جلس أوريل على الأرض، أنفاسه تتلاحق كمن غرق في أعماق البحر وخرج للتو للسطح. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وقطرات العرق الباردة تنساب من جبينه، تبلل الأرض تحته.

[هذا عقاب المجرمين…]

الكلمات التي همست بها ذاكرته كانت ثقيلة كالسلاسل التي تقيد جسده. قبض بيده على صدره كأنها السبيل الوحيد لتهدئة اللهيب الذي ينهش داخله.

'تبا

جسدي

يؤلمني

.

'

كانت الرؤية أمامه مشوشة، وصوت الضجيج في المنجم بدا وكأنه يأتي من بُعد لا يمكن إدراكه. الهواء من حوله بدا ثقيلًا، كأنما يحاول منعه من التنفس.

وفجأة…

“أوي، أوريل.”

كان الصوت هادئًا لكن يحمل صدى كافٍ لاختراق الضجيج في عقله.

رفع رأسه ببطء، وعيناه نصف مغلقتين، ليرى ظلًا مألوفًا يقف أمامه. فورتاليز ، بملامحه الثابتة وعيناه الباردتان، كان يراقبه بصمت.

وقف بيديه المتقاطعتين، لا يظهر عليه القلق رغم وضوح الفوضى من حولهما. كان ينظر إليه كأن لا شيء يحدث.

حدق أوريل في عينيه للحظة، ووسط الألم الذي اجتاح جسده، شعر بهدوء غريب يتسلل إليه.

قال فورتاليز، بنبرة ثابتة لم تحمل ذرة شك:

“ستأتي التعزيزات قريبًا. سأذهب لعرقلتهم قليلاً. أما أنت، فعليك أن تذهب وتُخبرهم.”

بدا الأمر وكأنه لم يعطِ لأوريل فرصة للاعتراض أو التردد.

راقبه للحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية، بينما عينيه التقتا بعيني أوريل مباشرة:

“سأثق بك، لذا تأكد من أن تقوم بمهمتك.”

كانت نظراته، الهادئة والواثقة، تثبت أقدامه حتى في هذا الوضع الحرج. ثم استدار بهدوء ليغادر، تاركًا خلفه أوريل الذي بدأ يتماسك بصعوبة، ولكن مع عزم متجدد.

-

ووسط سفح الجبل… وقف الحراس، كالأشباح المذعورة، أمام المشهد الذي صنعه كاييل. ارتجفت أيديهم، وتبادلت أعينهم نظرات ممتزجة بالخوف والارتباك.

“هذا… سيئ للغاية…” تمتم أحدهم، بينما قبضته ترتجف على سلاحه.

“أحدنا يجب أن يتحرك… لكن…”

“لا يمكنني إطلاق جوهرتي! لماذا؟!”

في خضم فوضى أصواتهم المرتعشة، ظهرت على شفتي كاييل ابتسامة واثقة مليئة بالاحتقار.

“أحقًا؟ هل أنتم مبتدئون لهذه الدرجة؟ لا تستطيعون حتى التفريق بين المستويات؟”

خطا خطوة للأمام، وعيناه تشعان بسخرية قاتلة:

"دعوني أذكركم بدرس أساسي، إذا دخلتم نطاق شخص بمستوى معين، فلن تتمكنوا من مقاومته… إلا إذا استخدمتوا الورقة الرابحة.”

تصريحه زاد من غضب الحراس، لكن عيونهم… خانتهم.

رغم محاولاتهم للتماسك، انعكست مشاعرهم الحقيقية – خوف، شك، وتردد.

رفع كاييل يده ببطء، ثم، بلا سابق إنذار…

“شششششاككك!!”

انبثقت طاقة بيضاوية الشكل. في لحظة، تحولت إلى عاصفة من الشفرات ، تدور بسرعة كإعصار قاتل، تشق الهواء بقوة مرعبة.

انطلقت الشفرات، تقطع كل شيء في طريقها.

صرخ الحراس وهربوا في كل الاتجاهات، لكنهم كانوا… محاصرين.

بعضهم سقط على الأرض، يمسك بجسده الذي ملأته الجروح، بينما صرخ آخرون بفزع وهم يحاولون استخدام قواهم… عبثًا.

سقطوا واحدًا تلو الآخر.

“دووووم… دووم… دووم.”

دوى الصوت في ساحة المعركة، ليس كصدى خطوات، بل كقلب ينبض ببطء… كأنه ينتزع الحياة من حوله.

ظهر أمام كاييل وهج قاتم، مشع باللون الازرق الداكن. إنها طاقة القلب.

في لحظة، اجتاحت مشاعر اليأس والإحباط قلوب الحراس.

شعروا كأنهم فقدوا كل إرادة للقتال، كما لو أن الحياة تسربت من أطراف أصابعهم.

ابتسم كاييل بسخرية، وعيناه تراقبان الحراس المستسلمين الذين بدأوا يركعون ببطء على الأرض.

“انهضوا…” صرخ، وعيناه تشتعلان.

“فأنتم لم تروا بعد شيئًا مما عاناه الأطفال!”

“وووفششششش-كلاك!”

ظهرت طاقة خماسية قوية حول الحراس. تشكلت في هيئة حقول مغناطيسية ، جذبت أجسادهم بقوة وألصقتهم بالأرض.

بقي كاييل واقفًا، يستعد لإنهاء المواجهة، عندها…

“دوففف!!”

ارتطم جسد فجأة بالأرض بقوة، أثار غبارًا كثيفًا في الهواء.

توقف للحظة، وعيناه تتجهان نحو مصدر الصوت.

هناك، وسط الفوضى، وقف باغوير، قائد الحرس، وعيناه تشتعلان غضبًا.

كان جسده الضخم مشدود العضلات.

والشخص الذي قذفه بقوة في الهواء، ليسقط كان سوما.

تدحرج جسده على الأرض قبل أن يستقر، يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة.

كاييل، الذي نادرًا ما تفاجأ، رفع حاجبه قليلًا.

'هكذا

إذن

مستوى

قائدهم

هلالي؟ إنه نفس مستوى سوما…'

بدأ باغوير بالسير نحو سوما بخطوات ثقيلة.

-

قبل دقائق…

وقف سوما و باغوير في قلب الساحة، كأنهما رمزان لنقيضين يتواجهان أمام أعين الجميع.

الشبان الثائرون كانوا يراقبون بصمت، عيونهم متعلقة بجسد سوما، الذي وقف كدرع بشري أمامهم.

“تزززززز!”

انبعث وهجٌ سداسي من جسد سوما، يلتف حول باغوير كأنه شِباك متداخلة، تضيء المشهد بألوانٍ باهتة.

“إنها فقط مسألة وقت حتى تسقط.” قالها سوما بنبرة هادئة لكن واثقة.

رغم ذلك، باغوير لم يبدُ متأثرًا. ابتسم بسخرية، وعيناه تراقبان الطيف السداسي من حوله.

“أليس كل ما أحتاجه هو أن أفعل المثل؟”

“تزززززززز!”

بلا أي تردد، ظهرت حول سوما هالة مشابهة، سداسية الأبعاد، تعكس نفس القوة التي استخدمها.

“كلانا بنفس التصنيف، أيها الصغير.”

خطا باغوير للأمام ببطء، عاقدًا ذراعيه امامه كمن يعطي درسًا لأحد طلابه.

“لكن دعني أريك الفارق بيننا، حتى لو كنا متساويين في المستوى.”

في تلك اللحظة، تصادمت القوتان أسفلهم بعنف، كعاصفتين متعارضتين انفجرتا عند نقطة التقاء.

“دووووم!”

اهتزت الأرض تحت أقدامهم، مشوهة بفعل الضغط الهائل الذي سببه الاصطدام. تشققت الأرضية، تاركة خلفها حفرًا متباينة، بينما تلاشت الطاقة المتصاعدة شيئًا فشيئًا.

من مسافة بعيدة، وقف أشير على صخرة مرتفعة، يلوح بذراعيه وهو يضحك كأنه يشاهد عرضًا ترفيهيًا.

“هذا مثير للغاية! أوي، سوما، هل تحتاج إلى مساعدة؟”

لم يلتفت إليه، بل اكتفى بالرد بحدة:

“أغلق فمك وانقل الأطفال الآن.”

قطب أشير حاجبيه وتنهد.

“يا له من متعجرف مغرور… دائمًا كئيب هكذا.” تمتم بينما يسحب أحد الأطفال بعيدًا.

لكن في الساحة… كان الاصطدام يزداد شراسة. كل هجوم سداسي يقابله هجوم مشابه، كأن القوتين كانتا مرآة تعكس الأخرى.

الحفر والجروح التي خلفتها المعركة بدأت تزداد، وكأنها ندوب شاهدة على ضراوة القتال.

لكن… جاءت اللحظة الحاسمة.

عندما ارتفعت طاقة كلاهما فجأة، تلاشت الحدود بينهما… الطاقة ذات الشكل السداسي تتحول ببطء إلى طاقة مقوسة على شكل هلالي، يتوهج بحدة بجانبهم.

“شششش!”

اختفى باغوير للحظة، لا صوت ولا حركة، ثم…

“تششششش!”

بسرعة البرق، انطلق بغتةً، موجة من الطاقة الهلالية تدفقت من جسده، اخترقت دفاعات سوما كأنها سكين حاد شق الهواء.

“آه!”

تلقى الضربة في بطنه، وشعر وكأنها تدفع الهواء خارج جسده.

قُذف بعيدًا، جسده يتدحرج على الأرض، ليصطدم بصخرة ضخمة خلفه.

-

الوقت الحاضر…

وقف سوما مستندًا على صخرة مشوهة، يلهث والدماء تتقطر من فمه، كانت يده تضغط على جرحه في بطنه، لكن الألم كان يتغلغل في أعماقه بلا رحمة.

'هذا

ليس

الوقت

المناسب

للإصابات

سيرينا

ليست

هنا

لمعالجتي

.

'

تردد صدى أفكاره وسط أنفاسه المتقطعة، بينما رفع رأسه قليلًا ليراقب المعركة الدائرة أمامه.

في تلك اللحظة، اندفع كاييل نحو باغوير كظل أسود، خطوته كانت سريعة وثابتة.

لكن قبل أن يصل، اعترض طريقه بعض الجنود الذين لم يستسلموا. اجتمعت قوتهم وشكلت حوله شكلًا خماسيًا مشعًا، يتوهج بحقل مغناطيسي قوي.

“وووفششش!”

انجذب جسده للأرض، وبدأ الحقل يسحبه للأسفل كأنما يحاول سحقه.

رفع أحد الجنود رأسه، وابتسم بثقة غامرة:

“وأخيرًا… لنرى كيف ستنقذهم الآن!”

لكن… كاييل لم يُبد أي توتر.

ابتسم، لكنها كانت ابتسامة باردة ومليئة بالسخرية.

“كم أنتم بؤساء، ثغرة بسيطة تكفي لتُعمي أعينكم!”

بينما كان يحاول تحرير نفسه، باغوير لم ينتظر.

“تشششش!”

بسرعة خاطفة، أطلق موجة هلالية أخرى، تتجه نحو كاييل كأنها سهم قاتل.

تحرك كاييل للرد، لكن… الهجوم كان أسرع مما توقع.

وقف الجميع بلا حراك، أعينهم متوسعة بصدمة وهم يشاهدون الموجة تتجه مباشرة نحو رئيسهم.

حتى أشير، الذي كان يتمازح طوال الوقت، هرع إلى الأمام، لكن المسافة كانت كبيرة.

“هذا

سيء

لن

اصل

في

الوقت

المناسب

!

وفي اللحظة التي بدا فيها أن الهجوم سيصل…

“كشششش!”

انفجرت نيرانٌ هائلة فجأة وسط الساحة، كعاصفة ملتهبة ابتلعت الهجوم بالكامل.

“بوووم!”

اصطدم اللهب بالموجة الهلالية، تلاشى كل شيء في وابل من الشرر المتطاير.

تراجع الجميع، أيديهم تحمي وجوههم من الحرارة التي اندفعت كأنها نَفَسُ تنين غاضب.

ارتفعت النيران في الهواء، تتراقص بشراسة وكأنها كائنٌ حي.

وبينما هدأت شيئًا فشيئًا، ظهرت وسط الدخان ملامح شخص… وقف هناك، ظِلٌ صامت، يقف بثبات كالصخر وسط الفوضى.

تدريجيًا، انكشفت ملامح أوريل ، الفتى الذي بدا وكأنه خرج للتو من عالم آخر.

وجهه خالٍ تمامًا من أي تعبير، كالجليد الذي لا يذوب أمام اللهب.

ونظراته الملتهبة تحمل برودًا أشد قسوة من النيران التي سبقت ظهوره.

وقف أمام كاييل بثبات، كدرع لا يهتز.

لم يلتفت، لم يتحدث، فقط نظر إلى باغوير بنظرة خالية من المبالاة، كأن ما حدث للتو لا يعنيه.

نهاية الفصل

2026/01/11 · 12 مشاهدة · 1256 كلمة
نادي الروايات - 2026