28 - أميرة من الماضي… وعدوّة من الحاضر

في قاعة احتفالية ضخمة داخل القصر الإمبراطوري، حيث كانت الأجواء تعج بالحيوية والبهجة. الأضواء تتلألأ، والروائح العطرة تفوح من الأطعمة الفاخرة التي تم إعدادها خصيصًا لهذه المناسبة. الأطفال الملكيون يركضون ويلعبون بين الأرائك الملكية، بينما ضحكات النبلاء تملأ المكان وتضيف مزيدًا من البهجة.

في زوايا القاعة، كانت الأضواء الخافتة تعكس بريق الثريات الذهبية، والأنغام الموسيقية الكلاسيكية تنساب برقة في الأرجاء.

إميليا، البالغة من العمر 15 عامًا، تحمل كأس عصير بيدها وهي تمشي بخفة عبر القاعة. عيناها تبحثان عن طاولة صغيرة في الزاوية، حيث جلس ثلاثة أطفال بعمر الثامنة.

كاوري، بشعرها البنفسجي الطويل الذي يتماوج مع كل حركة بسيطة، كانت تجلس مستقيمة، تعكس ملامحها هدوءًا لا يتناسب مع عمرها الصغير. بجوارها جلس إميليو، شعره الأحمر يعكس شخصيته التي لا تهدأ. أما الطفل الآخر، ذو الشعر الأصفر، فكان أكثر هدوءًا، يتناول قطعة حلوى بصمت بينما ينظر حوله بعينين متفحصتين.

“كيف حالكِ، كاوري؟” قالت إميليا، وهي تنحني قليلًا لتصل إلى مستوى نظرها، وابتسامة لطيفة تعلو وجهها.

كاوري رفعت رأسها، وعيناها التقيتا بعينيها. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأجابت بصوت هادئ:

“بخير، شكراً لسؤالكِ."

لكن إميليو، تنهد بتذمر واضح:

“ألا يجدر بكِ أن تلتقي بنا أكثر؟ نحن بالكاد نراكِ هذه الأيام، كاوري.”

ضحكت بخفة:

“وهل يجب أن أترك كنزي من الكتب فقط لأجلس معك؟”

إميليا وضعت يدها على كتف إميليو بخفة، وقالت بابتسامة:

“كاوري لديها عالمها الخاص. ومن الجميل أن تجد شيئًا تستمتع به، لذا ما دامت بخير فهذا يكفي.”

لكن كاوري، رغم ابتسامتها، بدا عليها شيء من التردد، وكأن هناك ما تخفيه:

“أجل… أنا بخير.”

تبادلت إميليا وكاوري نظرات صامتة، مليئة بفهم غير معلن. وكأن الكلمات التي لم تُقال، كانت أثقل من تلك التي قيلت.

لكن في تلك اللحظة، لم يكن هناك حاجة لقول المزيد. الضحكات عادت لتملأ القاعة، بينما استمرت الحياة الملكية في الانسياب كالنهر، يحمل في طياته لحظات صغيرة كهذه، تشكل جزءًا من ذكريات لا تُنسى.

-

هبطت إميليا من السقف بخفة كريشة في مهب الريح، قدماها بالكاد لامستا الأرض، وحولها هالة من الثقة المهيبة. ابتسامتها أشرقت كأنها تضفي دفئًا على المشهد المتوتر.

“لم أركِ منذ وقت طويل، كاوري.” قالتها بحماسة مشوبة بالشوق.

لكن في الخلفية، كان أوريل يراقب كل شيء بعيون نارية. ركز نظره على إميليا، وشعر بها كأنها تهديد في غير محله. كانت إميليا بالنسبة له جزءًا من الإمبراطورية، والعدو لا يُقابل بابتسامة.

ارتفعت شعلة نارية في راحة يده، تأهب للهجوم، لكن قبل أن ينطلق، رفعت إيروها يدها بخفة أمامه، حاجزةً بينهما.

“توقف، أوريل.” قالتها بنبرة هادئة وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها.

وجه أوريل نظرة متفحصة نحوها، محاولًا فهم ما يحدث، لكن عيني إيروها كانتا موجهتين نحو إميليا.

“وأنا أيضًا سعيدة برؤيتك، إميليا.”

بدا الموقف غريبًا بالنسبة لأوريل، لكنه اكتفى بالصمت، عاقدًا حاجبيه ومراقبًا الوضع بحذر.

تحركت إميليا نحو إيروها بخطوات هادئة، ثم احتضنتها كما لو كانت أختًا ضائعة منذ زمن طويل:

“سعيدة لأنكِ بخير، كاوري.”

تجمد أوريل في مكانه للحظة، عيناه تتسعان ببطء وهو يكرر الاسم بصوت مبحوح:

“كاوري…!؟”

أبعدت إيروها نفسها قليلًا، لكنها لم تنظر نحو أوريل. بل أخفت وجهها خلف خصلات شعرها، كما لو كانت تحاول الهروب من المواجهة المباشرة.

ثم ابتسمت بخجل وأجابت:

“نعم، لكن اسمي الآن لم يعد كاوري… بل إيروها.”

إميليا، التي فهمت التلميح بسرعة، أومأت برأسها بابتسامة:

“إيروها إذن… حسنًا، فهمت. لن أسأل عن الأسباب الآن.”

لكن الصمت الذي لف إيروها بعدها لم يكن مألوفًا. أوريل، الذي اعتاد على طبيعتها المشاكسة، وجد صعوبة في فهم هذا الجانب المختلف منها.

‘إيروها التي لا تكل ولا تمل من إزعاجي… تصمت الآن؟ هذا ليس طبيعيًا.’

قطعت إميليا الصمت بخفة وهي تضع يدها على رأس إيروها، تملس على شعرها وكأنها طفلة صغيرة:

“لكن تأكدي من شيء واحد: لن أسامحكِ على إخفاء أشياء عن أختكِ الكبرى.”

ضحكت إيروها ضحكة خفيفة، ثم غيرت الحديث سريعًا، كأنها تحاول إبعاد الاهتمام عنها:

“كيف حال إميليو؟"

أدار أوريل رأسه مستغربًا، ‘إميليو؟’

إميليا، وقد ازداد بريق عينيها، أجابت بفخر واضح:

“إنه بخير. تخرج من الأكاديمية الإمبراطورية، ويعمل الآن بجانب الأمير الإمبراطوري ريكارد.”

ارتسمت ابتسامة مليئة بالسرور على وجه إيروها:

“هذا رائع! أعلم أنه سيكون مميزًا… الأمير ريكارد أيضًا شخص رائع. لكن هل تغيّر؟”

ضحكت إميليا، وهزت رأسها:

“أوه، ليس كثيرًا. لا يزال بنفس الأسلوب الساخر الذي لا يتغير… دائمًا يسخر من كل شيء لا يثير فضوله. لكنه يبقى ذلك الفتى الذي يحب الكتب والحياة.”

لمعت عينا إيروها بالفرح، كأنها تستعيد ذكرى قديمة تركتها وراءها منذ زمن طويل.

-

في الماضي…

كانت العلاقة بين إيروها وإميليو أشبه بعلاقة النار والثلج – تباين واضح في شخصياتهما، لكن في الأعماق، كان كل منهما يكمل الآخر بطريقة غريبة.

إيروها كانت مرحة، حماسية، ترى الجمال في كل شيء، حتى الأشياء التي يراها الآخرون عادية أو تافهة. بينما كان إميليو عميق التفكير، هادئًا، يميل إلى التحليل والتشكيك في كل شيء، وكأن الحياة لا تستحق أن تُنظر إليها إلا من خلال عدسة المنطق.

في أحد أيام الربيع، كانت إيروها الصغيرة تقف في حديقة القصر، تنظر بإعجاب إلى زهرة خضراء نادرة نمت بين الأشجار. عيناها كانتا تلمعان كالأحجار الكريمة وهي تهتف بحماسة:

“واه! إنها جميلة جدًا!”

على بعد خطوات، جلس إميليو تحت شجرة، يقرأ كتابًا سميكًا بين يديه. لم يرفع رأسه حتى من بين الصفحات، واكتفى بالنظر بطرف عينه إلى الزهرة، ثم قال بلهجة باردة:

“خضراء؟ هل أنتِ متأكدة أنها زهرة وليست جزءًا من الشجرة؟”

استدارت نحوه بسرعة، والغضب يتطاير من عينيها كما لو أنه أهان شيئًا ثمينا:

“اخرس!”

ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، وكأنه يستمتع برؤيتها غاضبة.

ورغم تلك المشاحنات اليومية، كانت بينهما لحظات جميلة لا تُنسى جعلت إيروها ترى فيه شقيقًا تحتمي به.

في إحدى مغامراتهما في غابة شيرود، عندما كان عمرهما سبع سنوات فقط، واجهتهما مجموعة من الذئاب الجائعة. كان قلبها يدق بعنف، لكنها حاولت التظاهر بالشجاعة.

إميليو، على عكسها، لم يهرب أو يصرخ. وقف أمامها، ممسكًا بعصا خشبية كان قد التقطها في طريقه، وقال بنبرة حازمة:

“كاوري، قفي خلفي.”

رغم صغر سنه، كانت عينيه مليئة بالإصرار والحماية، كان يواجه تلك الذئاب وكأنه فارس يحمي أميرته.

بقيت إيروها مختبئة خلفه، تراقب بصمت كيف أبعد الذئاب بحزم، دون أن يظهر عليه الخوف ولو للحظة.

بعدما عادوا بسلام إلى القصر، جلست بجانبه في الحديقة، وعيناها تحدقان في السماء.

قالت بصوت خافت:

“شكرًا لك، إميليو… كنت شجاعًا جدًا اليوم.”

اوما براسه وهو يقرأ كتابا، ابتسمت بخفة وهي تنظر اليه.

كان إميليو يقف بجانبها دوما، يحميها ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، دون أن يتردد لحظة في الحفاظ على سلامتها.

-

وقفت إميليا تحدق في الأفق، عيناها تعكسان مزيجًا من الحنين واليقظة.

التفتت نحو إيروها وسألتها بجدية:

“ما هدفك الآن؟”

أجابتها إيروها بنظرة حازمة، كما لو كانت عازمة على شيء عظيم:

“إنقاذ العالم.”

اقتربت إميليا بضع خطوات، ووضعت يدها بلطف على رأسها كما لو كانت لا تزال تلك الفتاة الصغيرة التي اعتادت رعايتها:

“هذا هدف نبيل… لكن اعلمي أن هذا يعني أننا سنقف ضد بعضنا البعض قريبًا.”

أضافت بنبرة ماكرة وهي تهمس قرب أذنها:

“وفي المرة القادمة، لن أرحمك.”

إيروها كانت تحاول كتم ابتسامتها، لكنها لم تستطع. فجأة، رفعت لسانها كطفلة صغيرة وقالت بتحدٍّ:

“هذا جيد… سأهزمك حينها."

ضحكت إميليا، وبدأت تستدير ببطء. خطواتها كانت خفيفة لكنها مليئة بالثقة.

“سأغادر الآن."

لكن إيروها لم تستطع مقاومة استغرابها وسألتها بسرعة:

“بجدية…لن تمسكينا الان؟”

توقفت للحظة، ثم التفتت برأسها فقط، نظرة غامضة ارتسمت على وجهها، كأنها تعرف أكثر مما تقول، ثم ردت:

“في المرة المقبلة. عليك الهرب الآن.”

أجابت سريعًا بعزم:

“لن نهرب قبل أن تنجح مهمتنا.”

لم ترد إميليا، بل قفزت بخفة إلى الأعلى، خطواتها كانت هادئة لكنها محملة بحضور طاغٍ.

عندما وصلت إلى السقف، نظرت نحو المكان الذي سقط فيه فومهيتو. لكن، لم يكن هناك أحد.

همست لنفسها بحيرة:

“اين اختفى…؟"

وقفت في مكانها لوهلة، عيناها تجوب الساحة أسفل القصر، حيث كانت سومي و هيمارا وجنودها يتحركون بين الركام.

“إلى أين ذهب حقًا؟” قالت بلهجة مندهشة، تتساءل عن المكان الذي اختفى فيه.

-

خلف القصر، وقف أوريل بجوار إيروها،

ابتسمت إيروها، تلك الابتسامة التي تحمل في طياتها أسرارًا لم تُحكَ بعد، وقالت بصوت هادئ:

“لديك فضول، أليس كذلك؟ حسنًا، سأجيبك.”

خطت خطوة للأمام، ثم أدارت رأسها للخلف بابتسامة:

“أنا من عائلة كارياس الملكية. ابنة الملك كاسبر، سيد سجن الرعب .”

تذكر أوريل حديثها عن إمبراطورية ستارفيل، حيث قالت:

{يوجد ثلاث ملوك لا يحكمون ممالك. واحدهم الملك كاسبر، سيد السجن الأكبر في العالم.}

تذكر أيضًا صمتها الغريب قبل أن تذكر هذا الاسم، وكأنها كانت تخفي شيئًا عن هذا الملك.

نظر إليها بتمعن، لكن صمته العميق لم يكن ما توقعت. لم يسأل، لم يعترض، فقط اكتفى بالصمت.

قطبت جبينها قليلاً، ثم قالت بنبرة تحدٍّ:

“إذا كان لديك شيء لتقوله، فقله مباشرة.”

لكنه ظل ثابتًا، وكأن كلماته تنتظر الوقت المناسب للخروج.

تنهّدت ك أخيرًا، وأشاحت بنظرها بعيدًا:

“لا يهم… المهم الآن أن نكمل المهمة.”

رفعت سيفها بإحكام وأضافت:

“علينا سحب المزيد من الجنود من الجهة الأمامية. المعركة لم تنتهِ بعد."

خارج القصر…

جلس فومهيتو على صخرة ملساء، جسده مثقل بالجروح التي خلفتها المعركة. بجانبه، كانت سيرينا تعالج إصاباته بعناية، يداها تتحركان بثبات، لكن عيناها تحملان قلقًا عميقًا.

“هذا سيؤلم.” قالت وهي تلف الضمادة حول كتفه المصاب.

ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه.

“الألم؟ اعتدت عليه.”

لكن سيرينا لم تضحك، بل رفعت عينيها نحوه بجدية:

“هذا ليس وقت المزاح. تأخرنا هنا سيكلفنا أكثر مما تتخيل."

تنهد فومهيتو ببطء:

" أعلم… ولكن ذلك الاحمق كاييل تأخر"

قالت بقلق:

“إن تأخرنا أكثر، لن تكون النتيجة لصالحنا. ربما ترسل الإمبراطورية جيشًا آخر.”

أوما بموافقة:

“أنتِ محقة. لذلك…”

ابتسم ابتسامة مشوقة، وأضاف:

“سنبدأ بالجد الآن.”

نهاية الفصل

2026/03/31 · 20 مشاهدة · 1476 كلمة
نادي الروايات - 2026