18 - رئيس المدينة، أول قرار… آخر طاعة

نزل ليون من على السور بخطوات هادئة، وابتسامة لا تفارقه كأن الشمس التي أشرقت على المدينة أشرقت في عينيه أيضًا.

رفع غطاء رأسه، يُخفي ملامحه جزئيًا، وسار نحو قصر رئيس المدينة بخطوات ثابتة، عندما وصل أمام القصر، رفع نظره ببطء نحو العلم الإمبراطوري الضخم الذي يرفرف فوق البوابة.

أمعن النظر فيه للحظات، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة جانبية خفيفة.

'عما قريب… لن يكون هناك.'

لكن تلك اللحظة من السكون لم تدم طويلاً.

“هيه! ماذا تفعل هنا؟”

صرخة جندي واقف عند البوابة قطعت أفكاره، هرع نحوه بسرعة، يضع يده على سيفه وكأن وجود شخص غريب في هذا المكان بمثابة تهديد لا يُغتفر.

التفت ليون ببطء، ووضع يديه أمامه في استسلام مصطنع، وهو يتحدث بنبرة مرتبكة زائفة:

“آه… يا سيدي! أعتذر، لكنني أحتاج إلى لقاء رئيس المدينة… هناك أمرٌ بالغ الأهمية. ”

ضيق الجندي عينيه بازدراء، متفحصًا ليون كما لو كان ينظر إلى متسول جرؤ على الاقتراب أكثر من اللازم.

“وهل لديك موعد؟ أم أنك فقط قررت أن تقتحم القصر؟”

رفع كفيه مجددًا، مصطنعًا الإلحاح:

“سيدي… أرجوك. لا أستطيع الانتظار. ما أحمله قد يغير الكثير… أرجوك، الأمر عاجل.”

رفع الجندي حاجبه بشك، ومد يده نحو الغطاء ليكشف عن ملامحه. لكن…

“ما الذي يحدث هنا؟”

رنّ صوتٌ عميق من خلف الجندي. استدار الجندي على الفور، ليجد رئيس المدينة بنفسه يقف عند عتبة القصر، يرتدي عباءة زرقاء داكنة مرصعة بشعار الإمبراطورية الذهبي.

“سيدي!” قال بانحناءة بسيطة، قبل أن يشير إلى ليون.

“هذا الشخص يدعي أنه يحمل معلومات هامة ويطلب مقابلتك.”

صمت الرئيس للحظات، متمعنًا في ملامحه نصف المخفية.

ثم، وبنبرة فضولية، قال:

“دعه يدخل.”

ارتبك الجندي للحظة، لكنه لم يستطع معارضة الأمر.

“تفضل…” قال بامتعاض، بينما فتح بوابة القصر على مصراعيها.

ابتسم ليون بخفة، و شكره قبل أن يدخل بخطوات هادئة، وفي داخله، كانت ابتسامته تتسع أكثر.

داخل القاعة الفخمة ، جلس ليون بهدوء على أريكة وثيرة، مريحًا جسده وكأنه في منزله. رفع الغطاء عن رأسه ببطء، كاشفًا عن جزء من ملامحه بوضوح تحت ضوء الشمعدانات المتدلية من السقف المزخرف.

في المقابل، جلس رئيس المدينة زينتو على كرسيه المخملي، متفحصًا ليون بترقب وفضول.

“إذن،” بدأ زينتو بنبرة متماسكة تخفي خلفها توترًا خفيفًا، “ما هذه المعلومات التي تدعي أنك تملكها؟”

رفع ليون الغطاء بالكامل، ليكشف عن وجهه بالكامل… جرحٌ على شكل (X) يغطي خده الايسر، وشعرٌ أحمر داكن ينسدل على كتفيه.

حدق فيه بصمت، عينيه تتسعان ببطء.

“هذا… الشكل!"

ارتعشت أنامله للحظة قبل أن يتمتم بذهول:

'هل يُعقل… أنه رئيس التحرير، ليون؟'

قاطع ليون أفكاره، مبتسمًا بثقة:

“هل ندخل في صلب الموضوع الآن؟”

وقف زينتو للحظات، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وجلس مجددًا، عبوسه يزداد عمقًا:

“ما الذي جاء برئيس تحرير ثوري إلى مدينتي؟”

ضحك ليون بسخرية، مسترخيًا على الأريكة:

“ألم تدخلني أنت؟ أم أنك نسيت؟”

صمتٌ قصير خيم على القاعة.

استطرد ليون، ناظرًا إلى السقف بملل مصطنع:

“على أي حال، جئت لأنني سمعت أنك غير راضٍ عن بعض الأحداث الأخيرة… أو أنني مخطئ؟”

تقوس حاجبا زينتو وهو يرد بحذر:

“الأحداث الأخيرة؟ تقصد… حادثة الميتم المحترق؟ أم غابة شيرود التي التهمتها النيران؟”

أمال ليون رأسه قليلاً، نبرته أصبحت أكثر جدية:

“لا… بل أتحدث عن حادثة أطفال المنجم. سمعت أنك قدمت احتجاجًا بشأن ما حدث.”

ظهر الحزن على وجه زينتو، وكأنه استرجع ذكرى مريرة.

“نعم، فعلت… لقد حكمت مدينة أوريندا منذ خمس سنوات، ومع مرور الوقت، أدركت… كم ندمت على قراري بأن أتولى حكم المدينة.”

تنهد، وصوته محمل بالمرارة:

“على الرغم من أن الملك جولر لا يفعل شيئاً، إلا أنني أدركت أن الفساد… يأتي من الإمبراطورية نفسها. وما يحدث الآن… أسوأ من أي وقتٍ مضى.”

ليون ، عينيه تلمعان بدهاء، انحنى قليلاً إلى الأمام وهو يسأل بهدوء:

“إذن… هل ترغب في الانضمام إلينا؟”

ارتبك زينتو، قبل أن يجيب بعد لحظاتٍ من الصمت:

“لا أريد أن أكون… ثوريًا.”

ابتسم ليون ابتسامة عميقة، لكنها حملت خلفها شرارة غضب.

“إذن… هل ستبقى لتشاهد تقطيع الأطفال؟”

ساد الصمت… لكنه لم يكن صمتًا مريحًا. تغيرت ملامح ليون بشكلٍ مرعب، واشتعلت في عينيه نيرانٌ خفية كأنها تعكس أهوال الماضي.

“أم أنك ترغب برؤية حادثة أخرى لحرق الأيتام؟”

نهض زينتو من مكانه بعنف، يضرب سطح المكتب بقبضته، صوته يهتز بالغضب:

“بالتأكيد لا! ذلك الحادث لا يُغتفر. لكن… الانقلاب على الإمبراطورية؟ هل تدرك خطورة ما تقوله؟”

وقف ليون بثبات، مواجهًا زينتو بنظرةٍ باردة كالصقيع:

“نعم، أدرك تمامًا ما أقوله. لقد حاربناهم لمدة عشرين عامًا، والأمر لم يكن سهلًا… ولكن، ليس مستحيلاً.”

أكمل بصوت أشد:

“أما أنت… فقد أصبحت مجرد تابع. لا رأي لك، لا سلطة… كأنك مزهرية جميلة توضع في الزوايا.”

زمجر زينتو بغضب، قبضتيه تشتدان:

“ماذا قلت؟”

تقدم ليون نحوه ببطء، كلماته كانت كالرصاص:

“ أليست هذه الحقيقة؟ ”

تجمد زينتو، غير قادرٍ على الرد.

لكن ليون لم يتوقف… بل أمعن في صراحته:

“هل تعرف ماذا يعني أن ترى الأيتام يحترقون أمامك؟ هل تعرف ماذا يعني أن ترى أطفالاً يموتون من الجوع أمام قصورٍ مليئة بالذهب؟ أنت لم تعش ذلك ولم تراه…"

" أنا من رأه. أنا من رأى الاضطهاد، والعنصرية، والاحتقار… فماذا يعرف شخصٌ مثلك، اختار أن يكون ديكورًا فارغًا؟ ”

شعر زينتو بالإحراج والغضب يتصارعان داخله. لم يجد كلماتٍ مناسبة للرد.

جلس ليون مجددًا، عيناه الحادتان لم تبتعدا عنه.

“لقد فضلت المنصب على الإنسانية. هذا… ما أنت عليه الآن.”

تردد صدى صرخة زينتو وهو يضرب سطح الطاولة بقبضته:

“اخرس وغادر، أيها الوغد!”

لكن ليون لم يُظهر أي انزعاج. على العكس، ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة، كأنما كان يتوقع هذه اللحظة تمامًا.

“أليست هذه الحقيقة؟” قال بنبرة هادئة، ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب:

“إذا لم تكن كذلك، لماذا تطردني بدلا من الرد؟ ”

توقف للحظة أمام الباب، التفت بخفة وألقى جهاز تواصل صغير على الطاولة.

“إذا أردت… يمكننا أن نريك ‘ستارفيل’ على حقيقتها.”

ثم خرج من القاعة بخطوات هادئة، تاركًا خلفه الرئيس غارقًا في دوامة أفكاره.

جلس زينتو على كرسيه، وضع يده على رأسه، وهو يحدق بالجهاز الذي تركه.

“هل حقًا… أنا مجرد صورة بلا قرار؟ ”

رنّت كلمات ليون في أعماقه، كأنها تحطم جدرانًا بُنيت من الخداع والإنكار على مر السنين.

فجأة، اعتدل في جلسته، وشعر بحرارة الغضب تختلط مع عزيمة جديدة تتشكل داخله.

“ليون!”

ارتفع صوته ليصل إلى الممرات الخارجية.

لم تمر سوى لحظات حتى عاد ليون عبر الباب، ينظر إلى زينتو بابتسامة جانبية:

“ماذا تريد؟”

وقف من مكانه، نبرته كانت هذه المرة حازمة وقاطعة:

“ موافق. ”

رفع ليون حاجبه بدهشة، ظنّ لوهلة أنه لم يسمع جيدًا.

“ماذا؟ ماذا قلت؟”

“قلت موافق.”

ساد الصمت للحظات، قبل أن ترتسم على وجه ليون ابتسامة عريضة مليئة بالرضا.

“قرارٌ صائب.”

ثم خرج من القصر دون أن يضيف كلمة أخرى، تاركًا خلفه رجلاً بدأ للتو في إعادة تعريف نفسه.

-

في سن العشرين، كان زينتو يحدق في سماء أوريندا، متسائلًا:

“ما الفرق بين النبيل والشخص العادي؟”

لم يجد جوابًا يومها… رغم سنواته في التعلم والقراءة، لم يكن هناك كتاب أو حكيم يمكنه تفسير هذه الفجوة التي تفصل البشر عن بعضهم البعض.

وعند بلوغه الثلاثين، بعد تفوقه الدراسي ونجاحه في مجال الحكم والإدارة، رشحه الملك جولر ليصبح رئيس مدينة أوريندا.

عندها، بدأ يدرك شيئًا مهمًا…

“السلطة… هي كل شيء.”

مع السلطة، تغيرت وجوه الناس من حوله. أصبح الاحترام يتبعه أينما ذهب، لكن ذلك الاحترام كان سطحيًا ومجردًا.

أموال، جيش، مكانة… كل شيء كان نتيجة للقوة والموقع.

لكنه أدرك أيضًا… أن منصبه محدود.

رئيس المدينة، مهما بلغ نفوذه، يظل خاضعًا للملك جولر، الذي بدوره مجرد ظلٍ للإمبراطور كوهي.

-

لكن كلمات ليون…

[مجرد مزهرية.]

تغلغلت تلك الكلمات داخله كجمر مشتعل، تحرق كبرياءه ببطء، لكنها في نفس الوقت كانت توقظ شيئًا نائمًا داخله.

[لقد فضلت المنصب على الإنسانية…]

جلس يحدق في الطاولة… يدرك أن ما قاله كان صحيحًا.

لكن هذه المرة، لم يشعر بالعجز… بل أدرك أن هناك طريقًا آخر.

'إذا كان هناك سبيلٌ لصنع قراري بنفسي…'

نهض ببطء من كرسيه، عينيه تحدقان نحو الأفق من نافذته العالية، وهو يهمس:

“سأتبع الثوار إذن.”

فهو… رئيس هذه المدينة.

والقرار الأول والأخير… سيكون له.

-

في قلب مدينة أوريندا، تحت شمس الظهيرة التي احتجبت خلف أعمدة الدخان المتصاعدة.

أصدر الأمر: أغلقوا بوابة المدينة واعتقلوا أتباع المملكة. لن يُسمح لهم بالعبور بعد الآن. لتُغلق البوابة فورًا! اعتقلوا كل من ينتمي إلى المملكة، لا استثناء.

لكن جيش المملكة، كان اكثر عددًا و اقوى عتادًا، رفضوا الانصياع.

على رأس القوات وقف روبرت، قائد جيش المملكة، جسده المغطى بدرع ثقيل، ووشاح المملكة يتطاير خلفه مع الرياح الحارقة.

" توقف عن تمردك، زينتو! واعرف مكانتك جيدًا! "

وقف زينتو، عينيه تقدحان نارًا تتناسب مع اللهب الذي بدأ يلتهم شوارع المدينة، كلماته خرجت كصفعة نارية:

"هذه المدينة تعود لي، ولن اسمح لاحد بان يعبث فيها"

الشرارة انفجرت في عيني روبرت. رفع سيفه الثقيل، وصوته دوّى كأمرٍ نهائي:

"اهجموا!"

اندفع جنود المملكة كالأمواج نحو جنود المدينة، متسلحين بالسيوف والدروع.

قابلهم جنود المدينة بالحماس، رغم قلة عددهم.

“دافعوا عن المدينة!” صرخ أحد القادة، فيما كان الجنود يشكلون صفوفًا متراصة، متسلحين بالإرادة قبل السيوف.

النيران زحفت عبر الأزقة، تلتهم المنازل والمتاجر بلا رحمة. المباني التي كانت تملأها أصوات الضحك والباعة تحولت إلى أطلال، والسماء امتلأت بدخانٍ أسود كثيف.

صرخات السكان امتزجت مع صليل السيوف، بينما الجنود والثوار يخوضون قتالًا حتى الموت، المدينة، التي كانت يومًا ما تعج بالحياة، تحولت الآن إلى ساحة معركة دموية.

في تلك اللحظة، وقف ليون على شرفة القصر الملكي، ينظر إلى المعركة التي بدأت تكتسح المدينة، كانت ابتسامته هادئة، لكن عينيه… كانتا مليئتين بالمكر والخداع.

ووسط اللهب والدخان، وقف زينتو بثبات على أرضية المدينة المحترقة، جسده المغطى بدرعٍ ذهبي ثقيل يعكس وهج النيران المحيطة به. كان يبدو كأنه تمثال من العصور القديمة، حارسٌ لا يهتز رغم الفوضى التي تعصف بكل شيء حوله.

في يده اليمنى، كان يمسك رمحًا طويلًا، يشتعل في طرفه وهجٌ اصفر. عيناه الثابتتان كانتا تراقبان جيش المملكة، لكن قلبه كان مشتعلاً بشيء آخر… الغضب العميق والحسرة التي تراكمت على مر السنوات.

في لحظة صامتة، رفع رمحه عاليًا، فتوهج بنورٍ غريب، وظهرت من حوله دوائر طاقة دائرية الشكل، تدور ببطء حول جسده، وحقلا من الطاقة اسفله، كأنها معين متكامل ينبثق من أعماقه.

“المعين…”

همس أحد الجنود من جيش المملكة، وملامح الرعب ارتسمت على وجهه.

“هذا… مستوى لا يمكننا مجاراته!”

بمجرد أن اندمج المعين برمحه، أصبح كل تلويحة منه تشبه السم، تشل حركة الأعداء وتقيدهم، كأن أجسادهم أصبحت أضعف مما تتحمل.

مع كل حركة، كانت حقول الطاقة تلتف حول الجنود، تتسبب في سقوطهم الواحد تلو الآخر، وهم يرتعشون بقوة تحت تأثيرها. وانطلقت دوائر الطاقة لتحدث انفجارات مدمرة تقضي و تسقط الجنود.

في الجانب الآخر من الساحة، كان روبرت، قائد جيش المملكة، يتقدم ببطء بين الحطام المتناثر.

عيناه المتوهجتان بالغضب لم تفارق زينتو للحظة واحدة، فيما كان يمسك بسيفٍ يتوهج بطاقة قاتلة.

“ خائن… ” تمتم، وقبضته تزداد إحكامًا على مقبض السيف.

صرخ بصوت يملأ الساحة، كأن صدى صوته وحده قادرٌ على إسقاط الجدران:

“كيف تجرؤ أيها الحثالة… على التمرد؟!”

انطلق كالعاصفة نحوه، تحيط به هالة خضراء قاتمة، تنبض بالغضب والدمار.

مع كل خطوة، كانت الأرض تهتز قليلًا، ومع كل ضربة من سيفه، كانت تنطلق موجات طاقة حادة، تدمر كل شيء في طريقها. لم يكن هدفه سوى رأس زينتو.

-

في أزقة المدينة الضيقة، كانت المعركة مشتعلة بين قوات أوريندا وجنود فالوريس، حيث اصطدم الطرفان في صراع ضارٍ. الأزقة تضيق مع تصاعد الدخان والغبار، بينما تتبادل الفرق الضربات في مساحات ضيقة. جنود فالوريس يطلقون موجات طاقوية هلالية حادة، تقطع صفوف أوريندا، في حين يحاول الأخيرون التراجع بلا جدوى.

لكن في لحظة حاسمة، ظهر مساعد الرئيس زينتو على قمة منزل مهدم. بعيون متقدة وثقة تملأ وجهه، أطلق شفرات طاقوية بيضاوية بسرعة خاطفة، مزقت صفوف فالوريس وقطعت الأزقة كما لو كانت جدرانًا قاتلة. الشفرات دمرت تماسك العدو، محاصرة إياهم في فخ لا مفر منه.

“لا مجال للهرب…” همس أحد جنود فالوريس بينما كان يراه رفاقه يسقطون الواحد تلو الآخر.

على السطح، وقف مساعد زينتو يُراقب الهزيمة التي بدأت تتسلل إلى صفوف الأعداء.

“ هذه مدينتنا… ” قال بصوتٍ منخفض، قبل أن يُطلق شفرة أخرى،

"ششششششاككك"

تمسح الجنود الذين حاولوا الالتفاف عبر الشوارع الجانبية.

المعركة لم تنتهِ بعد، لكن… كفة الميزان بدأت تميل لصالح أوريندا، بينما تتصاعد أعمدة الدخان في السماء.

-

وسط ساحة المعركة المشتعلة، كانت ألسنة اللهب تتراقص على أطلال المدينة، والدخان ينساب كوشاحٍ أسود يغطي السماء.

تحت هذا الظلام، برز روبرت، قائد جيش المملكة، كوحشٍ لا يُوقف، يسقط الجنود واحدًا تلو الآخر، سيفه العملاق يقطر بطاقة قاتلة.

كلما تحرك، كانت الأرض ترتجف تحت خطواته الثقيلة، كأن الطوفان نفسه قد تجسد في جسد رجل.

في الجهة المقابلة، وقف زينتو على أطلال منزل مهدم، ممسكًا برمحه الذهبي، يقف كصخرة شامخة تتحدى الأمواج العاتية.

عيناه لم تفارقا روبرت، كان يعي تمامًا أن القادم… ليس خصمًا عاديًا.

توقف روبرت أخيرًا على بعد خطوات، وقابله بنظرات قاتمة:

“ زينتو… خائن المملكة. ”

رد زينتو ببرود، وعيناه تشتعلان بإصرار لا ينكسر:

“ بل محرر المدينة. ”

التقى الإثنان في مواجهة مباشرة… لحظة صمت مرعبة خيمت على المكان، تاركًا فقط أنفاس المحاربين تُسمع بين أزيز النيران وصرخات الجنود من بعيد.

هالات الطاقة التي أحاطت بهما كانت تتماوج بقوة، تشق الهواء، كأنما تستعد للانفجار.

"زززززززت"

أسفل زينتو، بدأت تظهر دائرة ذهبية ضخمة، تنبعث منها شرارات طاقوية ترتفع ببطء إلى الأعلى.

"زززززت - زززززت - ززززززت"

أما تحت قدمي روبرت، تشكلت دائرة خضراء قاتمة، تنبض بقوة أشبه بزئير وحشٍ يستعد لافتراس فريسته.

وفجأة…

“بووووم!!”

انفجرت الطاقات بشكل هائل، وتصدعت الأرض بينهما بينما اندفع الاثنان بسرعة خاطفة نحو بعضهما البعض.

رمح زينتو الذهبي التقى بسيف روبرت العملاق، وتصاعدت الشرارات من نقطة التقائهما، فيما كانت الطاقات تتصادم كعاصفتين تدمران كل ما حولهما.

كل ضربة كانت تهز الأرض، وكل مناورة كانت تترك خلفها ندوبًا في الجدران والشوارع المحطمة.

"أنت تعلم أنك لن تهزم الإمبراطورية.” زمجر روبرت، وهو يدفع سيفه للأمام بقوة، لكن زينتو ثبت قدميه، ووجه رمحه ليُبعد الضربة.

“ إنها ليست مسألة نصر أو هزيمة، ” أجاب، بينما كان الرمح يدور في يده ليُوجه ضربة جانبية:

“بل… مسألة حرية و إنسانية. ”

استدار روبرت بسرعة مذهلة، وأطلق موجة مقوسة خضراء من سيفه، شقت الأرض نحو زينتو كإعصار طاقي يقتلع كل شيء في طريقه.

لكن زينتو… رفع رمحه بثقة، وفي لحظة، ظهر حاجزا امامه، كدرع عملاق من الضوء، امتص الموجة بالكامل.

“هذا هو فارق الإرادة.” قال زينتو بثبات، ثم انطلق نحوه بسرعة البرق، ليوجه ضربة مباشرة على درعه، متسببًا في كسر جزئي في حواف السيف.

وعلى أسوار المدينة، كان جنود أوريندا يشاهدون المعركة من بعيد، وعيونهم تتعلق بآخر أملٍ لهم.

همس أحدهم:

“ إذا خسر الرئيس… سنُسحق جميعًا. ”

لكن جنديًا آخر، مبتسمًا رغم جروحه:

“ لن يخسر… لأنه يقاتل من أجلنا. ”

اشتدت المواجهة، وكأن المدينة كلها كانت تراقب معركة من شأنها أن تحدد مصيرها بالكامل.

نهاية الفصل

2026/01/12 · 13 مشاهدة · 2292 كلمة
نادي الروايات - 2026