“ماذا؟! استخدم النار؟”
جلست إيمي خلف مكتب خشبي . وهي تسأل باندهاش، أمامها جلس كاييل ، متكئًا على كرسي قديم.
“نعم، رأيته بنفسي…” أجاب، صوته هادئ كعادته، لكنه كان يعلم أن هذا الخبر ليس شيئًا يُمرر بسهولة، ورغم الدهشة، لم تُظهر إيمي سوى جزء صغير من انفعالها.
'إذن، استخدامه للنار حقيقي كما يشاع!'
ولكن سرعان ما تحولت نظراتها من الفضول إلى التركيز.
“هذا
…
.
-
بعد ساعة، في غرفة أوريل…
كان يجلس بتكاسل على كرسي، مستندًا إلى الطاولة بيده، بينما إيروها تحمل كتابًا بيدها، تعطيه درسًا كما اعتادت.
“أوي، هل تسمعني؟” قالت بصوت غاضب بعد أن لاحظت نظراته الشاردة، رفع رأسه قليلًا وأومأ بلا اكتراث.
لكن هذا لم يُرضِ إيروها. أغلقت الكتاب وضربته بخفة على رأسه مما جعله ينظر إليها.
“عليك أن تركز، أوريل!” صاحت بنبرة صارمة.
“ألا تتعبين من هذا؟” تأوه ورفع يده ليُبعد الكتاب عن رأسه.
“بالطبع لا!” أجابت بحزم، وأضافت:
“الإصرار طريق الناجحين، وأنت تحتاج إلى السير عليه مهما كان.”
قبل أن يتمكن من التهرب من الدرس، انفتح الباب ودخلت إيمي بخطوات هادئة. ألقت التحية بابتسامة هادئة وهي تقترب.
رفع أوريل عينيه للحظة وحدق فيها.
'هذه
…
.
.
“كيف يسير التعليم؟” سألت وهي تسير نحوه، ويديها خلف ظهرها، بينما ابتسامة رقيقة تعلو شفتيها.
'فضولي كان أقوى من رغبتي في انجاز مهامي.'
ابتسمت إيروها بخفة:
“إنه يسير جيدا، لكنه يتكاسل الآن.”
تقدمت ببطء نحوه، حدقت في وجهه مليًا، كأنها تحاول تحليل كل جزء من ملامحه… وعيناه النارية الخافتة تتوهج كأنها تنبض بالخطر.
'عيناه
…
.
.
فكرت وهي تقترب أكثر. شعر أوريل بالانزعاج تحت نظراتها المتفحصة، وضاقت عيناه بحذر.
“ماذا تريدين؟”
اقتربت أكثر حتى كادت تلامس أنفها بأنفه.
“أوه… ألا تتأثر بالنساء فائقات الجمال، أيها البارد؟”
صمت، لكن ملامحه كشفت عن انزعاج متزايد. حاولت إيمي رفع يدها لتلمس رأسه، لكنه أمسك بمعصمها بقوة قبل أن تصل.
“ماذا تظنين نفسك فاعلة؟” قالها بنبرة تحذير واضحة، بينما توهجت عيناه بغضب.
ضحكت إيمي بخفة ورفعت يدها الأخرى:
“يا لهذا التهديد و العدوانية… أليس تصرفًا مبالغًا فيه؟”
نهض غاضبًا، لكنها لم تتراجع. ظلت تقف بثبات، وعينيها تلمعان كأنها تستمتع باللعبة، بينما بدأت هالة نارية خفيفة تتسلل حول جسده.
تدخلت إيروها سريعًا، محاولة تهدئة الموقف:
“أوي، أوريل! لا تفعل…:"
لكن قبل أن يكمل حركته، وجد نفسه فجأة يشاهد السقف ساقطًا… رأسه في حضن إيمي!
جلست على الأرض، تضع رأسه على ساقيها بلطف، بينما تبتسم بهدوء وتربت على شعره بخفة.
“لا تتحرك… فقط ارتح.”
همست بصوت ناعم، بينما بدأت تلامس شعره برفق. شعر بأن شيئًا غريبًا بدأ يملأ قلبه… دفء وراحة، شعور لم يعتد عليه.
‘ما هذا؟ ارتياح؟ أمان؟ لا أفهم…’ تساءل وهو يحاول كبت دموع كادت أن تسقط.
تذكر كلمات إيروها عن “الأم”.
[الأم رمز العطاء، الحنان، والقلب الرحيم. هي التي تحبك كما أنت، حبها لا يحتاج إلى مبرر، وهو دائمًا حاضر وتدعو لك بالسعادة.]
حينها، أدرك أن ما شعر به كان شبيهًا بهذا الحب غير المشروط.
نهض فجأة، متمالكًا نفسه، وتوجه إلى باب الغرفة، غادر بصمت، لم يعلق بكلمة واحدة، بينما بقيت إيمي تراقبه بابتسامة لطيفه على وجهها.
-
منذ ذلك اليوم، لم تعد حياة أوريل كما كانت. في كل زاوية وكل ممر، كانت إيمي تظهر فجأة، بابتسامتها المشرقة وكأنها لا تعرف معنى التخلي، وكأنها تؤكد لكل جزء من عالمه أن الهروب مستحيل. أسئلتها المعتادة تلاحقه كظل لا يفارقه:
"هل
في البداية، كان يرد بحدة، بانزعاج واضح، محاولة دفعها بعيدًا، لكنه سرعان ما أدرك أنها ليست من النوع الذي يستسلم بسهولة. في الدروس، كانت تجلس بجانبه رغم وجود أماكن شاغرة كثيرة، تلمس فضوله وعقله بطرق لم يعرفها من قبل، تجعله يتأرجح بين الانزعاج والتركيز. عند الغداء، حاول الابتعاد والاختباء في زاوية بعيدة، لكن ظلها كان يغطي طاولته دومًا، وابتسامتها المعتادة كانت تتسلل إليه بلا استئذان.
مع مرور الأيام، بدأت هذه المطاردات اليومية تفعل ما لم يتوقعه. أوريل، الذي كان دائمًا محاطًا بجدار من البرود، بدأ يشعر بشيء يتغير داخله. وجهه لم يعد جامدًا كما اعتاد؛ ملامحه بدأت تعكس غضبًا وانزعاجًا، أحيانًا ابتسامة طفيفة تظهر فجأة وتختفي قبل أن يلتقطها أحد.
في إحدى المرات، بينما كان يحاول الاختباء خلف باب، قالت إيمي مازحة عن فشله في الهروب، فرفع حاجبه بملامح طفولية نادرة، ورد عليها ببرود طفولي:
"وأنتِ
.
لحظة بسيطة، لكنها لم تمر مرور الكرام، إذ تركت أثرها في قلبه، أثر خفي لكنه حقيقي.
التغيير كان بسيطًا، لكنه كان البداية. ذوبان الجليد الذي أحاط بقلبه بدأ ببطء، خطوة بخطوة، بلا وعي كامل منه. وجود إيمي، رغم إزعاجها المستمر، أصبح شعلة صغيرة تنير شيئًا ما داخله، نورًا خافتًا في الظلام الطويل الذي كان يحمله داخليًا منذ زمن بعيد.
-
في البحار…
في مكان بعيد، قرب سواحل إمبراطورية “ ميدوهار ”، حيث الأمواج تعكس شمس المغيب بلون ذهبي، كانت العشرات من السفن البحرية العملاقة التابعة لإمبراطورية ميدوهار تطوّق قاربًا صغيرًا أحمر اللون.
على سطح السفينة الرئيسية، وقف القائد غالوس ، ووجهه يعكس الغضب وعدم التصديق.
'كيف يجرؤ قارب صغير على الوقوف في وجه أسطول بحري كامل!!'
"ما هذا الجنون؟"
تمتم وهو يراقب القارب.
“ماذا تفعل بالقرب من سواحلنا؟”
صرخ بصوت جهوري.
مرت لحظات صمت، ثم التفت أحد الجنود نحوه وقال بتوتر: “سيدي، لا إجابة حتى الآن.”
“وقح! هل يعتقد أننا سننتظر؟”
لكن قبل أن يُكمل، صرخ جندي آخر:
“سيدي، تلقينا إجابة!”
توجهت الأنظار إلى الجندي الذي كان يلتقط الكلمات القادمة من القارب. قال بتردد:
“يطلب منا… الابتعاد عن طريقه.”
لمعت عينا غالوس بالغضب.
“ما هذا الازدراء؟! أيجرؤ هذا الوغد على السخرية منّا؟!”
أمسك بالمكبر من يد الجندي ونظر باتجاه القارب. صاح بصوت يملؤه التحدي: “إجابتنا واضحة! كلا! لن نسمح لك بالدخول إلى إمبراطوريتنا المجيدة!”
في تلك اللحظة، ظهرت السفن العملاقة تُحاصر القارب الصغير تمامًا، وبدأ الجميع على متنها يترقبون ما سيحدث.
على سطح القارب، وقف رجل طويل القامة بثقة، يرتدي ملابس حمراء ومعطف احمر طويل يغطي معظم جسده. كل خطوة يخطوها على سطح قاربه كانت كافية لجعل الجنود يبلعون ريقهم، وأعصابهم بتوتر.
بصوته الهادئ والواثق:
“إن لم تسمحوا لي بالدخول…"
في تلك اللحظة، بدا وكأن البحر نفسه توقف عن الحركة. هدأت الأمواج، ولم يبقَ سوى صوت قطرات الماء المتساقطة من خشب السفن، تبادل الجنود النظرات بقلق.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة وهو يكمل بهدوء:
"فسأدخل بطريقتي، لا يوجد مكان مغلق أمامي.”
ارتفعت حرارة الجو بشكل ملحوظ، وشعر الجنود بالعرق يتصبب من جباههم رغم نسيم البحر البارد.
“هذا اليس هو… هذا محال؟” همس أحد الجنود.
لكن غالوس ، بعصبية بالغة، صرخ:
“هذا تهديد! أطلقوا النار!”
رفع الرجل رأسه ببطء على سطح القارب، لتتوهج عيناه بنارٍ خافتة ، كأنما استيقظ وحشٌ قديم كان نائمًا تحت الماء.
خلع معطفه الطويل ببطء، ليكشف عن جسدٍ رياضي، شعره الأحمر الداكن انسدل على جانبي وجهه،
وقف بجسده منتصبًا، يميل قليلًا إلى الجانب، وكتفه الأيسر مرفوع أثناء سحب المعطف للخلف.
قبض بيده على المعطف بقوة، انحنى رأسه قليلًا للأسفل، وحدقت عيناه من تحت خصلات شعره الطويلة بنظرة هادئة، لكنها قاتلة.
ابتسم بخفة… تلك الابتسامة التي تُبشر بالكارثة:
“هذا ليس تهديدًا… بل تحذير."
لكن غالوس ، ضحك ساخرًا وهو يشير بيده بازدراء:
“كلها واحد أيها الوغد!”
رغم صراخه، كان الجنود خلفه ينظرون بخوف . حتى لو لم يتحدثوا… كانوا يعرفون.
“إنه هو…”
لكن غالوس تجاهل النظرات، وكأن كبرياءه يمنعه من الاعتراف بما يعرفه الجميع.
“سيدي…” همس أحد الجنود المترددين، لكنه تجاهله، عينيه معلقتان على الرجل.
بهدوء، نزل الرجل يده الذي تحمل معطفه قليلاً، ثم استقام في وقفته، وضع يده على حزامه وكأنه يستعد لمواجهة وشيكة.
"إذن؟” تحدث بنبرة هادئة، لكنها حملت ثقلًا لا يمكن تجاهله.
“وما يعنى ذلك؟ المهم هنا سؤال واحد…”
“هل ستسمحون لي بالدخول؟ أم… ادخل بطريقتي؟"
صرخ غالوس بغضب.
“أيها السفن، أطلـ…”
لكن قبل أن يكمل، قاطعه صوت أحد الجنود خلفه:
“سيدي، أمرٌ من الإمبراطور. يطلب منا التريث ومعرفة ما يريده.”
انعقد حاجباه وهو يستدير نحوه بحدة:
“التريث؟ هذا الوغد يقف على أعتاب سواحلنا ويريد دخول إمبراطوريتنا رغمًا عن أنفنا! سأريه معنى الوقا…"
"هل انتهيت؟"
جاء الصوت خلفه كأنه ضرب الأرض بصوت انفجار البركان.
صمت البحر للحظة… توقفت الأمواج، والرياح التي كانت تلاعب الأشرعة خمدت كأنها تخشى الاقتراب.
“آآآه!”
سقط أحد الجنود على الأرض، عينيه مفتوحتان على اتساعهما، ويداه ترتجفان دون توقف.
كانت نظراته معلقة على شيءٍ يقف خلف غالوس مباشرة… شيءٌ لم يكن أحد يجرؤ على مواجهته.
نظر ببطء نحو ملامح الجندي المتجمدة، فقرأ فيها قصة رعبٍ لم تُنطق بها الكلمات.
أدرك حينها أن خلفه يقف شيءٌ ليس بشرًا… بل جبلاً شاهقًا من الرهبة والهيبة، ينضح بحرارةٍ لا تطفئها مياه البحر.
"فووووووووووش"
في لحظات ، اندلعت ألسنة اللهب ، وامتدت كأنها وحوش تلتهم كل ما يحيط بها.
"آآآه!”
ارتفعت صرخات الجنود من السفن المجاورة، لكنهم لم يجرؤوا على الحركة.
كانت السفن التي أحاطت القارب تتحول ببطء إلى هياكل محترقة، والدخان يتصاعد منها.
تحولت مياه البحر إلى جحيم، والسفن العملاقة بدت كأنها عائمة على بحرٍ من النار.
التفت غالوس برأسه ببطء… وهناك… رآه.
وجهًا محفورًا في الأساطير، رعبا تحدث عنه العالم بأسره، بهامته الشاهقة وقف الرجل، التفت بالكامل ليرى الرجل يقف خلفه مباشرة، ثابتًا كجبلٍ شاهق، والهالة الحمراء المحترقة حوله تكاد تلتهم الهواء نفسه.
تراجع بخطوات بطيئة، عينيه متسعتان وهو يراقب الرجل و النيران حوله تلتهم أسطوله قطعةً قطعة.
التعريف الرسمي:
• الاسم: أكاريو - ابن عائلة الدم الاكبر
• اللقب: التنين الدموي
• العمر: 54 عامًا
• المستوى: مثلث
“ألم تقل أنك ستوقفني؟”
حاول غالوس الرد، لكن كلماته علقت في حلقه.
وقف مشلولًا، بينما أكاريو يخطو للأمام، متجاوزًا إياه وكأنه غير موجود.
“سأعتبر أنني لم أرك.”
سار بثقة نحو الساحل، كل خطوة منه كانت تثقل الجو أكثر.
وعندما نزل عن سطح السفينة، لم يتبقَ خلفه سوى حطام محترق… وبحرٌ يشتعل.
وقف الجنود على اليابسه، يراقبونه وهو يتجه نحو إمبراطورية ميدوهار، دون أن ينطقوا بكلمة.
قلوبهم مثقلة بالخوف والرهبة.
لقد كان الجميع يعلم منذ البداية أن هذا الرجل لا يمكن إيقافه… وأن ما ينتظرهم أكثر هو الموت الحتمي.
-
في منطقة الثوار…
حيث غابت الشمس خلف الجبال، وأصبحت الممرات المزدحمة تنبض بالحركة والهمس. أوريل سار بخطوات بطيئة، عيناه ترصدان كل حركة حوله، ليس خوفًا من الأعداء، بل هروبًا يائسًا من مصدر إزعاج دائم: إيمي.
وجودها كان يُثير فيه شعورًا غريبًا، خليطًا من الضيق والارتباك، شيء لا يعرف كيفية التعامل معه، كأنها تحدّت كل الجدران التي بنى حول قلبه.
كل خطوة قريبة كانت تدفعه لتسريع خطاه، وكأن الهروب مسألة حياة أو موت، حتى سمع صوت خلفه.
استدار سريعًا، قلبه يخفق بسرعة، لكنه لم يجد إيمي، بل ليون واقفًا بابتسامته الهادئة المعتادة. يرحب له ولكن أوريل لم يرد، بل نظر نحو أوليسيا التي كانت بجانب ليون، كأنها تقيمه بدقة مثل قطعة سلاح.
التفت ليون نحو أوليسيا:
“أنتِ محقة، إنه بارد فعلًا."
شعر أوريل بانزعاج واضح، لكن كعادته لم يُظهر الكثير.
“ماذا! من انت؟”
لكن قبل أن يرد عليهما…
“وجدتك!”
تصلب في مكانه، صوتٌ مألوف جدًا، ولا يُخطئه أبدًا، استدار ببطء، وهناك كانت… إيمي، تقف خلفه وابتسامة المنتصر تملأ وجهها.
“كنت أبحث عنك في كل مكان.” قالت وهي تقترب منه، تمسك بكتفيه وكأنها تصطاد فريسة.
لكن… عندما لاحظت ليون، تغيّرت نبرتها بسرعة.
“أوه، إذن أنت هنا واخيراً، ليون.”
شعر أن هذه فرصته للهرب، لكنه اكتشف أن قبضتها كانت محكمة.
“دعيني.” قال بملامح متجهمة، لكنها تجاهلت كلماته تمامًا.
“ألم نتفق على أن نتناول الطعام معًا اليوم؟”
رفع حاجبه ببطء:
“أنا؟ لا أذكر أنني قلت شيئًا كهذا.”
“بالطبع قلت.”
أبعد يدها عنه بعصبية:
“أنتِ تتخيلين أشياء لا تحدث.”
ثم استدار، وابتعد بخطوات سريعة، رافضًا الالتفات.
إيمي، التي بقيت في مكانها، تابعت اختفائه بنظرة ساخرة:
“عنيد أكثر مما توقعت.”
ليون، الذي راقب الموقف كاملًا، قال بهدوء:
“لكن أنتِ أعند.”
لوّحت إيمي بيدها بابتسامة هادئة، لكنه لم يُلقِ بالاً، بل استمر في الابتعاد بخطواته الباردة كالعادة.
راقبت أوليسيا ذلك المشهد، ثم التفتت نحو ليون:
“وجهه يبدو مختلفًا قليلًا عمّا رأيته أول مرة.”
أومأ ليون برأسه، مراقبًا ظهر أوريل وهو يختفي بعيدًا.
"لا تزال هناك حواجز واضحة… لكنه بدأ يتغير بالفعل، وإن كان ببطء.” همست إيمي، وكأنها تتحدث لنفسها أكثر مما تخاطبهم.
ترك ليون تعليقه حول أوريل جانبًا، وأعاد تركيزه على ما يهم:
“إذن، لماذا طلبتني؟ كنت مشغولًا للغاية.”
استدارت قائله:
"لنذهب إلى غرفة الاجتماعات اولا"
-
غرفة الاجتماعات…
تحت وهج المصابيح الخافتة، كان الجو مثقلاً بالسكينة الثقيلة التي تشبه ما قبل العاصفة. الجدران الحجرية الصامتة عكست ظلالًا راقصة بفعل الضوء، فيما جلست الكراسي الخشبية الكبيرة على طاولة مستطيلة متصدّعة الأطراف من ثقل الاجتماعات القديمة.
هناك، قرب النافذة الطويلة، وقفت إيمي . جسدها النحيل انعكس على زجاج النافذة الداكن، وعيناها مثبتتان على السماء حيث بدأت النجوم تتلألأ بهدوء، القمر كان يتسلل ببطء إلى الأفق، يطبع ملامحها بشحوبٍ يزيد من غموض ابتسامتها.
خلفها، جلس ليون بكسلٍ متعمد. كان متكئًا على الكرسي، واضعًا إحدى قدميه فوق الطاولة. عيناه الضيقتان تابعتا إيمي بلا انقطاع، وقد اختلط فيهما الملل بفضولٍ لم يستطع إنكاره.
أخيرًا كسر الصمت بصوت متذمر:
"إذن… لماذا!!"
لم تلتفت إيمي على الفور، بل ظلّت تحدّق في القمر، صوتها ناعم كوشوشة باردة:
"هل اكتشفت شيئًا… من محادثة ساعي البريد؟"
ضحك بخفة ساخرة، ثم أجاب ببرود:
"آه… ذلك. وضعت الرسائل في الصندوق، ولم يرَ أصحابها. الأمر لا علاقة له بها."
عادت ملامح الاطمئنان إلى وجهها، همست بصوت كأنما كانت تتوقع جوابه:
"جيّد… متوقع."
استدارت ببطء نحوه. خطواتها كانت محسوبة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، ابتسامة تحمل أكثر مما تكشف، وتخفي وراءها عاصفة كاملة.
"إذن… بخصوص الموضوع الرئيسي… أحتاج أسلحة . الكثير منها."
رفع حاجبه بدهشة طفيفة، وأغمض عينيه للحظة قبل أن يغمغم ببطء:
“فهمت… ولكن لماذا؟ ما الذي تخططين له الآن؟"
ردت بثقة ملحوظة:
“لأجل الخطوة الكبرى القادمة، بالتأكيد.”
ظل ينظر إليها، محاولًا قراءة ما تخفيه تلك النظرة الحادة خلف ابتسامتها الهادئة.
هزّ رأسه بتفهم:
“يمكنني التواصل مع بعض المصادر خارج الإمبراطورية.” قال، وكأنه يعرض حلاً بسيطًا.
“لدينا اتصالات مع تجار أسلحة يمكنهم توفير ما تحتاجين إليه."
لكنها رفعت يدها مقاطعة حديثه، نظراتها أصبحت أكثر جدية:
“لا… لا أريد شيئًا من خارج الإمبراطورية. أريد أسلحة من الداخل."
توقف للحظة، عينيه تضيقان وهو يحاول فهم مقصدها:
“انتظري… من الداخل؟ ما الذي تقصدينه؟"
ابتسمت وهي تتقدم نحوه، تضع يديها على الطاولة وتنظر إليه مباشرة:
“إذا أردت إضعاف عدوك… فعليك تفكيكه من الداخل. الإمبراطورية تعتمد على أسلحتها الثقيلة وقواتها، أليس كذلك؟ ما الذي سيحدث لو فقدت جزءًا كبيرًا من تلك الأسلحة؟"
"ماذا تعنين؟” على الرغم من انه فهم ما تقصد ولكنه لم يرغب بالتصديق، مالت نحوه، وعيونها تلمع كأنها وضعت خطتها بالفعل:
“ ما أعنيه هو الخزنة الرئيسية للأسلحة… سأطلق عليهم عاصفة تسلبهم كل ما فيها. "
تراجع للخلف ببطء، وكأن كلمتها كانت صاعقة:
“إيمي… هذا جنون. نحن نتحدث عن أكثر الأماكن تحصينًا في الإمبراطورية. القوات التي تحرس المخزن ليسوا جنودًا عاديين… نحن نتحدث عن النخبة. "
ابتسمت بثقة أكبر، ولمعت عيناها بعزم لا يتزعزع. تلك النظرة وحدها كانت كافية ليعرف أن لا مجال للتراجع.
‘هذه المرأة…’ فكّر في نفسه، ‘حينما تقرر شيئًا، فإنها تفعله مهما كلّفها الأمر.’
“حسنًا، ساذهب"
أجابت إيمي بابتسامة مماثلة:
“لا حاجة لذلك. ثم إنني لم أطلب قدومك لهذا السبب تحديدًا. هناك أمور أخرى أحتاج منك إنجازها.”
“حسنًا، من سترسلين لهذه المهمة المجنونة؟”
استدارت نحو النافذة مجددًا، ونظرت إلى الأفق البعيد:
“بناءً على الأوضاع الحالية، وفي ظل غياب القادة الاخرين، تمّ اختيار فومهيتو وكاييل للعمل على المهمة."
“فومهيتو؟ وكاييل؟” رفع حاجبه باستغراب.
“حسنًا… يبدو أنكِ لا تفكرين في العودة بدون ضجة كبيرة.”
ابتسمت بخفة:
“الضجة ضرورية أحيانًا. لكن لا تقلق، هذا مجرد جزء من الخطة."
“وما هي خطتك إذن؟”
استدارت ببطء، وقابلته بابتسامة هادئة لكنها حادة كالسيف:
“هذا ليس شأنك الآن، مهمتك في أوريندا هي أولويتك، لقد أعددت خطة محكمة، أما الباقي فاتركه لي."
كانت ابتسامتها كافية لجعله يشعر بثقل المهمة القادمة، توقف للحظة، يراقب تلك النظرة الواثقة، ابتسم أخيرًا، ووقف استعدادًا للمغادرة.
“حسنًا، فهمت.” قال، وهو يرتدي معطفه.
“لكن لا تنسي… أحيانًا العواصف لا تميز بين الأعداء والأصدقاء.”
لوحت بيدها بابتسامة ساخرة:
“لا تقلق… عاصفتي تعرف وجهتها بالضبط.”
وقف عند الباب، وقبل أن يخرج، سمع صوتها يقول:
“العاصفة قادمة يا ستارفيل…"
نهاية الفصل