين تشتعلان غضبًا. كانت قبضته مشدودة على عصاه الحديدية.

“أيها الأطفال!” صرخ بصوت أجش.

“ابتعدوا حالًا، وإلا ستأخذون مكان هؤلاء!”

رفع سوما حاجبه بلا اكتراث، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية.

“وهل تستطيع ذلك؟”

تجمد باغوير للحظة، وكأن كلماته لم تكن مفهومة. نظراته لم تصدق جرأة الفتى الذي يقف أمامه.

'كيف يجرؤ هذا الطفل الوقح على الاستخفاف بي؟!'

خطا بخطوات ثقيلة نحوهم، كل خطوة أشبه بطعنة على الأرض.

على الجانب الآخر، التفتت سومي وهي تضع يديها خلف رأسها كأنها تشاهد مشهدًا هزليًا.

“أن يقع قائد في فخ استفزاز بسيط، ألا يجعله غبيًا مثل أتباعه؟”

لم يبدُ على باغوير أنه سمع كلماتها، أو ربما اختار تجاهلها تحت تأثير الغضب.

أما إيروها، فكانت بعيدة عن هذا كله. عيناها ظلتا مركزة على الأطفال الذين كانوا يرتجفون خلف الصخور.

“لا يهم الآن. علينا إخراج الأطفال.” قالت بصوت صارم.

“دعوا سوما يشغل القائد.”

بدأت هي وأشير وسومي و بقية الثوار بإخراج الأطفال واحدًا تلو الآخر، يقودونهم بسرعة نحو الغابة.

وكان سوما يقف أمام باغوير كعائق لا يمكن تجاوزه، يبتسم بثقة مبالغ فيها.

لكن بعيدًا عنهم، عند حافة التلال… لاحظ فورتاليز شيئًا.

وقف في موقعه على إحدى الأشجار العالية، عينيه مثبتتان على الأفق، حيث ظهر خط طويل من الجنود يتحرك عبر المسارات الجبلية.

“تعزيزات؟ بهذه السرعة؟” تمتم لنفسه، عيناه تضيئان بحدة تحت قناعه.

مجموعة كبيرة من حوالي 80 جنديًا، تتحرك بخطوات منتظمة ومتناسقة نحو المنجم. كانوا مجهزين بالدروع والأسلحة الثقيلة، يتقدمون ببطء لكن بثبات، وكأنهم واثقون من سيطرتهم على الموقف.

نهاية الفصل

2026/01/11 · 16 مشاهدة · 2622 كلمة
نادي الروايات - 2026