"التوسيع المكاني"

للمرة الأولى منذ بداية المعركة، بدا على وجه ريختر علامات ارتباك وتوتر. قبضته على أوريل تراخت، وأسقطه من يده دون وعي. ثم، كأن العالم بأسره قد تغير، وجد نفسه محاطًا بمساحة زرقاء شاسعة، لا حدود لها.

كان كل شيء حوله هادئًا بشكل غريب، لكن هذا الهدوء حمل في طياته شعورًا بالرهبة. لون أزرق غامق غمر الأفق بالكامل.

استدار ببطء، ونظره يتجه نحو الجهة اليسرى. هناك، وسط هذه المساحة اللانهائية، وقف كاييل . ملامح الغضب والفخر يملآن وجهه، وهالة من القوة تحيط به.

تحدث بصوت مليء بالقهر والعزيمة، صوته يملأ الفراغ الأزرق:

“ستتذوق ثمن ما صنعت يا ريختر… تهيّأ للختام الذي كتبته بيديك.”

كل كلمة كانت كالسيف تخترق الجو، مشبعة بالغضب.

ريختر، الذي لم يعتد على الشعور بالخوف أو التردد، أدرك أنه الآن ليس في أرض المعركة التي يسيطر عليها. بل أصبح داخل عالم كاييل الخاص، عالم التوسيع المكاني .

كانت المواجهة على وشك أن تأخذ منحى مختلفًا تمامًا، حيث لم يعد القتال يدور حول القوة الجسدية فقط، بل حول إرادة الأرواح التي لا تنكسر.

-

في العالم الحقيقي…

سقط أوريل على الأرض وهو يلهث ويكح بشدة، جلست بجانبه إيروها ، ملامح القلق بادية على وجهها، وهي تحاول تهدئته والتأكد من أنه بخير.

في الجهة الأخرى، استطاع فومهيتو ، بمهارته المعهودة، التغلب أخيرًا على الحراس الذين كانوا يحيطون به. لكن رغم انتصاره الجزئي، لم تكن الأمور أبسط مما تبدو. سبعة من الحرس الرئيسيين ظلوا واقفين، وكل واحد منهم يمثل تحديًا مرعبًا بحد ذاته.

لكن حتى وجودهم لم يكن الصدمة الكبرى.

عند البوابة العملاقة، التي فتحت بالقوة الخالصة، حدث ما لم يكن في الحسبان. صوت تحطم المعدن وصرير المفاصل العملاقة ملأ المكان، قبل أن تظهر الهيبة المطلقة .

الجيش الإمبراطوري وقف على أعتاب الساحة، منظمًا ومهيبًا، كل خطوة لهم كانت كأنها زلزال صغير يهز الأرض.

قادتهم إميليا ، التي اشتهرت بقوتها الكبيرة و حفرت اسمها كنائبه قائد الجيش الامبراطوري وحضورها الذي يترك الجميع في حالة من الخوف والرهبة.

وقفت في مقدمة الجيش، مرتدية درعًا فضيا يلمع تحت وهج النيران، رمحها الطويل يتدلى من جانبها.

ألقت نظرة طويلة على المعركة التي كانت دائرة، كان المشهد صامتًا للحظة، أعين الثوار اتسعت من الصدمة، باستثناء أوريل ، الذي بدا أنه لم يفهم حقيقة ما يحدث. كل شيء كان جديدًا ومبهمًا بالنسبة له.

تقدمت إميليا بين الحشود، ولكن ما زاد ارتباكها هو غياب أحدهم.

“أين ريختر؟” سألت بصوت حاد، تنظر حولها بقلق.

تقدم بوردل ، وهو يشير بعيدًا بعينه المرهقة من القتال.

“لقد تم سحبه إلى عالم كاييل…” قال بصوت منخفض.

توقفت للحظة، تفهمت الموقف بسرعة، ثم حولت تركيزها إلى فومهيتو ، الذي كان يقف في الطرف الآخر من الساحة، ممسكًا بسلاحه بقوة، كأنه يستعد لآخر مواجهة في حياته.

اقتربت إميليا من نحوه بخطوات واثقة، وعيونها الزرقاء تعكس برودًا لا يتزعزع. رفعت منجلها الفضي المزخرف بزخارف ذهبية لامعة، وأدارته بمهارة وهدوء.

“استسلموا. القتال خاسر بالنسبة لكم.” قالت بنبرة صارمة، لكنها كانت تحمل تحذيرًا خفيًا.

لم يتردد فومهيتو في الرد، ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه.

“خاسر؟ يبدو أنك تحلمين يا سيدتي.”

في تلك اللحظة…

"فففففففييييف"

انبثقت هالة قوية من جسده، امتدت لتغطي المكان بأسره. ومع ذلك، بقيت إميليا غير متأثرة.

"دن"

غرست منجلها في الأرض بقوة، مما أطلق صدى مدوياً في الساحة. كان التحذير واضحًا للجميع:

“سأعيدها للمرة الأخيرة. استسلموا، وإلا…”

لكن بدلاً من الرد، انتقل فومهيتو إلى الهجوم. حمل سيفه الطويل واستعد للمواجهة. لم تتردد إميليا ، فقفزت نحوه بسرعة، مستخدمة منجلها لصد ضربته الأولى.

تشكلت دوائر حولها و تقاطع السيف و الرمح في شرارات نارية، حيث كان الاصطدام عنيفًا لدرجة أن الأرض نفسها اهتزت تحت قدميهما.

وفجأة، انفجرت الدائرة التي كانت تعلو فومهيتو ، مطلقة صواريخ طاقية تنزل عليه كالمطر.

بينما كانت الانفجارات تضرب الأرض من حوله، كان يتصدى لها برشاقة لا تُصدق، يجمع بين صد ضربات إميليا القوية وتجنب الهجمات المتفجرة.

لكن رمحها كان أكثر خطورة مما يبدو. بضربة حاسمة، تجاوز رأس فومهيتو بمسافة شعرة، ليقف فوق كتفه الأيمن. وبحركة سريعة، سحبت الرمح بكل قوتها،

"تشششن"

قاطعةً كتفه الأيمن. لم يصرخ، رغم الألم المروع. كبح ألمه بأسنانه، وأمسك سيفه بيده اليسرى، مهاجمًا بشراسة متجددة.

رفعت إميليا رمحها مرة أخرى، وصدت الهجوم بسهولة باستخدام قاعدة المنجل الحادة كرمح.

"تننن"

تراجع، فاقدًا لتوازنه للحظة، لكنه لم يستسلم. صرّ بأسنانه:

'تبا، يجب علي بالدفاع الآن!'

في تلك اللحظة، تفعلت قدرة فومهيتو : حواجز مربعة من الطاقة تشكلت أمامه بسرعة البرق، وصدت الضربة القاتلة.

ضربت إميليا الحاجز بكل ما لديها من قوة، لكن الحاجز لم يتحرك أو يتصدع. كانت قوة فومهيتو الدفاعية قد بدأت تظهر بشكل واضح.

حدقت في فومهيتو من خلف حواجزه، رمحها يتوهج مع كل خطوة تخطوها. أما فومهيتو ، فكان يلتقط أنفاسه، وقد استعاد توازنه نسبيًا.

-

خارج القلعة، كان سوما جالسًا على الأرض، يضغط بيده على كتفه المصابة، والألم يزداد مع كل نفس يأخذه. الدماء التي تساقطت منه لم تمنحه أي فرصة للتعافي الكامل.

سيرينا ، التي كانت تقف إلى جواره، نظرت إلى حاله بعينين ملؤهما القلق، لكنها لم تقل شيئًا. بدلًا من ذلك، انحنت بجانبه وأمسكت بكتفه بحذر.

“ابقَ ساكنًا.”

مدت يدها الأخرى، وظهرت دائرة مضيئة، تتوهج بلون ذهبي ناعم. ومن ثم، استدعت سكينًا صغيرًا، ودمجت الدائرة مع الشفرة بحركة دقيقة. كانت تعرف ما عليها فعله.

وضعت السكين على ذراعه، وبدأت العملية. رغم كل تحمله، لم يستطع منع نفسه من الصراخ المكتوم، إذ كان قد وضع منديلًا بين أسنانه لتخفيف حدة الألم.

مع مرور الوقت، بدأت الجروح تلتئم تدريجيًا، والألم يخف تدريجيًا أيضًا. رمى سوما رأسه إلى الخلف، يتنفس بعمق بعد أن زال العبء.

“هذا أفضل… بفضل ذلك، أستطيع العودة للقتال الآن.” قال بابتسامة مرهقة، وكأنه يتجاهل تمامًا ما حدث للتو.

تذمرت سيرينا وهي تقف بوضع يديها على خصرها.

“مؤخرًا، أصبحت كثير الإصابات. هذا ليس شيئًا يدعو للفخر يا سوما.”

ابتسم، محاولًا إخفاء إحراجه.

“هذا لأنني أواجه خصومًا أقوياء. القتال ضدهم ليس بالأمر السهل، كما تعلمين.”

لكنها لم تشاركه تفاؤله. نظرت إليه بنظرة جمعت بين القلق والضيق.

“وماذا يعني ذلك؟ في النهاية، أنت تخسر ضدهم دائمًا.”

توقف عن الكلام للحظة، وشعر وكأن كلماتها أصابت كبرياءه أكثر من أي جرح. حدق بها للحظة قبل أن يشيح بوجهه، محاولًا كتمان انزعاجه.

عمّ الصمت بينهما لثوانٍ، لكن التعبير على وجه سيرينا لم يتغير. لم تكن غاضبة منه، لكنها كانت قلقة، قلقة من أن عناده سيكلفه يومًا حياته.

أما سوما ، فكان يعرف ذلك، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف به. نظر إلى كتفه، ثم إلى سيرينا، وقال بابتسامة هادئة:

“شكرًا لكِ على مساعدتكِ. أعلم أنكِ قلقة، لكنني سأكون بخير. دائمًا كنت كذلك.”

تنهدت واستدارت مبتعدة، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامة صغيرة زينت شفتيها.

“آمل ذلك، سوما… آمل ذلك.”

-

داخل البوابة…

وسط فناء القلعة ، كانت أصوات الاصطدام بين السيوف و وهج الطاقات القتالية تعم الأرجاء، فيما كان الثوار والجيش الإمبراطوري يخوضون معركة لا هوادة فيها.

سومي، في مقدمة الصفوف، وقفت كالقائده الذي لا تعرف الخوف، تحركت بخفة، تقود الثوار بمهارة أذهلت الجميع.

خلفها، كان ثوريان يدعان كيشيو وفيسكا يشنّون هجمات متسلسلة من زوايا مختلفة، يضربون بسرعة كالعواصف، بينما هيمارا وغاليان يواصلان تشتيت الجنود الإمبراطوريين، مستغلين التضاريس لكسر خطوطهم الدفاعية.

في البداية، بدا أن الثوار قد فرضوا سيطرتهم، حتى ظهر الجنرال تيرا، المحارب ذو العينين التي لا تعرف الرحمة.

رفع سيفه، وأطلق موجة شفرات قاطعة شقت الأرض بين كيشيو وغاليان، مما فصل بينهما، وتركهما معزولين عن البقية.

“تراجعوا فورًا!” صرخ غاليان، لكن تيرا كان قد اقترب بخطوات سريعة.

كيشيو حاول صد الضربة التالية، ولكن طاقة تيرا كانت كافية لإسقاط دفاعاته وتحطيم رمحه.

قفز الاثنان للخلف، بينما تيرا يتقدم بثقة قاتلة.

“ليس بهذه السهولة!”

من الجانب، قفزت سومي، لتتصدى لضربة تيرا مستخدمة حقل طاقة مغناطيسي سحب سيفه بعيدًا، مما أجبره على التراجع للحظات.

لكن داريوس، أحد جنرالات الجيش، لم يمنح الثوار فرصة لالتقاط أنفاسهم، وبدأ بهجوم مكثف أجبر الثوار على التراجع.

الجيش الإمبراطوري استعاد السيطرة على جزء كبير من الساحة.

ومع ظهور المجندين الهلاليين، بدأت المعركة تميل لصالح الإمبراطورية.

هؤلاء الجنود، بخطواتهم المتناسقة وهجماتهم المتزامنة، كانوا كالعاصفة التي تجرف كل شيء في طريقها.

"تتتتشششش"

اطلقوا المقوسات المرعبة و الذي بدات في تدمير الارض و تقطيع الثوار، هيمارا سقطت على ركبتيها بعد أن أصيبت بضربة من أحد المجندين، فيما حاول فيسكا أن يقاوم، لكن قوة المجندين كانت خارقة.

“مستواهم… لا يمكننا مجاراتهم.” تمتم كيشيو، وعيناه تتسعان بدهشة بينما رأى المجندين الهلاليين يتحركون بسرعة خرافية.

في وسطهم، وقف الجنرال تيرا، محاطًا بجنوده، بينما كانت هالة طاقته القاتلة تجعل الهواء أثقل من أنفاس الثوار.

“ سوف أنهي هذا الآن. ” قال بنبرة ثابتة.

قفز فيسكا نحوه، لكن…

“بانغ!”

ضربة موجعة جعلته يرتطم بجدار الفناء، فاقدًا القدرة على الحراك.

كيشيو تبعه، ليجد نفسه في الوضع ذاته. رغم سقوطهم، لم تستسلم سومي وتالين.

نظرتا إلى بعضهما البعض، ثم تبادلتا إيماءة سريعة.

قفزتا معًا…

"وووووفففششششش"

دمجتا قوتهما، ليُشكلا حقل طاقة خماسية مضاعفة، أحاطت بالجنرال داريوس ومجموعة من الجنود الإمبراطوريين.

“لن نخسر بسهولة!” صاحت هيمارا ، وعيناها تلمعان بإصرار.

الحقل الخماسي المضاعف بدأ بالضغط على داريوس والجنود، مانعًا تحركاتهم بطاقة مغناطيسية، فيما انتشرت طفرات طاقية من داخله، تمزق التشكيلات العسكرية للجنود المحاصرين.

بصوتٍ مزلزل، صرخت سومي:

“انهضوا، هذه هي البداية!”

شعر الثوار أن شعلتهم لم تنطفئ بعد. رغم قوة الجيش الإمبراطوري، كان في الجو عطر الثورة، وكان الجميع يعلمون أن هذه المعركة لن تُحسم بسهولة.

الهجمة أوقعت 13 جنديًا من جيش الإمبراطورية، لكن التهديد لم ينتهِ. بقي 27 جنديًا من الإمبراطورية في مقابل 11 فقط من الثوار القادرين على القتال.

هجمة مفاجئة من الجنرال تيرا قلبت الطاولة مجددًا. بعاصفة من طاقته الهائلة، أطاح بـ سومي و تالين ، ليُسقطهما أرضًا. وقف تيرا أمامهما، نظراته تنمّ عن غرور وسخرية.

“يا لكما من فتاتين جميلتين. لو لم تكونا ثوريتين، لجعلتكما من خدمي.” قال بصوت بارد ومغرٍ.

انحنى ببطء نحو سومي ، أمسك بها وأخفض رأسه نحوها، مستمتعًا برؤيتها وهي عاجزة عن المقاومة.

لكن… لم يعبأ. أمسك بها من ذراعها بقوة جعلتها تئن بصوت مكتوم، وخفض رأسه، عيناه مليئتان بالسخرية والإهانة، وفي تلك اللحظة، لم يُسمع شيء سوى أنفاس الجنود المراقبين، يتابعون ما يحدث بصمت.

لكن الصمت… تحطم.

“ايها الوغدددد!”

كان الصوت كعاصفة رعدية، شقَّ سماء المعركة واهتزّت الأرض تحت أقدام الجميع.

عند البوابة، وقف سوما.

عيناه كانتا تشتعلان كاللهب، وجسده يهتز من الغضب الجامح، قبل أن يتمكن تيرا من الرد أو حتى استيعاب الموقف، كان سوما قد تحرك.

لم يكن يركض… بل كان يندفع كوميض برق.

“بوم!”

سُمِع صوت تصدع الأرض تحت قدميه، وفي لحظات…

“تششششششت!”

قبضته كانت مشتعلة بالطاقة الهلالية، ارتطمت مباشرةً بصدر الجنرال.

القوة كانت كافية لتمزيق القفص الصدري له، وتسببت في طيرانه عبر الساحة مثل دمية مكسورة، ليصطدم بجدار القلعة.

سقط وسط الأنقاض، جسده مشوه وملفوف بالدماء، فيما كانت عيناه تتسعان بعدم تصديق.

الجميع تجمد في مكانه.

حتى جنود الإمبراطورية لم يستطيعوا التحرك أو الرد.

كان سوما واقفًا في منتصف الساحة، وهالة قاتلة تُحيط به، وقف بثبات أمام سومي، كدرع بشري، غضبه يتصاعد كبركان. حدق بالجنود المتبقين، عينيه تشعان تهديدًا.

بصوت مهيب مليء بالعاطفة والغضب:

“لن أسامح من يمسّ أختي بسوء أبدًا!”

نهاية الفصل

2026/02/19 · 22 مشاهدة · 1712 كلمة
نادي الروايات - 2026