19 - مكر المُحرِّر الأحمر… عاقبة الازدراء

قاعدة الثوار…

في غرفة صغيرة مليئة بأوراق العمل والمخططات، استندت إيمي على كرسيها وهي تطلق تنهيدة طويلة، وكأنها تحاول طرد الإرهاق من جسدها. أخيرًا انتهت من كومة الأعمال الشاقة التي أثقلت كاهلها.

“هيتاري، أحضري لي بعض الماء.”

طلبت بصوت متعب وهي تغمض عينيها، محاولة أن تسترق لحظة من الهدوء.

هيتاري، التي كانت تقف بالقرب من المكتبة، وضعت كوبًا على رفها ثم جلست على الكرسي المجاور. ابتسمت بهدوء وهي تراقبها، كانت بالكاد تحافظ على وعيها.

“لقد عملتِ كثيرًا مؤخرًا.”

قالتها بنبرة ودية وهي تحاول التخفيف عنها.

إيمي، بوجه متجهم، تذمرت:

“أجل، مشاكل كثيرة ظهرت مؤخرًا، لذا…”

مدت يدها واستقرت براحة على الطاولة.

“سآخذ استراحة قصيرة، فقط لدقائق.”

ابتسمت هيتاري مجددًا وقالت بهدوء:

“على الأقل، لقد رحلوا.”

رفعت إيمي إحدى عينيها لتلقي نظرة على صديقتها وقالت بتعب:

“حقًا؟ هذا جيد إذن.”

ثم أغلقت عينيها من جديد وكأنها تتشبث بتلك اللحظة الهادئة.

لكن هيتاري لم تشاركها الراحة. غاصت في أفكارها للحظات، وعندما عادت إلى الواقع، سألت بنبرة مترددة:

“إيمي… هل تظنين أنهم سينجحون؟”

فتحت عينيها ونظرت إليها بعينين مثقلتين بالإرهاق، ثم ردت بنبرة شبه غاضبة:

“بالتأكيد سينجحون. لذا، أرجوكِ، لا تجعليني أفكر أكثر… أرحميني!”

ضحكت هيتاري، ضحكة خفيفة كأنها تحاول تخفيف ثقل الجو. لكن سرعان ما تبدلت ملامحها إلى الجدية، وقالت بصوت منخفض:

“هل سمعتِ بالأمر؟ الإمبراطور كوهي… طلب صياد الجوائز فاولر.”

“هاه؟”

ردت بتراخٍ، مستمرة في تمددها وكأنها لم تستوعب الكلمات. لكن شيئًا ما في عقلها نقر فجأة. رفعت رأسها ببطء، ثم جلست منتصبة، وضعت يدها على الطاولة لتستند عليها ونهضت فجأة.

“ماذااااا؟!”

صرخت بصوتٍ يملؤه الفزع والصدمة، ووجهها تحول من الإرهاق إلى اليقظة التامة.

الجو في الغرفة تحول تمامًا. تلك الكلمات التي قالتها هيتاري لم تكن مجرد خبر عادي. اسم فاولر وحده كفيل بقلب موازين أي خطة، وأي راحة كانت تطمح إليها إيمي اختفت في لحظة.

-

في قلب أوريندا…

تحت سماء ملبدة بالدخان والنيران، كانت أصوات القتال تتردد بين أزقة المدينة.

زينتو و روبرت ، كانا يقفان وسط الركام والأنقاض، في مواجهة جعلت المدينة كلها ترتجف تحت وقعها.

الجدران المتصدعة والأبراج العتيقة انهارت واحدة تلو الأخرى، تحت تأثير الصدامات الهائلة بين الهجمات الطاقية بينما راقب المواطنين من خلف الحواجز البعيدة.

لوّح زينتو بيده، واندفعت منه دوائر طاقة ذهبية، تتساقط من حوله كأقمار مشتعلة، تنفجر فور ملامستها الأرض، مخلفة وراءها شرارات طاقة قوية أطلقت هزات عنيفة في أرجاء المدينة.

لكن… روبرت لم يكن رجلاً يمكن إسقاطه بسهولة. على العكس، كانت عينيه تلمعان بثقة مفرطة، وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه:

“ تظن أنني سأنخدع بتلك الحركات البهلوانية؟ ”

رفع سيفه، ومع تلويحة واحدة، تشكلت في الهواء شفرات بيضاوية من الطاقة، تدور بسرعة جنونية كدوامة قاتلة.

اتجهت الشفرات مباشرة نحو دوائر زينتو الطاقية، قاطعةً إياها في الهواء، لينتج عن ذلك انفجاران متقابلان في الجو.

زينتو، دون أن يفقد تركيزه، أشار بيديه، لتظهر أمامه حواجز مربعة ضخمة، بنيت فوق بعضها البعض كحصن طاقي يحمي جسده.

كانت تلك الحواجز تتغير بسرعة، تتمدد وتضيق، وتحتوي بداخلها شعاعًا مدمرًا ينطلق مباشرة نحو روبرت كمدفع طاقي.

لكن روبرت… كان مستعدًا. ابتسم بسخرية وهو يوجه سيفه نحو الحاجز.

“ لن يوقفني هذا! ”

وفي لحظة خاطفة، لوّح بسيفه، مطلقًا موجات هلالية حادة اخترقت الشعاع، وحطمت الحواجز المربعة، لتبدأ بالتلاشي والانهيار تحت ضغط هجماته المتكررة.

شيئًا فشيئًا، كان روبرت يزحف بثقة نحو زينتو، يقترب مع كل خطوة، وسيفه يشع بطاقة متوهجة كأنه يستعد لتوجيه الضربة القاضية.

لكن زينتو لم يكن ينوي السماح له بذلك.

مدّ رمحه، وظهرت دائرة رباعية عملاقة تحت قدميه، تشع بنور ذهبي عميق.

“ لن أسمح لك بالاقتراب أكثر، روبرت! ”

لوّح برمحه، ليشكل من حول خصمه حقل طاقة لولبي، يلتف ببطء، ويُصدر نبضات طاقية كالسم ، تُبطئ حركته، وتشعره وكأن عضلاته تتجمد تدريجيًا.

توقف للحظات، وشعر بثقل هائل على جسده، كأن الهواء أصبح مكبلًا بسلاسل خفية.

ثم جثم على ركبتيه، جسده يتصبب عرقًا، لكن ابتسامة واثقة ارتسمت على وجهه رغم الموقف الحرج الذي كان فيه.

“هل تعلم ما الفرق بيني وبينك؟”

قالها بصوت ثابت، نبرته مليئة بالتحدي، وهو ينظر إلى زينتو بعيون تتوهج بالإصرار.

“أنا وصلت إلى هذا المستوى وأنا على إدراك تام بقوته… أما أنت؟ فلا.”

توقفت حركة زينتو للحظة. ارتفع حاجباه باستغراب واضح، بينما كانت يده تتحرك ببطء لتشكيل دوائر متوهجة في الهواء.

لكن روبرت، رغم وضعه المذل، تابع حديثه. صوته أصبح أكثر حدة، وكلماته تحمل شيئًا غامضًا:

“لم تفهم ما أقصده، أليس كذلك؟ حسنًا… سأكرمك بالإجابة.”

توقف للحظة، وكأنما يمنح كلماته وزنًا أكبر قبل أن ينطق بها.

“تسعة من مستويات الجواهر لديها قدرة استثنائية. قدرة لا يمكن أن يستخدمها سوى اصحاب المستوى نفسه، ومن بين نخبتهم فقط.”

كلماته كانت كالرعد في أذن زينتو، لكنه لم يظهر أي رد فعل واضحه. ثم، بابتسامة أكثر غرورًا، وبصوت كفيل بأن يهز قلوب من سمعه:

“التضخيم المكاني.”

وفجأة… حدث شيء صادم. العالم بأكمله تغير في لحظة.

اختفى صوت المدينة، تحولت الساحة إلى فراغ أخضر لانهائي، وكأن أوريندا بأكملها قد ابتُلعَت في لحظة.

تلاشى كل شيء… المباني، الجنود، حتى ألسنة النيران. لم يبقَ سوى هذا العالم الأخضر المخيف، الذي امتد إلى ما لا نهاية.

زينتو، الذي كان يقف بثقة منذ لحظات، وجد نفسه محاصرًا في مشهد لا يصدق. عالقًا في وهم غريب لم يسبق له أن واجهه. التفت حوله بعينين متسعتين، لكن لا شيء سوى الفراغ الأخضر الذي يبتلع كل شيء.

صوت روبرت شق هذا الصمت، لكنه كان يأتي من كل اتجاه، وكأنه صدى ممتد في فضاء لا يتبع قوانين المنطق:

“الآن، هل ترى الفرق؟ هذا هو مستواي… مرحبًا بك في عالمي.”

وسط المعركة التي وصلت ذروتها، استخدم روبرت القدرة الاستثنائية المتمثلة في “المعين” ،

حيث قام بتوسيع المساحة المحيطة بشكل غير مسبوق. فجأة، تحول الفضاء الضيق حوله إلى غرفة خضراء ضخمة، ينبعث منها وهج طاغٍ.

هذا التوسع المكاني لم يكن مجرد استعراض للقوة؛ بل كان مفتاحًا لتغيير قواعد المعركة بالكامل. الهالة التي انتشرت مع الغرفة أعطته سرعة مفاجئة، جعلته يتحرك بخفة وتجاوز زينتو كما لو كان مجرد ظل.

في لحظة خاطفة، وبدقة قاتلة.

"ششششاك!”

ظهر وميض شفرات طاقة بيضاوية حول زينتو، تتحرك بسرعة مدهشة من كل زاوية، تنساب كالأفاعي في الظلام ، ضاربًا جسده في نقاط متعددة بلا رحمة.

زينتو، الذي لم يتوقع هذا الهجوم، وقف مذهولًا للحظات، يحاول استيعاب ما يحدث.

حاول التراجع، لكن المسافة كانت غير منطقية…

كلما تحرك، زادت المسافة بينه وبين هدفه.

الفضاء الذي كان يظنه صغيرًا… كان يمتد ويتوسع بلا توقف.

"لا مفر."

روبرت لم يمنحه أي فرصة لالتقاط أنفاسه. اقترب بسرعة، وفي لحظة حاسمة، باغت زينتو بضربة مباشرة.

"تتتتتششششششش"

سكين حادة، مشبّعة بطاقة مدمرة، اخترقت جسده. الألم اجتاحه كالبرق، فصرخ بعنف بينما دمه تناثر في الهواء، ملوّنًا الفضاء الأخضر.

"أهغ!”

صرخته اهتزت في أرجاء المكان، بينما كان جسده يتعرض لوابل من الضربات التي لم يتمكن حتى من رؤيتها.

سقط على الأرض، جاثيًا تحت وطأة الضربات المدمرة التي تركت جرحًا عميقًا في جسده. عيناه كانت تتلاشى منهما القوة شيئًا فشيئًا، لكنه أبى أن ينهار تمامًا.

روبرت، واقفًا فوقه، نظر إليه بهدوء وثقة، كلماته جاءت كحكم نهائي:

“لقد فزت… أيها الخائن المتمرد.”

في تلك اللحظة، اختفت الغرفة الخضراء فجأة. التوسع المكاني انكمش، وانهارت الغرفة وكأنها لم تكن موجودة أبدًا. عاد الاثنان إلى المدينة،

حيث بقي زينتو ملقى على الأرض، مصابًا بجروح خطيرة… تتناثر من جسده آثار الدماء التي شهدت قسوة المعركة، بينما روبرت يقف فوقه، شامخًا، منتصرًا، وعيناه تلمعان بشعور الانتصار المطلق.

نظراته مليئة بالازدراء ولكنه سمع صوتا.

" هل انتهيت ؟"

اخترق صوت غريب السكون، صوت حاد كالسيف، يبعث قشعريرة في العمود الفقري.

التفت روبرت بسرعة، والقلق يعصف به كعاصفة رعدية.

هناك في الخلفية المظلمة…

جلس ليون مبتسمًا ببرود قاتل، وكان محاطًا بجثث الجنود، وكأنهم مجرد دمى خشبية تحطمت تحت وطأة قوته.

عيونه الحادة تراقبه بتركيز أشبه بعيون صقر يستعد للانقضاض.

" مستحيل... "

تسربت الكلمات من فم روبرت بصوت متحشرج، وذهنه يحاول استيعاب ما يراه.

'كيف تمكن من القضاء عليهم بهذه السرعة؟'

ليون لم يكن مجرد متفرج، كان ينتظر اللحظة المناسبة، مراقبًا كل حركة، ينظر من خلال القصر واتت هذه اللحظة.

روبرت شعر بالخوف، قلبه، الذي كان باردًا كالجليد، بدأ ينبض بعنف.

حينها، أدرك الحقيقة: لقد تسلل ليون إلى روحه.

استخدم مستوى القلب ليزرع فيه الشك والخوف.

ولأنه كان مأخوذًا بالصدمة، لم يكن بمقدوره المقاومة.

"إذن... أنت السبب؟!"

صرخ بغضب، وكلماته كانت تحمل مزيجًا من الرعب واليأس. ليون, بابتسامة ماكرة لا تعرف الرحمة رد بهدوء:

"كلا، لست السبب، بل أنتم. أفعالكم هي من أشعلت النار، أنا فقط وجهتها نحوكم. قلوبهم كانت ممتلئة بالغضب المكبوت، وأنا حررتها. هذا كل مافي الامر."

حاول روبرت استجماع قواه المتبقية. رفع يديه ليشن هجومه الأخير، لكن ليون لم يمنحه الفرصة.

بإشارة بسيطة من إصبعه, انتشرت دوائر متفجرة حوله، واندفع انفجار عنيف أصاب قدمه، ليسقط أرضًا كمن كُسرت أجنحته.

ليون قفز بخفة من فوق الجثث, يهبط بخطوات واثقة. تقدم نحو روبرت الملقى على الأرض.

رفع رأسه بصعوبة، وعينيه تشتعلان بالغضب, لكن جسده خان إرادته.

ليون, بنبرة ازدراء مميتة:

"كما تدين تُدان، أيها الحشرة. ألم تنظر إلى زينتو بنفس النظرة التي أنظر بها إليك الآن؟"

انحنى قليلًا، مقربًا وجهه من روبرت, ليجعله يرى انعكاس هزيمته في عينيه.

"العالم ليس ظالمًا، لكن الظلم الذي زرعته يعود إليك الآن. لقد حان يومك."

تمنى للحظة أن يمتلك قوة النار، ليحرقه كما أحرقوا الميتم الذي كان يومًا ما بيتًا للأطفال الأبرياء.

لكن نظراته تحولت إلى زينتو, الذي كاد أن يفقد حياته، أشار إلى الجنود الباقين:

"خذوه إلى المستشفى فورًا."

عاد بنظره إلى روبرت, الذي بدا وكأنه ينتظر حكمه النهائي.

"والآن، ماذا أفعل بك؟"

سأله بنبرة باردة، وكأن حياته مجرد قرار لحظي.

وقبل أن يمنحه إجابة، رفع يده وضربه على رأسه بقوة، ليفقد وعيه، ويترك مصيره مجهولًا في ظلام لا نهاية له.

-

وفي وسط البحر الشاسع، ظهرت سفينة ملكية ضخمة، تبحر بثقة كأنها وحش يطوف على سطح المياه. أعلامها الملكية ترفرف عالياً، تحمل هيبتها إلى الأفق البعيد.

اقتربت السفينة من السواحل، حيث بدأت تظهر ملامح الشاطئ أمام طاقمها. على مقدمة السفينة، وقف رجل ممسك بمنظار، يحدق صوب اليابسة بعينين حادتين وكأنه يفتش عن هدف محدد.

وقف خلفه قبطان السفينة، رجل طويل القامة، تبدو عليه علامات الصرامة والشدة، يحمل في ملامحه خبرة البحار وقوة القادة.

تحدث الملاح بصوت مليء بالتوتر والاحترام:

“لقد وصلنا يا سيدي.”

لم يرد القبطان على الفور. رفع يده ونزع النظارة الشمسية التي أخفت عيونه، فكشف عن نظرات تخترق الجدران لشدة حدتها. وجهه كان صارمًا، أشبه بصخرة منحوتة على هيئة قائد لا يعرف الرحمة.

“أعطني المكبر.”

قالها القبطان بنبرة هادئة لكنها تحمل في طياتها أوامر لا تُرفض.

أمسك المكبر، وبدأ يمسح الشاطئ بعينيه، وكأنها بندقيتان تبحثان عن فريسة.

-

على بعد مسافة، داخل عاصمة عملاقة وفي قلب قصر مهيب ضخم، ركض فتى صغير بخطوات سريعة ومذعورة نحو الباب العملاق لقاعة المجلس.

دفع الباب بكل قوته، ليُفتح على مصراعيه، وصرخ بصوت عالي:

“أبي! هناك سفينة عملاقة بالخارج!”

ارتجفت جدران القصر بصدى كلماته، ولكنها لم تحرك ساكنًا في الغرفة المظلمة التي تقع في أعماق القصر.

في هذه الغرفة، كان يجلس رجل وحيد، لا يظهر منه سوى silhouette جسده الضخم وسط الظلام. عينيه الملتهبة تلمعان كعيني وحش ينتظر فريسته، نظراته كانت مرعبة بما يكفي لتثبيت أي شخص مكانه.

تكلم بصوت عميق، كالرعد الذي يسبق العاصفة:

“وماذا يريدون؟”

صوته كان كافيًا ليشعل الرهبة في قلب أي مستمع. يبدو أنه لم يتفاجأ، بل كان ينتظر هذا اللقاء منذ زمن.

نهاية الفصل

2026/01/12 · 12 مشاهدة · 1756 كلمة
نادي الروايات - 2026