داخل القصر – الدور الثاني
كان الظلام يُغلف المكان، يقطعه ضوء خافت من مصباح قديم.
في عمق الغرفة، جلس رجلان مدرعان على كراسي خشبية عتيقة. خلفهما، امتدت طاولة خشبية طويلة تكدست عليها أسلحة مذهبة و جواهر نادرة .
تحدث الأول، وهو يتفحص سيفًا بأطراف أصابعه، محاولًا كسر الجمود:
“هل يجب أن ننضم إليهم؟ المعركة في الخارج بدأت تصبح فوضوية.”
رفع الثاني رأسه ببطء، وعيناه تضيقان من الغضب المكتوم، قبل أن يضرب الأرض بقدمه:
“أيها الأحمق! نحن هنا لحراسة هذه الأسلحة. إذا فقدناها، لن يبقى هناك شيء يُحارب من أجله.”
صمت الأول للحظة، يتأمل السيف بين يديه، ثم تنهد ببطء وأومأ:
“نعم… أنت محق.”
لكن عينيه لم تفارقا الباب، وكأن شيئًا في داخله يخبره أن الهدوء لن يدوم طويلًا.
-
خارج القصر – بالقرب من الفناء الخلفي
كان أشير يركض بخفة، خطواته بالكاد تُسمع وهو يتلاعب بالحارسين المتبقيين من قوات حرس المخزن. لم يتبقَ سوى اثنين فقط، بعد أن أطاح فومهيتو بثلاثة، وصغّرت إيروها ثلاثة آخرين وألقت بهم خارج القصر، وأسقط رينزو اثنين بدوره.
كانت الحديقة أشبه بساحة لعب، وأشير يستغل كل زاوية فيها، يقفز فوق الشجيرات ويتجاوز النوافير بخفة راقص، بينما الحارسان يطاردانه بغضب كالدببة الجائعة.
“توقف أيها الوغد!” صرخ أحد الحراس، وهو يحاول اللحاق به، لكن أشير لم يفعل سوى النظر للخلف بضحكة مستفزة:
“ومن الأحمق الذي سيتوقف بينما دببتان تطاردانه؟”
للحظة، أومأ الحارس الآخر برأسه موافقًا وكأنه فهم الأمر:
“هممم… محق، من الأحمق الذي…”
لكن صديقه صرخ في وجهه بغضب:
“أيها الغبي! إنه يقصدنا!”
توقف الحارس في مكانه، حدق بأشير لثوانٍ قبل أن يزمجر:
“ماذا؟! كيف تجرؤ أيها الوغد!”
علا الغضب ملامحهما، وزادت سرعتهما فجأة، بينما بدأت الطاقات تتجمع حولهما.
لكن أشير، بابتسامة لا تفارقه، زاد من سرعته أيضًا، محاولًا جعلهما يدوران حول القصر كأنه يُلهيهما بلعبة لا تنتهي. انعكست الظلال على شفرة خنجره الذي لوّح به بمهارة بينما قفز فوق نافورة، وغمغم بصوت منخفض:
“دعونا نرى من سيفقد أنفاسه أولًا.”
كانت الحديقة الخلفية مغطاة بهدوء مخادع، تتراقص فيه الظلال بفعل النيران المشتعلة في القصر البعيد.
إيروها وقفت بجانب أوريل خلف صخرة منخفضة، بينما أصوات خطوات ثقيلة تقترب. بابتسامة ماكرة، نظرت إلى أوريل وهمست:
“حان الوقت لنُنهي هذا بسرعة.”
وقفا معًا كأنهما جزء من الظلال، مختبئين عن الأنظار.
ثوانٍ قليلة مرت قبل أن يقتحم أشير المكان، يركض بخفة بينما الحارسان يلاحقانه بغضب، أصوات دروعهما المدرعة تُحدث صدى في الأرجاء.
“توقف!” صرخ أحد الحراس، لكن أشير ألقى نظرة خاطفة للوراء وقال بنبرة ساخرة:
“قريبًا، قريبًا جدًا.”
لكنه توقف فجأة في المنتصف، حيث وضعت إيروها شفرات معدنية رفيعة بعناية، بالكاد تُرى.
بمجرد أن داست أقدام الحارسين عليها، توهجت الأرض بحقل خلية صغير.
“أوه؟ ما هذا؟”
في لحظة، انطلقت طاقات مغناطيسية كهربائية دقيقة، تسللت تحت الدروع كالأفاعي، و صعقتهما بقوة جعلتهما يصرخان من الألم، محاولين تحرير نفسيهما دون جدوى.
أوريل ، الذي كان يراقب بصمت، تقدم بخطوات هادئة. ابتسم بهدوء، رفع يده إلى الأعلى، وانطلقت شرارات صغيرة من بين أصابعه، تراقصت في الهواء قبل أن تهبط على أجسادهما وتُشعل النيران في ملابسهما المدرعة.
أشير ، الذي توقف أمامهم، نظر إلى الحارسين وهما يصرخان ويتخبطان:
“هلّا أسرعتما بالاحتراق؟ فوجودكما يثير الاشمئزاز .”
في ضربة خاطفة، لوّح بخنجره المغلف بطاقة البيضاوي، قطع بها دروعهما الثقيلة وأجسادهما، لينتهي أمرهما في لحظة.
ثم توجه ببطء نحو إيروها وأوريل، ينفض الغبار عن خنجره، وقال بابتسامة واثقة:
“إذن… كنتم هنا طوال الوقت؟”
إيروها ، التي كانت تتابعه بعينين مليئتين بالمرح، ابتسمت ابتسامة عريضة بشكل غريب، جعلته يرفع حاجبه باستغراب.
“ما بكِ؟ ليس من عادتكِ أن تبتسمي لي بهذه الطريقة.”
عندما اقترب منهما، شعر فجأة بوخز في قدمه، تلاه ألم شديد جعله يقفز في مكانه، صارخًا:
“أاااه! ما هذا؟!”
نظر نحو الأرض، حيث رأى إحدى الشفرات لا تزال مشحونة بطاقة خفيفة. حدق في إيروها بغضب:
“أنتِ!”
ضحكت، وهي تضع يدها على فمها لتخفي ضحكتها:
“كنتُ أختبر إن كنت منتبهًا… هل أنت بخير؟”
“بخير؟! سأريك معنى ‘بخير’ بعد قليل!”
“هدئ من روعك، أشير،” قالت وهي تبتسم بخبث.
-
في مقدمة القلعة - وسط الفوضى…
كان الدخان يتصاعد في الأرجاء، والصراخ يعم المكان، بينما المعركة تحتدم بين الثوار وقوات الإمبراطورية.
إميليا هبطت من السطح بخفة، حافية من أي خوف أو قلق، بمجرد أن لمست قدماها الأرض، رفعت رمحها، ونظرت ببرود نحو سومي التي كانت واقفة على بعد أمتار قليلة.
“هذا يكفي،” قالت بنبرة ثابتة وقوية، “عليكم بالتوقف عن المقاومة.”
لكن، قبل أن تكمل كلامها، انطلق رينزو بسرعة من يسارها، مشتعلاً بطاقته المغناطيسية، محاولًا مباغتتها بضربة قاطعة.
دون أن تلتفت، رفعت يدها اليسرى، وتصدت له بسهولة، ليُصدر صوت ارتطام حاد، أوقفه في مكانه.
تعرق رينزو، وعيناه تتسعان بدهشة:
“كيف؟! ألا تسقطين أبدًا؟”
أدارت إميليا رمحها بحركة بهلوانية، ودفعته للخلف بقوة هائلة، جعلته يترنح في الهواء قبل أن يستعيد توازنه بصعوبة.
بينما كان يتراجع، يحاول التقاط أنفاسه:
“القتال ضدها سيكون أكثر إرهاقًا.”
في تلك اللحظة، عاصفة مهولة اقتحمت الحديقة من الباب الرئيسي كالإعصار، محدثة دوامة أطاحت بجنود الإمبراطورية المتبقين حول سومي و هيمارا ، وفتحت لهم المجال للالتقاط أنفاسهم.
عند بوابة القصر، وقف فومهيتو ، الذي بدا وكأنه شُفي تمامًا. كانت نظرته موجهة نحو الثوار السبعة المتواجدين، إشارة صامتة تحمل معنى خفيًا.
بلا كلمات، انطلق نحو إميليا ، بينما هي، وكأنها توقعت هذا التصادم منذ البداية، قفزت نحوه.
ارتفعت المعركة بينهما إلى السطح، حيث تصادمت طاقاتهما بعنف، تناثرت الشرارات وانعكس وميض الهجمات على الجدران، وكأن القصر نفسه يهتز تحت وطأة قوتهما.
أما في الأسفل، وقف الجنود الباقون – 16 مقاتلًا – يتأهبون، ثم هجموا بلا تردد نحو سومي، هيمارا، ورينزو وبقية الثوار الذين يقاتلون في صف واحد، بدأ الثوار يدفعون الجنود إلى الجهة الشرقية من القصر حيث بدأ القتال يتصاعد مجددًا.
وسط هذا الصراع العنيف، نسيم خفيف تسلل عبر البوابة العملاقة، كأن الهواء نفسه يحمل سرًا خفيًا.
مع كل خطوة، كان الظل يتجسد في هيئة رجل.
عبر الفناء بهدوء، دون أن يعترضه أحد، وعند وصوله إلى الباب الداخلي للقصر، توقف. رفع رأسه ببطء، ناظرًا إلى الحارسان الذين كانوا يقفون في الأعلى يتحدثون بلا اهتمام لما يجري.
فورتاليز ، بنظرته الباردة، همس لنفسه:
“لن يطول الأمر… قريبًا، سينتهي كل شيء.”
نهاية الفصل