قبل دقائق…

كانت كلمات فورتاليز تتردد في ذهن أوريل كصدى جرس ثقيل، يهز أعماقه بلا هوادة.

[سأثق بك.]

بدت تلك الجملة، رغم بساطتها، كأنها حجرٌ ضخم أُسقط في بحيرة راكدة.

تذكر ما قالته إيروها ذات مرة، عندما كانت تعلمه.

[الثقة هي أن تمنح إنسانًا يقينك، وأنت مطمئن أن طريقه لن يكون هاويتك.]

حينها، كان يظن أن كلماتها مجرد نصيحة عابرة، لكن اليوم… أدرك وزنها الحقيقي.

رغم ذلك، لم يستطع تجاهل تلك الفكرة التي تراود عقله.

وقف للحظة، نظر إلى الأعلى حيث يختبئ الفريق بين الصخور.

تنهد، ثم قفز نحو الاشجار، قفزاته خفيفة وثابتة، والابتسامة تعلو وجهه بشكل نادر.

“هل

تغيّرت؟

حسنًا

هذا

لا

يهم

الآن

.

-

الوقت الحاضر…

اشتعلت الساحة بنيران أوريل، تراقصت كأنها مخلوقات حية جائعة تلتهم الهواء حولها.

وقف كاييل بلا حركة، يراقب اللهب الذي منع الهجوم الهلالي ببساطة.

عينيه الضيقتان تابعتا ظهر أوريل الذي وقف أمامه، حرارة النيران كانت تملأ المكان، تهدد بحرق كل شيء حولها.

'إنه يستحق لقب وحش الغابة، لكن…'

رغم إعجابه بما حدث، لم يستطع تجاهل ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يتسلل إليه.

بصوت منخفض، همس:

“هذا

غريب

جدًا

.

على الجهة الأخرى، وقف باغوير في مكانه، لكنه لم يعد كما كان قبل دقائق.

ملامحه ارتجفت، وعيناه لم تفارقا النيران التي كانت تلتف حول أوريل.

'من

يكون

هذا

الوغد

؟

لماذا

يستخدم

النار؟'

ازدادت أنفاسه ثقلًا، وكأن إدراكًا مرعبًا بدأ يتشكل في ذهنه.

'هل

يمكن

أن

يكون

؟

لا،

هذا

مستحيل

.

'

في تلك اللحظة، كسرت إيروها الصمت بابتسامة ساخرة رغم دهشتها.

“يا له من تدخل مدهش، يا أوريل! لكن كيف يمكنك استخدام النار؟”

ضحك أشير بحماس، يلوّح بيده كعادته:

“هذا مذهل، يا فتى! لقد أنقذت رئيسًا، هذا شيء يستحق الثناء!”

لكن سومي لم تشاركهم الحماس، بل كانت ملامحها مشدودة بشيء من التوتر والقلق.

“كيف

له

استخدام

النار؟

هذا

غير

ممكن

.

ورغم تباين مشاعر الجميع، كان أوريل يقف بثقة مهيبة، نظراته الملتهبة الخالية من أي اكتراث… كانت كافية لإرعاب الجميع، سواء كانوا أعداءً أو حلفاءً.

وفجأة…

اخترق صوت المشهد:

“أوي، أوريل كيف لك استخدام النار؟ هل أنت من عائلة الدم؟”

كان ذلك كاييل، سأله بقلق، ولكنه نظر إلى شعره الأسود بتردد واضح.

'لكن

حتى

هذا

مستحيل

أفراد

عائلة

الدم

مميزون ب

شعرهم

الاحمر

!

'

“هذا؟” أجاب ببساطة، دون أن يرفع حاجبه حتى.

“كنت أستخدمه منذ صغري.”

كلماته، رغم بساطتها، لم تكن مقنعة.

التوتر ازداد، والريبة بدأت تحوم في الساحة كظل ثقيل.

وقف باغوير، محاولًا التحكم في ارتعاش جسده، لكن الفكرة لم تفارق عقله:

'النار؟

لكن

هذا

مستحيل

.

النار

ليست من

قوة

الجواهر،

إنها

وراثية

من

عائلة

الدم

فقط

.

وشعره

ليس

أحمر

!'

في غمرة الفوضى، وبينما الحراس في حيرةٍ من أمرهم، استغل أشير وإيروها الفرصة.

“هيا، أسرعوا!” صرخت إيروها وهي تسحب مجموعة من الأطفال بعيدًا عن خط النار.

الحراس، الذين حاولوا إعادة تنظيم صفوفهم، وجدوا أنفسهم وجهًا لوجه مع كاييل ، الذي وقف أمامهم، ذراعيه تمتدان ببطء، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه.

“أوي أوي…” قال بصوت منخفض، عينيه تضيقان ببطء.

“أين ذهبت ثقتكم؟”

-

الطريق الجبلي…

كانت القوات الملكية تتحرك ببطء، الدروع المعدنية تصدر أصواتًا رتيبة مع كل خطوة. امتدت أعين الجنود نحو الأفق، لكن ما لم يتوقعوه… شجرة ضخمة تعترض طريقهم فجأة، ساقطة بعرض الطريق.

توقف قائد الكتيبة في المقدمة، صوته الجهوري دوى بين الصفوف:

“أزيحوا هذه الشجرة عن الطريق!”

بدأ الجنود بالتحرك، محاولين إزاحة الجذع الضخم، لكن قبل أن يلمسوا الشجرة…

“كركركررش!”

تدحرجت صخور ضخمة من أعلى الجرف، هوت كالسيل على رؤوسهم.

“احذروا!” صرخ أحد الجنود، متراجعًا للخلف بسرعة.

عندما رفعوا رؤوسهم نحو الجرف، رأوا ظلًا يقف بثبات على قمة صخرية.

كان واقفًا هناك، بوجهه المقنع و ملابسه الفضية الغامقة ويداه في جيبيه، ينظر إليهم بلا اهتمام… إنه فورتاليز.

“ذلك الوغد!” صرخ أحد الجنود، وسحب سلاحه مباشرة.

“اقضوا عليه الآن!”

“دف - دف - دف - دف!”

أطلق الجنود أسلحتهم، طلقات نارية وانفجارات طاقة توجهت نحوه.

لكنه تحرك بخفة، قافزًا من صخرة إلى أخرى، ثم تسلق الأشجار القريبة وكأنه جزء منها.

بخطوة واحدة…

"وووووفشششش"

فعل قوته الخماسية، وامتد حقل مغناطيسي مشع حوله، ليبدأ بجذب الأسلحة مباشرة من أيدي الجنود، فيرتفع صدى ارتطام المعادن ببعضها.

لكن… وسط الصراع والفوضى، تقدم رجل من بين صفوف القوات.

كان يسير بثقة تامة، خطواته لا تتأثر بالمشهد المحيط. رغم تحذيرات الجنود من حوله، لم يبدُ عليه أي توتر.

“ابتعد، أيها القائد! إنه خطر!”

“خطر؟”

ابتسم الرجل ببرود، رافعًا عصاه السوداء، التي بدت كأنها مدمجة بطاقة غريبة، تنبض بخفة تحت ضوء الشمس.

في لحظة…

“بوووم!”

انطلقت موجة من الطاقة الهائلة من طرف عصاه، دافعة الهواء للأمام بقوة، لتدمر الصخور المتساقطة بالكامل، وتحطم جذع الشجرة في لحظة.

التعريف الرسمي:

• الاسم: ميركل

• اللقب: قائد العصا

• المكانة: قائد ملكي

• العمر: 35 عامًا

• المستوى: معين

وقف على حافة الطريق، بملابس ملكية ذات الالوان الاصفر و الاسود، وعباءته الملكية السوداء ترفرف مع الرياح.

عصاه بدت كامتدادٍ له… ليست مجرد سلاح، بل انعكاس لقوته.

من الأعلى، نظر فورتاليز إليه بحذر.

'هذا

الرجل..

.

'

رغم ثقته المعتادة، إلا أن إحساسًا بالخطر بدأ يتسلل إليه.

“يا لها من قوة… هذا خطير للغاية.” تمتم بينما قبض على أحد خناجره استعدادًا لما هو قادم.

-

شعر كاييل بطاقة غريبة تتصاعد من مكانٍ بعيد. لم تكن طاقة عادية، بل كانت هالة ميركل .. تذكر كلمات أوريل عند قدومه:

[لقد

قال

فورتاليز

إن

التعزيزات

قادمة

.

]

نظر إلى الأفق حيث تتقدم القوات الملكية ببطء. التفت نحو أوريل، الذي كان لا يزال يواجه باغوير، وقال بنبرة جادة:

“أوريل، هل يمكنك استخدام نارك لإيقاف ذلك القائد؟ سأذهب لدعم فورتاليز.”

أومأ بصمت، دون أن تظهر على وجهه أي علامة ارتباك.

اندفع بسرعة، تاركًا خلفه توهج اللهب الذي أطلقه أوريل ليبتلع طريق المعركة أمامه.

كان باغوير يواجه أوريل وجهًا لوجه. لكن… عينيه لم تخفيا خوفًا غريزيًا.

رغم أنه حاول أن يقنع نفسه بأن أوريل ليس خصمًا يستحق الخشية، إلا أن النار التي استخدمها قلبت كل موازين المنطق.

'عائلة

الدم؟

مستحيل

لا

يمكن

أن

يكون

من

بينهم

.

'

عائلة الدم… واحدة من الأسر الثلاث الأسطورية التي تتحكم بعناصر لا يمكن لأحد امتلاكها إلا بدمائهم. النار، الجليد، والضوء. كانت هذه الأسر رمزًا للهيمنة المطلقة على القوى، ولا يمكن أن يولد أحد بهذه القدرات إن لم يكن واحدًا منهم.

لكن أوريل؟ بشعره الأسود؟ وجوده وحده كان كافيًا ليزعزع كل ما هو مألوف.

'ولكن السبب الحقيقي لخوفي…هو ذلك الشخص الذي قابلته قبل عدة سنوات'

حين تذكرت ذلك الشخص، عاد الخوف ليجتاحني كما لو كنت أمامه مجددًا.

[إياك وأن أرى وجهك مجددًا.]

تلك الكلمات، بنبرتها الباردة كحد السيف، لا تزال تدوي في أعماقي. لم يكن مجرد صوت؛ كان تهديدًا متجسدًا، تحذيرًا يحمل معه وعدًا بالعذاب.

أتذكره بوضوح: شعره القرمزي الطويل، كأنه انعكاس لنيران ملتهبة لا تنطفئ، ونظرته… تلك النظرة القاتلة التي لا ترى فيها سوى الموت. كانت تخترق قلبي كسهام مسمومة، تزرع داخلي شعورًا بالعجز المطلق.

الهالة التي أحاطت به… يا لها من هالة. قرمزية كدماء حمراء داكنة، لكنها ليست فقط لونًا، بل قوة محسوسة، كرياح عاصفة تضرب جسدي، تسلبني أنفاسي، وتتركني في حالة من الرعب المطلق.

مجرد تذكره يكفي لجعل بدني كله يقشعر، وكأنني عدت إلى تلك اللحظة، أمامه، مرة أخرى.

لكن وسط الذكريات…

“وووش!”

اجتاحت نيران أوريل المكان، تلتف كعاصفة، تلتهم كل شيء يقف في طريقها.

“آه!” صرخ الحراس وهم يتراجعون بعيدًا عن اللهب.

لكن باغوير، الذي سقط في غياهب أفكاره، وجد نفسه محاصرًا وسط النيران.

حاول أن يرى من خلال ألسنة اللهب، لكنه بالكاد تمكن من رؤية خيال أوريل وهو يقترب ببطء.

وفجأة… خرجت قبضة قوية من وسط النيران، لتسدد لكمة مباشرة إلى وجهه.

“دووم!”

سقط أرضًا، يلهث بينما دوت الصدمة في رأسه.

رفع رأسه ببطء… ليجد أمامه أوريل، عينيه باردة كأنها لا ترى في خصمه سوى عقبة يجب إزالتها.

“أنت…؟” تمتم باغوير، محاولًا استيعاب الأمر.

“هل يعقل أنك… وحش الغابة؟”

أومأ برأسه بصمت.

لكن بدل أن يصاب بالذعر، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.

“لا أعلم كيف تمكنت من استخدام النار…” قال باحتقار، وهو ينهض ببطء.

“لكن لا يمكن أبدًا أن يكون حثالة مثلك ابنًا لعائلة الدم.”

رغم كلماته، لم تختف رعشة صغيرة في صوته.

رفع يده، وبدأت هالة مظلمة تتشكل حوله، امتدت كالأفعى في ساحة المعركة، تغطي الأرضية تحت قدميه.

“نهايتك ستكون الآن.”

-

الطريق الجبلي…

كانت الشمس تنحدر ببطء، ملقيةً بظلال طويلة فوق الصخور والأشجار المتناثرة. كان الجنود الملكيون يتقدمون بحذر، لكن وسطهم، وقف ميركل بثقة، قابضًا بيده على رقبة فورتاليز ، رافعًا إياه كما لو كان مجرد دمية معلقة بخيط.

“أيها الصعلوك الحشرة… كيف تجرؤ على الوقوف في طريقنا؟”

كانت عيناه تضيقان بازدراء، بينما تتابعت كلماته بثقل يخترق الهواء:

“بل بالأحرى… كيف تجرؤ على أن تكون ثوريًا ضدنا؟”

ضغط على رقبته قليلًا، مما جعل الأخير يلهث، لكن نظراته ظلت ثابتة، حتى وهو يتألم.

“خادمًا مثلك، من سلالة خادمة وضيعة، يجرؤ على الثورة ضد الإمبراطورية العظمى ستارفيل؟”

أخذ لحظة لتفحص وجهه، كأنه يستمتع برؤية الألم في عينيه.

ثم، بلا أي اكتراث، أدار رأسه نحو جنوده وأمرهم ببرود:

“واصلوا التقدم. اتجهوا إلى المنجم… أريد كل شيء تحت سيطرتنا.”

“حاضر!”

بدأ الجنود في التحرك، خطاهم السريعة تملأ الطريق الحجري… لكن فجأة…

“ززززففففف!”

اجتاحت طاقة مهيبة الساحة، موجة غير مرئية تلامس الأرض وتجمد كل شيء في مكانه.

الجنود توقفوا.

لم يعد أحد قادرًا على الحراك، وكأن قوة غامضة قد شلت أجسادهم.

وببطء، ظهرت هيئة رجل تخرج من بين الظلال.

كان يسير بثقة، كأنما المشهد بأكمله تحت سيطرته.

عندما ظهر تمامًا في النور، رفع إصبعه مباشرة نحو ميركل:

“أنت التالي.”

رفع ميركل راسه ببطء نحو الاعلى، عينيه تضيقان، اختلطت الدهشة بالغضب في ملامحه، بينما كان يحدق في القادم الذي لم يتوقعه.

“من تظن نفسك؟”

لكن كاييل لم يظهر أي تردد.

قفز للاسفل على جذع شجرة، عيناه تشعان بطاقة تهز النفوس.

“وأيضًا…” قال بصوت هادئ، لكنه كان كافيًا لإحداث قشعريرة في الأجواء.

“أترك فورتاليز حالًا.”

نهاية الفصل

2026/01/11 · 14 مشاهدة · 1544 كلمة
نادي الروايات - 2026