2 - صراع اللهب و الجليد… ودموع في الظلال

على حافة قمة جبلية، حيث الصقيع يكسو الصخور والهواء يلسع الجلد، وقف رين بملامحه الجليدية، يقابل ابتسامة ليون المستفزة. كانت الهالة بينهما تتراقص كأنها تستعد للانفجار في أي لحظة.

ليون، وقد وضع يده في جيب معطفه، تمتم بنبرة ساخرة:

"أوه، لقد مر وقت طويل منذ أن رأيتك آخر مرة."

مدّ رين يده اليمنى إلى الأمام، ومع حركة بسيطة من أصابعه، بدأت بلورات الجليد بالتشكل حوله، تدور كعاصفة صغيرة على وشك التحرر:

"حقاً؟ هل ترغب بأن يكون هذا اللقاء الأخير؟"

"تسسسسسس"

هبت الرياح بقوة.

ليون بابتسامة أوسع، تكشف عن مزيج من الحماس والجنون:

"هذا رائع! كنت بحاجة لتحدٍ كهذا."

فجأة، انفجرت عاصفة جليدية من يد رين، زحفت بسرعة كالإعصار، مدمرة كل ما يعترض طريقها. الصخور تجمدت فور ملامستها، والأرض تحولت إلى سطح زجاجي قاتل.

"كششش!"

لكن في نفس اللحظة، وبتلقائية غريبة، ظهرت علامة مربعة تحت أقدام ليون، أضاءت بوميض أحمر داكن.

"كلاككككك"

العاصفة الثلجية، التي كانت كفيلة بإسقاط قرية بأكملها، اختفت ما إن وصلت إلى حدود المربع. وكأن فراغًا مظلمًا ابتلعها تمامًا، تاركًا المكان في حالة من السكون.

ليون وقف بثبات، وعيناه تتوهجان بحدة، بينما رسمت شفتيه ابتسامة خافتة، كمن يعبث بلعبة لا أكثر.

"هل هذا كل ما لديك!! يا جليدي؟" قالها وهو يخرج يده من جيبه ببطء.

في لحظة، اختفى رين من مكانه.

ظهر خلفه كالشبح، سيف جليدي طويل يلوح من يده في صمت قاتل، متجهًا مباشرة نحو عنقه.

لكن، وكأن ليون كان يتوقع ذلك، استدار في جزء من الثانية، ورفع يده العارية لتصد الضربة.

"بوووووم!"

تدافعت الهالتان، جليد رين المتوهج ضد طاقة ليون الحمراء. اصطدامهما صنع دوامة ضخمة من الطاقة، زلزلت الجبل بأكمله، حتى أن الصخور القريبة بدأت تتكسر وتسقط في الفراغ أسفل القمة.

تراجع الاثنان للخلف، يفصل بينهما بضعة أمتار فقط، ولكن الشرر الذي يتطاير من أقدامهما كان كفيلًا بجعل الجو ثقيلًا بما يكفي ليمنع التنفس.

في زاوية المعركة، وقفت إميليا، تراقب التصادم المشتعل بينهما.

عندما تصاعدت طاقة التصادم وانفجرت في موجة طاغية، تحركت بخفة البرق، واقفة كحاجز أمام الجنود الذين وقفوا متجمدين من الرعب.

"كــــانــــغ!"

صدّت الضربة بمنجلها الفضي الذي انطلق كوميض يقطع العتمة. الشرارات تراقصت حول شفرة المنجل، والأرض اهتزت تحت قدميها، لكنها لم تحرك ساكنًا.

رفعت رأسها، وعينيها تلمعان بتحدٍ. الأمواج ارتدت عنها، تاركة خلفها هالة خافتة من الطاقة المتلاشية، وكأنها حطمت على صخرة لا يمكن تجاوزها.

خطت خطوة للأمام ونادت بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقة جبارة:

"هل تريد المساعدة للقبض عليه بسرعة؟"

رين، دون أن ينظر إليها، أشار بيده إشارة طفيفة، وعيناه لا تزالان موجهتين إلى ليون:

"لا حاجة لمساعدتك. هذا بيني وبينه."

ضحك ليون، وانطلقت من عينيه شرارة تحدٍ:

"أوه، هل أنت متأكد؟ قد تحتاجها قريبًا. بدونها، لن تصمد طويلًا."

أدار وجهه نحو إميليا وهو يغمز:

"ما رأيكِ؟ مواجهة ثنائية أفضّلها أكثر"

انعكست ابتسامة خافتة على شفتي إميليا، بينما ألقى رين نظرة حادة عليه، قائلاً بصوت منخفض لكنه يحمل نغمة من الغضب المكبوت:

"يا لك من مغرور... هل نسيت من أكون؟"

مدّ يده للأمام، وبدأت بلورات جليدية تتشكل في الهواء من حوله. كانت تتراقص كخناجر قاتلة، تعكس ضوء الشمس بألوان باردة.

"كشششش!"

صوت الأسهم يخترق الهواء. رين بصوت يعلوه الكبرياء:

"أنا رين...ابن إمبراطورية الجليد، ووريث عائلة الجليد العظمى، إحدى العوائل الثلاث الأسطورية!"

بمجرد انتهاء كلماته، انطلقت العشرات من الأسهم الجليدية نحو ليون بسرعة خاطفة، تشق الهواء كسهام الموت.

"كششششش!"

لكن ليون، كعادته، اكتفى بضحكة ورفع حاجزًا مربعًا أمامه.

"كلاكككككك"

امتص الحاجز الهجوم وكأن الجليد لم يكن سوى زوبعة هواء عابرة.

"يا له من إرث عظيم، ومع ذلك…"

امال راسة للجانب الايمن و الابتسامة توسعت.

"تخدم عدو عائلتك التاريخي؟ تعمل لصالح الإمبراطورية التي يجب أن تكون منافسا لعائلتك؟ يا له من تناقض. هذا ليس إلا ضعفًا."

توقف رين، وعيناه تضيقان ببطء. ارتفع البخار من جسده مع زفير بارد، وكأن الجليد يستجيب لغضبه.

"فووووووش!"

مع كل نفس، كانت الأرض تتحول إلى طبقات من الجليد الكثيف، تشققت الصخور تحته ببطء،

"تشششششككك"

وزحفت بلورات الجليد نحو ليون كأنها وحوش متعطشة لتمزيقه.

قال رين، وصوته كان كأصداء جبلية تتردد في الوادي:

"الكلمات... لا تعني شيئًا في ساحة المعركة."

وقف ليون مسترخيًا، واضعًا يديه على صدره:

"حسنًا... أرني إذًا ما يستطيع ابن الجليد فعله."

اندلعت معركة جديدة بينهما، أقوى من ذي قبل. كان كل ضربة تهز الجبال من قوتها، وكل تصادم بين الهالتين يملأ الأجواء بالشرر.

وفي الخلف كان الجنود يراقبون بقلوب متجمدة، جسدهم يرتعش رغم بعدهم عن ساحة المعركة.

أحد الجنود، بصوت يرتجف:

"هل... هل نحن حقًا في مواجهة بشر؟"

لم يجب أحد... لأن الجميع كان يعلم أن ما يشاهدونه لم يكن مجرد قتال. بل كان حربًا بين أساطير

في ساحة المعركة الخلفية… على أطراف الجبل

وسط أصوات التصادم وصيحات القتال، ظهرت فتاة تسير بخطوات واثقة. شعرها الأحمر كان يتمايل خلفها مع كل حركة، وملابسها السوداء المدرعة تعكس شحوب ضوء الشمس، لتبرز ككيان لا يُستهان به.

تألقت عينها الحمراء بنظرة يقظة حادة، بينما تغطي رقعة سوداء عينها اليمنى، تضفي عليها حضورًا مربكًا بين الرهبة والغموض.

أنفاسها منتظمة، ولكن أفكارها كانت تتصارع داخل عقلها.

'ما الذي يحدث هنا؟ لا يمكن أن تكون الرسالة التي تلقيتها مجرد خدعة...؟'

تحركت بسرعة أكبر، قدماها تخطو فوق الأرض كأنها تعرف مسبقًا كل مسار داخل تلك المتاهة الجبلية. عندما اقتربت من مركز القتال، رأت ظلال الجنود تزدحم أمامها، معركة لم يكن يجب أن تكون جزءًا منها.

"ابتعدوا."

صوتها اخترق الهواء كالسهم، مزلزلًا من حولها.

لكن عندما لم يسمعها الجنود، رفعت يدها إلى مستوى كتفها، وبتلويحة واحدة، اجتاحت موجة هائلة من الطاقة المظلمة الساحة.

"بــــوووم!"

تطاير الجنود واحدًا تلو الآخر كأن زلزالًا انفجر تحت أقدامهم، وارتطموا بالأرض بقوة جعلتهم يئنون من الألم.

عندما هدأت الساحة، رفعت ذقنها قليلًا، ومسحت الغبار عن درعها بإيماءة بطيئة و ادركت للتو...

"الجيش الإمبراطوري...؟"

صمتت للحظة، ثم أضافت بنبرة مندهشة لكنها لم تخلُ من الغضب:

"ما الذي تفعلونه هنا؟"

الجنود، الذين كانوا لا يزالون يحاولون النهوض، اكتفوا بالنظر إليها بتوتر، ولم يجرؤ أحد على الرد.

التعريف الرسمي:

• الاسم: اوليسيا

• اللقب: الصائدة البدائية

• المكانه: رئيسة تحرير

• العمر: 25

• المستوى: معين

وسط ارتجاج الأرض وهدير المعركة، استدار ليون للحظة، عيناه متسعتان بصدمة وهو يصد هجومًا جليديًا آخر من رين.

"أوليسيا؟! ماذا تفعلين هنا؟"

ظهرت عند حافة الساحة، واقفة بثقة وسط الجنود الساقطين، شعرها الأحمر الطويل يتراقص مع الرياح.

"السؤال الأهم هو: ماذا تفعل أنت هنا؟ يبدو أن الرسالة التي تلقيتها لم تكن كاذبة."

ضاقت عيناه، وارتسمت على وجهه ملامح الحيرة:

"رسالة؟ أي رسالة؟"

شعر بضيق يزداد داخله، لكنه تجاهل ذلك، متيقظًا للهجوم التالي الذي قد يأتي من رين في أي لحظة.

'هذا غريب... لم أتوقع قدومها إلى هنا. الرسالة التي تلقيتها لم تكن بهذا الوضوح، لكن لا وقت الآن للبحث عن إجابات.'

على الجانب الآخر، علت ابتسامة جليدية على شفتي رين، وهو ينظر إلى الثنائي الذي بات الآن في مرمى أهدافه.

"اثنان من رؤساء التحرير في مكان واحد؟ لا أصدق حظي اليوم... يبدو أن الإمبراطورية ستحتفل بنصر كبير قريبًا."

ضحك ليون ساخرًا، وهو يفرقع اصابعه:

"القبض علينا؟ لا أظن أنك تملك تلك الرفاهية، من الأفضل أن تستيقظ من أحلامك الجليدية."

في لحظة، قفزت أوليسيا بسرعة خاطفة، متجاوزة الجنود الذين ما زالوا يحاولون النهوض، لتقف بجانب ليون. لكن...

"ششششاككك!"

خرجت شفرات طاقة بيضاوية من الأرض بشكل مباغت، تقطع الهواء نحوها كحفيف الأفاعي.

"هممم؟"

تراجعت بخفة، خطواتها تلامس الأرض بهدوء وهي تتفادى الشفرات، عينها تراقب المصدر.

خلفها، وقفت إميليا، رمحها مغروس في الأرض، وعلى شفتيها ابتسامة مليئة بالتحدي.

"لا تعتقدي أن بإمكانكِ التسلل بهذه السهولة. الأمور هنا أكبر مما تتخيلين."

حدّقت أوليسيا فيها، ثم ابتسمت بخفة:

"محاصرون إذًا؟ يبدو أن هذه الليلة لن تخلو من المرح."

عندما ازدادت كثافة الجليد حولهم، كأنه أشواك تنتشر لتغلق كل مخرج، تسلل شعاع شمس أخير ليلمع فوق رمح إميليا. كانت المعركة على وشك الانفجار.

وقف ليون وأوليسيا، ظهريهما متقابلان، يواجهان رين وإميليا.

"هل أنت مستعدة؟" سأل ليون بابتسامة جانبية.

"دائمًا،" أجابت، بينما تشع عينها ببريق لا يرحم.

صوت الجليد وهو يتشقق، وصوت الرمح وهو يلامس الأرض...

كان الانفجار وشيكًا، والهجوم الحاسم مجرد لحظات.

-

في منطقة نائية…

بين الأشجار الكثيفة، كان دار الأيتام يقف شامخًا كرمز للأمل والحياة، حيث يتم الاعتناء بالأطفال الذين فقدوا كل شيء. أصوات ضحكاتهم الخافتة كانت تتسلل بين الأغصان، تعكس براءة لم يمسها العالم الخارجي بعد.

لكن...

على قمة إحدى الأشجار، وقف رجل بزي عسكري ملكي، عباءته الأرجوانية ترفرف بخفة في نسيم الغابة. ابتسامة مشحونة بالخبث تعلو شفتيه، بينما تنعكس أشعة الشمس على الأوسمة التي تزين صدره.

خلفه، جنود بوجوه جامدة، أعينهم خاوية كأنها بلا روح. لا أحد منهم تحدث أو أظهر أي اعتراض.

الرجل، وهو يراقب الأطفال الذين يمرحون داخل الدار، أدار رأسه قليلاً وقال بصوت بالكاد يسمع، لكن كلماته ثقيلة:

"حان وقت الاحتفال."

أخرج من جيبه عود ثقاب، وأشعله ببطء، راقب اللهب المتراقص وهو ينعكس في عينيه الجشعتين، بينما تسللت ضحكة خافتة من حنجرته.

مد يده للأمام، يترك الشعلة تقترب من أحد أغصان الأشجار الجافة.

"بفففف..."

صوت اللهب وهو يشتعل كان كافيًا لتمزيق هدوء الغابة.

ألقى عود الثقاب.

داخل دار الأيتام...

كانت الحياة تدب في كل زاوية. أصوات الضحكات ووقع الأقدام الصغيرة تملأ الأرجاء، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ، تعكس دفئًا يشبه قلوب الأطفال الذين يعيشون هناك.

"روميا، الطعام جاهز!"

نادت المعلمة بلطف، بينما كانت ترتب طاولة الطعام.

ركضت الطفلة الصغيرة روميا بفرح نحو غرفة الطعام، ضحكتها تعلو في المكان كجرس صغير، وخلفها تدفق بقية الأطفال، يتدافعون ويتسابقون للوصول إلى الطعام أولًا.

لكن وسط هذا الجو الحميمي، توقفت المعلمة فجأة. شعرت بحرارة غريبة، دفعت خصلات شعرها للتطاير برفق كأن أحدهم مر بجوارها.

"يا له من حر... من أطفأ المكيف؟"

تمتمت وهي تقترب من الجهاز، نظرت إليه بعينين مستغربتين. الوحدة كانت تعمل، لكنها لم تفهم سبب تصاعد الحرارة المفاجئ.

التفتت للخلف ببطء، قلبها بدأ ينبض بشعور غريب، كأن المكان يخفي سرًا مظلمًا. وما إن التفتت بالكامل حتى...

"آآآآآآه!!!"

صرخت بصوت عالٍ وهي ترى النيران تشتعل فجأة في أرجاء الدار، تلتهم الجدران والأثاث بسرعة جنونية.

في مكان كان ينبض بالأمل والحياة، حيث الضحكات ملأت الأركان، تحول كل شيء في لحظة إلى رماد.

النار لم تميز بين ضحكة طفل أو نداء معلمة.

كان الموت هو الضيف الوحيد في ذلك اليوم.

نهاية الفصل

2026/01/03 · 15 مشاهدة · 1572 كلمة
نادي الروايات - 2026