27 - الولاء أم العدالة؟… الأميره كاوري

خلف القصر…

حيث كانت الظلال الطويلة تمتد بفعل الشمس المائلة، وقف أوريل وسط الساحة، ينظر بعينين متسعتين نحو المشهد الذي بدا أشبه بوهم لا يُصدق.

على الأرض، تناثر الحراس الذين كانوا قبل لحظات فقط يشكلون جدارًا لا يمكن تجاوزه. لكن الآن…لقد تقلصوا.

كائنات صغيرة بالكاد يمكن رؤيتها، يركضون بعشوائية، أصواتهم أصبحت أشبه بالصرير الضعيف.

كانت الصدمة واضحة على وجهه، رغم برودة ملامحه المعتادة. رفع عينيه ببطء نحو إيروها، التي وقفت بيدٍ على خاصرتها، بينما تحرك النسيم بخفة، يحمل خصلات شعرها الأرجواني.

ابتسمت، عيناها تلمعان بخبث:

“تبدو مصدومًا يا أوريل.”

لم يُجب فورًا، بل أبقى نظراته منخفضة للحظات، وكأنه يحاول استيعاب ما رآه للتو. رفع رأسه مجددًا، وعيناه تركزان عليها بحدة:

“كيف فعلتِ هذا؟”

ضحكت بخفة، ورفعت يدها نحو ذقنها وكأنها تفكر:

“ألم أخبرك من قبل؟”

هزّ رأسه نافيًا بصمت. مما دفعها للتنهد بخفة وكأنها تستمتع بشرح القدرات:

“حسنًا، سأشرح… كل مستوى من مستويات الجواهر لديها قدرة استثنائية ماعدى القلب. وقدرة السداسي الاستثنائية، كما ترى، تسمى

‘تحوير الكتلة’.”

تابعت بخفة، بينما كانت تمشي حول الحراس الصغار كأنها تستعرض لوحتها الفنية:

“تحوير الكتلة يسمح بالتحكم في حجم الأجسام وكثافتها. يمكنني جعل الأشياء صغيرة بما يكفي لتختفي تحت قدميك، أو كثيفة بما يكفي لنسف مبنى كامل.”

انحنت قليلًا والتقطت أحد الحراس الصغار بين أصابعها كما لو كان حشرة عالقة. رفعته إلى مستوى نظره، وقالت بابتسامة واثقة:

“في هذه الحالة… فقط جعلتهم أصغر.”

رفع أوريل حاجبًا واحدًا، عاقدًا ذراعيه، وهو يراقب الحارس الصغير الذي يتلوى في يدها، يصرخ بلا صوت مسموع.

“وهل هذا دائم؟”

هزت رأسها بنفي سريع، وأخذت ترفع الحارس إلى مستوى الشمس:

“لا، يعودون لحجمهم الطبيعي بعد ساعتين. لكن…”

رمته في الهواء بلا اهتمام، وسرعان ما التقطته بيدها الأخرى. أكملت بابتسامة جانبية:

“ساعتين كاملة كافية جدًا لإبعادهم عن الطريق.”

وببراعة، أمسكت بالحراس واحدًا تلو الآخر، ثم بدأت بإلقائهم خلف أسوار القلعة، حيث سقطوا كألعاب صغيرة وسط الغابة.

بعد أن تخلصت من آخر حارس، صفقت يديها برفق، وكأنها تنفض الغبار.

“ها نحن الآن… لا حراس، لا مشاكل.”

التفتت نحو أوريل، الذي كان لا يزال يحدق بها، نظراته تحولت من الفضول إلى الحذر.

“هل نكمل أم أنك بحاجة إلى وقت لتتقبل ما رأيته للتو؟”

لم يرد فورًا. تقدم بضع خطوات بجانبها، ثم قال بصوت بارد:

“لقد فهمت. لنذهب.”

تحرك الاثنان عبر الممر الخلفي، بينما الرياح تعصف بخفة من خلفهما.

-

مملكة فالوريس – خارج أسوار مدينة أوريندا

كانت الشمس تغرب ببطء خلف الجبال، تلقي بظلالها الطويلة فوق جيش مملكة فالوريس بقيادة الملك جولر الذي اصطف أمام بوابة أوريندا الضخمة. ارتفع حاجز ازرق حول المدينة، ينبض بطاقة غامضة تمنع أي دخول غير مرحب به. الجو كان مشحونًا، والجنود يراقبون المدينة بحذر، بينما يقف الملك على رأس جيشه، ساكنًا كالصخر، وخلفه مساعده المخلص، يار.

تقدم يار للأمام، ممسكًا بمكبر الصوت بحزم، وصاح بأعلى صوته:

“زينتو! افتح البوابة فورًا واستسلم! حضرة الملك يمنحك فرصة للعفو، فلا تضيعها بالتمرد!”

لكن الرد جاء من الداخل، هادئًا وواثقًا.

“إن كنت ارغب بالحديث، فليكن مع الملك مباشرة… لا مع مساعديه.”

وقف زينتو خلف بوابة المدينة، مرتديًا درعًا فضيًا بسيطًا، وسيف طويل يتكئ عليه.

كتم يار غيظه، والتفت إلى الملك جولر:

“سيدي… إنه يطلب التحدث إليك شخصيًا.”

أخذ المكبر من يده، وتقدم بضع خطوات إلى الأمام، وقف أمام الحاجز، وتحدث بنبرة جمعت بين السلطة والهدوء:

“زينتو… هل كان من الضروري أن تدفع الأمور إلى هذه النقطة؟ لقد قدمت لك الكثير، أمن العدل أن ترد علي بالتمرد؟”

على الجانب الآخر من الحاجز، أغمض زينتو عينيه للحظة، وكأن كلمات الملك اخترقت قلبه. رفع رأسه، ثم أجاب بصوت امتزج فيه الاحترام بالإصرار:

“فخامتك… أنت تعلم أن احترامي لك لم يتغير، ولن يتغير. لم يكن تمردي موجهًا ضدك أنت… بل ضد الإمبراطورية التي لا تكترث إلا لمصالحها على حساب شعبها.”

بدت كلماته كأنها تسحب كل ما كان مخفيًا خلف صمته طوال السنوات الماضية.

تابع، وعيناه تلتمعان بالعزم:

“أنا مدين لك بالكثير، لكن دَيني الأكبر هو لشعبي. أولئك الذين دفعوا ثمنًا لم يختاروه، جوعًا وفقرًا، وأرواحًا أُزهقت في حروبٍ لا تخصهم.”

صمت جولر للحظة، عيناه تجوبان السماء المظلمة التي بدأت تبتلع الشمس. بدت ملامحه مرهقة، كما لو أن كلامه يضع حملًا إضافيًا على كاهله.

“إذن… أنت تقف ضد الإمبراطورية؟”

“نعم.”

قالها دون تردد، وكأنه أعلن قسمًا.

“أنا لست نبيلًا، ولا أحمل دماء ملكية، لكنني رئيس هذه المدينة، وهي أمانة في عنقي. إن اخترت الصمت، أكون قد خنت كل من وضع ثقته بي. وانت أولهم، لذلك سأقف، حتى لو كنت وحيدًا.”

مرّت لحظة من الصمت، لم يقاطعها سوى صوت الرياح التي حملت معها كلماته إلى الجنود خلف الملك.

جولر… الذي أدرك في أعماقه أن زينتو لم يخطئ، عاد بذاكرته إلى ذلك الوعد القديم:

[سأحميها بكل ما أملك… أعدك أيها الملك.]

أغمض عينيه للحظة… ثم استدار ببطء، رافعًا يده بإشارة واحدة أنهت كل شيء.

“انسحبوا.”

قالها دون أن يلتفت، وكأنه لم يعد قادرًا على مواجهة الحقيقة التي نطق بها سيد أوريندا.

تمتم زينتو لنفسه:

“أنت طيب ايها الملك… ولكن طيبتك سيف ذو حدين. في عالم كهذا، لا يكفي أن تكون طيبًا. لا يكفي…”

رفع رأسه نحو الأفق، وهو يعلم أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد. ما فعله اليوم ليس إلا بداية لرحلة طويلة ضد الظلم الذي امتد جذوره في الإمبراطورية.

“لن أسمح للإمبراطورية أن تسيطر على هذه المدينة بعد اليوم. هذه الأرض لنا، وسنحميها بدمائنا.”

-

في فناء المحزن، وسط المعركة…

تصاعدت طاقة خضراء مشؤومة من جسد فومهيتو، متوهج بطاقة هلالية تتجمع حول سيفه كدوامة تسعى للابتلاع.

على الجانب الآخر، وقفت إميليا، ثابتة كجبل، ورمحها الفضي يتوهج. رفعته ببطء، وهالة بنفسجية تلتف حولها، تصنع حقلًا طاقيًا مشعًا يحيط جسدها بالكامل.

“ألن تتوقف عن هذه التصرفات الطائشة؟” قالت بصوت هادئ لكنه يحمل ثقل المعركة.

لم يجب فومهيتو، بل اندفع كالإعصار، مشعلًا السيف بطاقة تضاعفت قوتها عشرات المرات. بضربة واحدة، أرسل موجة مدمرة نحوها.

بوووم!

اصطدمت الموجة بحاجزها، تصاعدت الطاقة في كل اتجاه، لكن الحاجز لم يتصدع. ارتدت الموجة إلى الأرض، لتتفجر كالصواعق، تترك خلفها دمارًا واسعًا وحفرًا غائرة حيثما لامست الأرض.

من بعيد، كان الجنود والثوار يهربون من مسار الدمار، أصوات الانفجارات تتعالى، والغبار يتصاعد إلى السماء.

في وسط كل هذا، بقيت إميليا واقفة، جسدها محاط بهالة طيفية، لكن أنفاسها كانت ثقيلة. رغم تصديها للهجوم، إلا أن تأثيره ترك أثره.

“هذه القوة… لقد أصبح أقوى .” تمتمت في نفسها، وهي تشد قبضتها على رمحها.

على الجانب الآخر، كان فومهيتو يتنفس بصعوبة، قطرات العرق تتساقط على جبينه، وعيناه تراقبانها بحذر. لكن، رغم التعب، إلا أن شعلة العزيمة لم تخفت في عينيه.

“ما زلت واقفة…؟” قالها بتفاجئ، لكنه لم يتراجع.

في لحظة خاطفة، أطلق شفرات طاقة بيضاوية باتجاهها، متتالية كالأمواج العاتية.

تحركت إميليا بخفة مذهلة، تنحرف يمينًا ويسارًا، وكأن جسدها ينساب بين الشفرات. كانت تتحرك بسرعة أشبه بالريح، تقترب شيئًا فشيئًا نحوه، ورمحها يدور من حولها كأنه جزء منها.

ابتسمت ابتسامة واثقة وهي تقول:

“أنت خصم قوي، لكن…”

وقبل أن تكمل، قفزت إلى الأعلى، ورمحها يتوهج، شقت الهواء بضربة جانبية عنيفة، مطلقة هالة طاقية هلالية ضخمة باتجاهه.

“لن تدوم طويلًا.”

اندفعت الهالة كالسهم، بسرعة لا يمكن صدها.

حاول الأخير رفع درعه بسرعة، شكل حاجزًا مربعًا أمامه، لكنه كان يعلم أن الوقت قد نفد.

“ليس كافيًا!”

اخترقت الهالة الدرع كأنه ورقة، وتحطمت شظاياه في الهواء قبل أن تصطدم مباشرة بصدره، لتطيح به إلى الخلف لبضعة أمتار قبل أن يستعيد توازنه، جسده يئن بفعل الصدمة. لكن حتى مع ذلك، لم تمنحه إميليا فرصة للراحة.

هبطت من السماء كالشعلة، ورمحها مرفوع في الهواء، استعدادًا للضربة النهائية.

“حان وقت النهاية.”

هوى رمحها بضربة هائلة، وأرسلت موجة طاقة كاسحة أطاحت به نحو سقف القلعة، حيث ارتطم بجدار حجري، محطمًا جزءًا منه.

بوف!

وقفت إميليا فوق السقف، رمحها يقطر بالطاقة. الرياح حملت خصلات شعرها الطويل، وعيناها الحادتان تراقبان الجسد الساقط أمامها دون أن يرف لها جفن.

أسفل القصر…

انفجرت أصوات الحشود الإمبراطورية في الساحة، الجنود والمراقبون الذين شهدوا المعركة من بعيد هتفوا بصوت واحد:

“إميليا-سير!”

“الأميرة المنتصرة!”

“هذه قائدتنا!”

ارتجف الهواء بهتافاتهم، وكان النصر جليًا على وجوه الجميع. رفعوا أسلحتهم نحو السماء وكأنهم يحتفلون بميلاد بطلة جديدة.

لكن فوق هذا كله، كانت إميليا هادئة. لم ترفع يدها، لم تبتسم، بل بقيت تنظر إلى خصمها الساقط، متجاهلة كل الهتافات التي علت من الأسفل.

‘لم ينتهي الامر بعد…’

اتجهت ببطء نحو الحافة، عيناها تمسح المكان بحده. مرت بنظرها على الجنود، على الثوار، على أطلال الساحة المشتعلة، ثم توقفت فجأة، وكأن شيئًا ما جذب انتباهها.

في الجهة الخلفية من القصر… شخصان يقفان في الظلال… اوريل وايروها.

تمتمت إميليا بصوت خافت، وكأنها لا تصدق ما تراه. لكنها لم تكن تهتم باوريل بل. بجانبه، وقفت فتاة بشعر بنفسجي قصير، ملامحها مألوفة بطريقة يصعب تجاهلها.

لكن"ايروها"هذا الاسم لم يكن ما خرج من شفتيها، بل اسم آخر.

“الأميرة كاوري؟”

نهاية الفصل.

2026/03/26 · 27 مشاهدة · 1356 كلمة
نادي الروايات - 2026