وقف باغوير مبتسمًا، يرفع يده كمن يوقع حكمًا لا رجعة فيه.
“هذا هو عقابك النهائي.”
لكن أوريل لم يظهر أي اهتمام.
أغمض عينيه، وغاص في عالم آخر.
لم يكن يهرب من القتال، بل كان يغوص في أعماق نفسه، في نيران لم تخمد أبدًا.
حول جسده، بدأت عاصفة من اللهب تتشكل، نيران تتراقص كأنها كائنات جائعة، تنبع من غضب دفين عاش في داخله طويلًا.
“وووش!”
اندفع باغوير كالنمر، يحيط قبضته بهالة قاتلة من الطاقة المدمرة.
لكنه اصطدم بجدار ناري فجأة.
“بووم!”
اهتز المكان تحت وقع الاصطدام، لكن الحاجز لم يُكسر.
وقف أوريل في وسط العاصفة، عينيه مغلقتان، كأنه لم يشعر بأي شيء.
باغوير لم يتراجع.
ظهر خلف أوريل هلالٌ قاتل من طاقة مظلمة، يقترب بصمت.
شعر بالحركة في اللحظة الأخيرة، واستدار بسرعة، لكن…
“دووووم!”
ضربة باغوير أصابت جسده مباشرة، قاذفةً إياه على الأرض بقوة.
شعر بألم حاد في صدره وهو يسقط، لكن عينيه بقيتا ثابتتين على خصمه.
اقترب باغوير، ينظر إليه بازدراء:
“ألم أقل لك أنك مجرد حثالة؟”
رفع يده، والطاقة تتجمع في كفه، مستعدًا لتوجيه الضربة الأخيرة.
“وصدقني، محال أن تكون من عائلة الدم.”
لكن قبل أن تلامس قبضته جسد أوريل…
“فششششش!”
انطلق شعاع ناري فجأة من عينيه، مصوبًا مباشرة نحو عين باغوير.
“آآآه!”
صرخ متراجعًا وهو يهوي على ركبتيه، محاولًا إطفاء النار بيديه.
لكن الألم كان لا يُطاق، والنيران رفضت أن تخمد بسهولة.
“هل تستطيع رؤيتي الآن؟”
كان صوت أوريل باردًا، كأنه يأتي من قلب النيران نفسها. نهض ببطء، والنيران تحيط به، تزداد توهجًا كلما تحرك.
عينيه… كانتا خاليتين من الحياة.
“اتعلم… ليس لدي ما أخسره. لا يهمني إن نجحت المهمة أو لا. لا يهمني إذا مت هنا أو عدت. لكن قبل أن أموت…”
توقف للحظة، ثم نظر إلى باغوير الذي كان لا يزال يئن ألمًا:
“أريد أن أسألك سؤالًا.”
رفع باغوير رأسه بصعوبة، غير قادر على الرد.
أضاف أوريل، وصوته بدأ يتحول لنبرة أكثر حدة:
“هل كنت حارسًا في سجن الرعب؟ أو في ذلك المكان… مقر المجرمين؟”
ارتجف جسده للحظة. لم يجب، لكنه لم يستطع إخفاء التوتر في عينيه المحترقة.
“هؤلاء الأطفال الذين رأيتهم هنا… هل هم من هناك؟”
كلماته تخرج كأنها لهب يمزق الهواء.
لم يرد، لكنه أشاح بنظره بعيدًا، عاجزًا عن مواجهة الحقيقة.
أوريل أغمض عينيه للحظة، واستعاد مشهدًا غامضًا من ذاكرته.
سلاسل. صراخ. ظلام دامس.
ذلك السجن… تلك القسوة...
فتح عينيه مجددًا، يملؤهما وهج النيران.
“عندما كنت هناك… كنت تائهًا. لم أعرف لماذا كنت موجودًا، أو ماذا فعلت لأستحق ذلك. لم أفكر في الانتقام… كنت فقط أريد الخلاص.”
سقطت كلماته على الأرض كأنها صخور ثقيلة، لكنه تابع، وصوته ارتجف قليلًا:
“لكن بعد كل هذا الخلاص، تذكرت. تذكرت ما لم أرد أن أتذكره… والآن،”
“لن أسامحك.”
فجأة، اشتعلت نيرانه بشكلٍ غير مسبوق.
“وووووش!”
اجتاحت عاصفة نارية جسد باغوير بالكامل، التفَّت حوله كأفاعٍ من اللهب، لا تترك فرصة للهروب.
صرخ عاليًا، لكن صوت صرخته تلاشى وسط لهبٍ لم يرحمه. في لحظات، لم يبقَ منه سوى جسد متفحم، ملقى بلا حياة.
وقف أوريل بلا تعبير، يراقب الحطام الذي خلفه.
لم يكن هناك انتصار في عينيه.
فقط… صمت.
-
تحت ظلال الجبل الكئيب، حيث اختفت الشمس خلف الصخور الهائلة، وقف كاييل مواجهًا ميركل، والغضب يتوهج في عينيه كجمر يهدد بالانفجار.
ابتسم ميركل ابتسامة باردة، مشيحًا بنظره نحوه كما لو كان لا يستحق حتى انتباهه.
“هل قلت أن أتركه؟” قال بسخرية، وعيناه تضيقان بخبث. “ عليك أن تترجاني أولًا."
"فبوووووفففف"
اهتزت الأرض تحت قدمي كاييل، والهواء أصبح ثقيلًا،
لم يقل شيئًا، لكن قبضتيه اشتدتا، وعيناه لم تفارقا ميركل للحظة.
قذف ميركل فورتاليز بقوة نحو الصخور الحادة، لكن قبل أن يصطدم جسده بالأرض، امتدت طاقة زرقاء كذراع غير مرئية وأوقفته في الهواء.
بلطف، أنزل فورتاليز ببطء، ووضعه على صخرة مسطحة.
نظر إليه للحظة، ثم رفع رأسه نحو ميركل مجددًا.
“ستدفع ثمن هذا.”
التقى الاثنان عند منتصف الساحة، انفجار الطاقة بينهما أطلق موجات ارتدادية مزقت الأرض من حولهما.
“دووووم!”
مد ميركل يديه، وظهرت حوله دوائر طاقة بنفسجية مشتعلة كالشمس، تحوم في الهواء بسرعة.
“بوم - بوم - بوم!”
بدأت الدوائر تنفجر واحدة تلو الأخرى، كل انفجار يترك شقوقًا واسعة في الأرض.
كاييل كان يقفز بين الانفجارات، يراقب بحذر، لكن إحدى الدوائر ظهرت تحت قدميه مباشرة.
“بوووم!”
اندفع جسده نحو الصخور، لكنه استعاد توازنه بسرعة وهبط على الأرض برشاقة.
“لا يمكنك الهرب مني أبدًا.” قال ميركل، وهو يمد يده لصنع دائرة جديدة.
لكن كاييل لم ينتظر الرد، بضغطة من يده.
" ززززززت - زززززت"
أنشأ دائرة خاصة به، لكنها لم تنفجر.
بدلاً من ذلك، كوّنت شرارات طاقة زرقاء تحت ميركل.
"بوم-بوم"
انفجرت بقوة وأسقطته على ركبتيه، تقدم كاييل، وعيناه تشتعلان بشراسة:
“ومن قال إنني سأهرب؟ الأوغاد مثلك… يُدهسون حتى النهاية.”
ضحك ميركل بجنون، وكأن الكلمات كانت مجرد وقود لغضبه.
“حاول ذلك… إن استطعت!”
وقف ببطء، وميض الخطر يضيّق عينيه. كان رجلًا من سلالة النبلاء، لذا لم تكن الكلمات مجرد إهانة… بل طعنة في كبريائه.
رفع يده، وبدأت شفرات طاقة بيضاوية تتشكل، تتحرك كالأفاعي في الهواء، وتحيط كاييل من كل اتجاه.
“شيييييكككك!”
انطلقت الشفرات بسرعة، إحدى الشفرات خدشت كتف كاييل، تاركة خلفها جرحًا عميقًا.
لكنه لم يظهر أي علامة ألم.
مد يده، وأطلق شفرات طاقة مشابهة، اصطدمت بشفرات ميركل في الهواء.
“شششششاككك!!”
كانت الشرارات الناتجة عن التصادم تضيء المكان كالألعاب النارية.
في لحظة خاطفة، استطاع كاييل أن يوجه شفرته لتدور حول ميركل.
"شيييييك"
مخترقةً خاصرته.
تراجع ميركل للخلف، لكنه رفع رأسه بابتسامة مشوهة، وعروق الغضب تتوهج على جبينه.
"حثالة، مثلك يجرؤ على جرحي؟ انا من اختارني الإمبراطور شخصيا لاكون احد القادة الملكيين؟"
لم يتقبل مثل هذه الاهانة، رسم في الهواء شكل قلب متوهج وأطلقه.
اخترق القلب دفاعات كاييل، ولم يكن هجومًا جسديًا فقط! بل كان يتسلل داخليًا، إلى مشاعره.
توقف عن الهجوم, وبدأ يلهث، كأنما حوصر بذكريات مؤلمة. رأى نفسه فتى يقف أمام مزرعة محترقة, جثث متناثرة حوله، ورائحة الحرق تخنق أنفاسه.
ابتسم ميركل ابتسامة ساخرة، وضحكاته المستفزة تتردد كطعنة باردة في آذانه.
"يالها من ذكريات مثيرة، اهذا انت؟ هل هذا ماضيك؟"
رفع يديه عاليا و ضحك، صوته يملأ المكان.
"لقد فهمت، اذن مكانتك الحقيقية تحت الرماد."
"حيث في عالمٍ لا قيمة فيه للضعفاء، ولا وزن للتافهين، ولا أثر للفقراء، إياك أن تغتر بنفسك أيها المزارع. فإثارة الفوضى لا تجعلك ثوريًا… بل مجرد حشرة تُحدث ضجيجًا قبل أن تُسحق."
لكن كاييل، رغم الألم النفسي, أطلق صرخة هادئة.
"التطفل على ذكريات الاخرين، هي جريمة لا تغتفر."
"شششششاككك!!"
ارتفعت يده في الهواء، وانطلقت منها شفرات طاقة حادة اخترقت الفراغ كالبرق، لتغرس في ذراع ميركل اليمنى.
الدم تناثر في الهواء كشرارات جمر، ارتجف ميركل للحظة، عينيه تضطرمان بالغضب.
بيدٍ يسرى متصلبة، استدعى طاقته الخماسية المغناطيسية.
“وووووفشششش…”
تشكلت حول جسده حقول طاقة دائرية متداخلة، التفت كدوامة معدنية صاخبة، ثم أطلقت اندفاعات مغناطيسية هائلة نحو كاييل. الصخور المحيطة تمزقت إلى غبار، والهواء نفسه اهتز بعنف بينما ارتد كاييل للخلف.
لكنه لم يعرف الاستسلام. ابتسامة متعبة تلطخت بالدم على وجهه وهو يرسم بكلتا يديه شكلاً هلاليًا متوهجًا، كقوس قمر مشتعل.
“شششششش…”
انطلقت الموجات المقوسة، تخترق الحقول المغناطيسية بسهولة مذهلة، تحطم الدروع الخماسية واحدًا تلو الآخر، وكأنها ورق هش أمام طوفان.
قفز ميركل بخفة وسط الركام، يتفادى الانفجار، ثم رفع عينيه المرهقتين وعليها ظلال السخرية والاحتقار، وكأن كبرياءه لا يقبل الانكسار رغم الدماء التي لطخته. في تلك اللحظة، أدرك كلاهما أن المعركة بلغت ذروتها.
رفع الاثنان أيديهما، ورسم كل منهما معينًا ضخمًا من الطاقة ، تعاظم حجمه حتى بدا كنجمة مضطربة على وشك الانفجار.
“ززززززفففف…”
“ززززززفففف…”
التفت الحقول حول جسديهما كأفاعٍ مشتعلة، تحاول أن تحطم الروح قبل الجسد.
كاييل، وجهه يقطر دمًا وإصرارًا، صرخ بصوت عال:
"لن أسمح بوجود طاغية حقير مثلك أبدًا!"
ميركل، محاصرًا بكبريائه الأسود، رد بصوت بارد يقطر احتقارًا:
"الفقراء لا يملكون الحق في النجاة… أنتم مجرد أدوات للإمبراطورية."
التقت القوتان في تصادم مروّع.
“دففففففففف!”
انفجار هائل محا الجبل من الوجود. الصخور تطايرت كأمطار قاتلة، والسماء امتلأت بغبارٍ أسود وألسنة نار. وسط العاصفة، اندفع كاييل بكل ما تبقى فيه من قوة، قفز عبر الدمار واحتضن جسد فورتاليز المنهك، قبل أن يبتلعهم الانهيار.
هبط على الأرض بعيدًا، يتنفس بصعوبة، بينما نظر للخلف نحو الجبل المنهار. هناك، وسط الحمم المتناثرة، كان صراخ ميركل يتلاشى في أعماق الأنقاض، يختلط بالغضب واليأس.
كاييل بصوت متقطع، وهو يشد فورتاليز بين ذراعيه:
"هذا… ما يستحقه أمثالك من الطغاة."
ترددت أصداء كلماته في الفراغ، بينما الغبار الكثيف يغطي السماء.
مصير ميركل بقي مجهولًا، مطمورًا تحت أنقاض الجبل، فيما نجح كاييل أخيرًا في إنقاذ فورتاليز والنجاة من كابوس تلك اللحظة.
——
و بعيداً عن الجبل المنهار… كانت فرقة الإنقاذ التي أنقذت الأطفال تنتظر عودة الثلاثي بفارغ الصبر، قلوبهم مملوءة بالقلق والرجاء. تحركت الأنظار باستمرار نحو الأفق، حيث كانت المخاوف تتزايد.
أيروها، وهي تنظر بتوتر نحو الجبل، تساءلت في نفسها:
'لقد
.
سومي، التي كانت تحتضن أخاها المصاب، ابتسمت بلطف، محاولة تهدئة الأجواء.
“سيعودون
.
.
.
ولكن حين وصل أحد الأطفال، كان القلق واضحًا في عينيه.
“هل
أيروها، بابتسامة حانية، وضعت يدها على رأسه وطمأنته:
“بالتأكيد
.
ابتسم الطفل، ثم أضاف:
“وأيضًا،
.
دموعه تساقطت، دموع الفرح بعد سنوات من المعاناة. أخيرًا، أتى الأمل الذي أنقذهم وأخرجهم من جحيم المعاناة. كان ذلك أقل ما يمكنه قوله.
أومأت بابتسامة هادئة:
“لا
.
لكن الصرخة المفاجئة لـ أشير قطعت اللحظة الهادئة.
“تحطم
!
كانت الصدمة مثل صاعقة ضربت الجميع، والقلق تزايد بسرعة.
أيروها، التي شعرت بالخوف يملأ قلبها، تذكرت أسوأ الاحتمالات في لحظة واحدة.
“ماذا؟
!
رغم أن كاييل، بقوته وقدراته، كان من المستحيل أن يهزم، إلا أن قلبها لم يستطع دفع الفكرة القاتمة عن أوريل و فورتاليز بعيدًا.
'لا،
…
تذكرت ابتسامة أوريل البسيطة، التي لمحتها.
'أوريل!!!'
[هذه البداية…لن أسمح لك أبدًا بالتفكير في الموت. سأجعلك ترغب في الحياة، سأمنحك هدفًا… مهما حدث.]
على الرغم من أنها عاشت معه فقط لأربعة أسابيع، فقد كانت أسابيع كافية لتربطها به، لتراهن عليه، لتأمل في أن يرى الحياة الجميلة ويعيشها. لم ترد أبدًا أن يرحل بملامح اليأس، و مشاعر سلبية. كان أملًا لم يتحقق بعد.
فجأة،
“لقد
!
انتبهت سريعًا، وهي تتنفس الصعداء. شعرت براحة شديدة، ثم اكتشفت أن دموعها كانت قد تساقطت دون أن تشعر.
أشار الفتى الصغير إلى مكان بعيد:
“سيده،
!
هناك، في الأفق… ظهرت ثلاثة ظلال ، كان كاييل يحمل فورتاليز على ظهره.
وبجانبه كان أوريل يسير بصمت، خطواته ثقيلة.
ضحكات الفرح ملأت المكان، لكن إيروها كانت تحدق في أوريل، الذي لم يكن يبتسم.
كانت عيناه فارغتين كالعادة، لم تعرف ماذا تفعل في تلك اللحظة. كان قلبها يختلط بين الفرح والقلق.
كاييل، الذي وقف بفخر وسط الجمع، رفع صوته قائلاً بابتسامة واسعة:
“هل
م
.
.
لحظة تلك الابتسامة، كانت أيروها تراقب أوريل ، وفجأة لاحظت دموعها. فتسارعت نبضات قلبها، وأدركت أن أوريل كان يتجه نحوها.
أخذ بضع خطوات للأمام، ثم توقف أمامها مباشرة. لم يقل شيئًا. لكن، دون أن تنطق بكلمة… رفع يده، ومسح دمعة سقطت من عينيها ، أيروها كانت في حالة صدمة، لم تتوقع ذلك الفعل المفاجئ منه، الذي كان دائمًا غامضًا وصامتًا.
ابتسم أوريل ابتسامة خفيفة، تكاد لا تلاحظ، ثم سبق الجميع في العودة.
أما أيروها ، فكان وجهها قد احمرّ خجلاً من تلك اللفتة.
أشير ، وهو يراقبها، صاح:
“هيا،
على هذه الحال!
لم تفهم أيروها تمامًا سبب تصرفه.
اكمل الجميع سيرهم، وبعد أن عاد الجميع إلى القاعدة، كانت المهمة قد أنجزت. المهمة الصعبة، انتهت بنجاح، ومعها عادت أيروها إلى الشعور بالأمل، رغم كل ما مروا به.
نهاية الفصل