32 - ظهور الأسد الأحمر… تحدي الوحش

في ساحة المعركة، حيث كان الدمار، ساد صمت ثقيل. الجميع، من ثوار وجنود الإمبراطورية، وقفوا يراقبون بريبة وهيبة.

انتصب ريختر كوحش، جسده غارق في الدماء وهالته تخترق قلوب الجنود كرمح مسموم.

عيون الثوار، التي كانت تحمل بصيص أمل، امتزجت بالدهشة والخوف. رؤيته يقف من جديد بدت وكأنها صفعة أخرى تعيدهم إلى أرض الواقع المرير.

لكن وسط هذه الأجواء المتوترة، لم يكن المشهد مبشرًا للجميع.

ليون ، الذي كان يقف عند البوابة، لم يتردد. بخطوات ثابتة، تقدم نحو ريختر حتى وقف أمامه مباشرة.

"كفّوا عن الخوف والنحيب، أيها الحمقى… فإظهار ضعفكم أمام العدو هزيمة بحدّ ذاته…ألا توافقني، يا سوما؟"

كان سوما منهارًا… تحت وطأة ضربات تيرا الوحشية.

عيناه تفيض بالحزن… والغضب.

تراجع خطوة… ثم أخرى، صدره يعلو ويهبط بعنف، يحاول كبح ارتعاشه… وأن يقف.

‘أفهم ذلك… ولكن…’

ارتجفت قبضته… ثم اشتدت.

رفعها— بعينين تشتعلان.

“لن أسامحهم… أبدًاااا!"

اما عند ريختر الذي رفع رأسه ببطء، ليجد ليون يحدق فيه بعينين باردتين. لم يكن هناك أي كلمات. لا تهديدات أو حوارات درامية.

ليون تحرك بسرعة خاطفة. يده انطلقت كالبرق، مخترقًه الهواء، لتضرب صدره بقوة مدمرة.

ارتفع جسده للحظة في الهواء قبل أن يرتطم بالأرض، محدثًا دويًا عميقًا هز أركان المكان.

تصاعد الغبار وعندما انقشع، ظهر ليون واقفًا، يُخفض قبضته ببطء.

همس بسخرية خافتة:

“لا تنهض إلا إذا كنت مستعدًا للبقاء.”

حدّق في جثة كاييل بصمتٍ ثقيل، حتى بدت ملامحه وكأن الظلال ابتلعتها تدريجيًا، واسودّ وجهه بغموضٍ خانق لا يُفهم أهو حزن… أم غضبٌ أعمق من الكلمات.

ارتجفت أنفاسه قبل أن يهمس بصوتٍ مبحوح:

“يا للقائد الذي خسرناه…”

وفجأة، اخترق عقله ذلك الصوت القديم… ضحكةٌ يعرفها جيدًا.

[يوه ليون! أصبحتَ رئيس التحرير! ما فعلته مذهل يا صاح، لقد وصلت أخيرًا! ههههه!]

اهتزّت حدقتاه للحظة:

“(كفّ عن الغرور… ما وصلتُ إليه ليس سوى لقب. أما البقية… فقد تجاوزتُك فيها.)”

وفي اللحظة التالية، رفع رأسه بسرعة.

اندفعت إميليا نحوه كإعصارٍ هائج، الرياح تعصف بخصلات شعرها المتطايرة، وعيناها مشتعلة بالقلق والفوضى، بينما كانت تتقدّم بلا تردد… تاركة فومهيتو خلفها دون أن تلتفت إليه حتى.

كان بدوره يقف بثقة على بعد أمتار، يراقبها وهي تقترب، قبل أن يتحدث بسخرية:

“أنتِ هنا أيضًا؟”

ثم أكمل بابتسامة جانبية، عيناه تلمعان بحدة:

“فهمت الآن… لماذا فشلوا.”

لكنها لم تكن لتمنحه فرصة للاسترسال.

في لحظة واحدة، وقبل أن تطأ قدماها الأرض، أحاطت بها دوائر طاقة متوهجة، انطلقت وانفجرت بشكل مفاجئ. الغبار الكثيف ملأ المكان للحظة، لكنه سرعان ما انقشع، ليكشف عن إميليا التي ظهرت خلفه بسرعة هائلة.

ورغم المفاجأة، لم يلتفت. بل اكتفى بابتسامة خفيفة وهو يهمس:

“كما هو متوقع… من فارسة الحرب.”

وقبل أن يرد الضربة، انتفض جسده فجأة بشعور مألوف لكنه مرعب. هالة قاتلة ارتفعت من الجانب.

قفز للخلف بحركة سريعة، وهبط على بعد أمتار، تاركًا المسافة الكافية ليدرك مصدر التهديد.

ريختر… نهض من بين الركام، جسده مغطى بالدماء، لكن ما أثار الرعب لم يكن جراحه، بل ابتسامته المريعة . تلك الابتسامة التي زادت من هيبته الغامضة، وكأن كل ألم قد زاده قوة.

عيناه الخضراوان كانتا تلمعان كجمرتين، والغضب الذي شع منهما كان صامتًا لكنه قاتل.

صوت طقطقة مفاصله ارتفع وهو يشد قبضتيه. والغبار لا يزال يتطاير حوله. رفع رأسه قليلًا، ناظرًا نحو بوابة القلعة الداخلية.

“هل دخل أحدهم القلعة؟”

على الفور، التفت إلى إميليا، وصوته اكتسى بنبرة صارمة لا تحتمل الجدل:

“تولي أمرهم هنا، سأدخل القلعة.”

أومأت إميليا بثقة، لكنها لم تخفِ القلق في عينيها وهي تراقب القائد الملكي يتجه بخطوات ثقيلة.

إلا أن تلك الخطوات توقفت فجأة.

وقف أشير أمامه، سيفه مشتعلاً بالحماس وعيناه تومضان بعنادٍ لا يناسب الموقف.

نظر ريختر إليه كما ينظر إلى عقبة لا تستحق عناء الالتفاف حولها. رفع حاجبه بتعجبٍ ساخر:

“ماذا تريد؟”

أجاب أشير على الفور، وبنبرة مليئة بالتهور المعتاد:

“ وما الذي قد يدفعني غير إيقافك؟ ”

في تلك اللحظة، ضحك. ضحكة كفيلة بأن تجعل الهواء يثقل حول أشير.

“أنت؟ ستوقفني؟”

تقدم خطوة واحدة فقط، لكن الأرض اهتزت. كانت هالته أشبه بمطرقة ثقيلة هبطت على كتفي أشير، ضغط خانق كاد أن يسلبه أنفاسه.

ورغم ذلك وقف أشير في مكانه، لكنه شعر وكأن قدميه تغوصان في الأرض.

كان مظهر ريختر وحده كافيًا لزرع الرعب؛ لحية كثيفة غير مهذبة، شعر ذهبي يتطاير بفعل الرياح، ووجه مغطى بجروح.

لكن، رغم كل هذا… خطى خطوة للأمام.

رفع سيفه بخفة، والتقط نفسًا عميقًا، قال بابتسامة متهورة:

“أجل، أنا الذي سيوقفك.”

ثبت قدميه في الأرض، وسيفه يتوهج لملاقاة وحشٍ يفوقه قوة بعشرات المرات.

لم يكن في الأمر منطق… لكنه لم يكن بحاجة إلى منطق.

في الحديقة الشرقية…

كانت أصوات السيوف والطاقة تتردد بين الأشجار والنباتات الضخمة، بينما تشتعل المعركة كالنار في الهشيم.

سومي وهيمارا كانا يقفان في مقدمة الثوار، يتصدون لقوات الجيش المتدفقة دون توقف. كلما أسقطا جنودًا، جاء المزيد، وكأنهم لا ينتهون.

هيمارا، تلهث:

"كم هذا مزعج.”

سومي، بنبرة جادة وهي تمسح العرق عن جبينها:

“علينا التراجع الآن.”

التقت أعينهما للحظة، ولم تكن هناك حاجة لمزيد من الكلمات.

هيمارا بإيماءة خفيفة:

“اجل، حان الوقت لاخراجهم من هنا.”

بدأتا في التراجع التكتيكي، متجهين نحو الجهة الأمامية من الحديقة، لكن الجيش لم يكن ليتوقف.

عند البوابة الأمامية، ركضتا باقصى ما يملكون من سرعة و طاردهم الخمسة من الجيش بلا توقف، بينما كانت إميليا تخوض معركتها الخاصة مع ليون.

إميليا، وهي تقاتل بشراسة:

“توقفوا! إنهم يحاولون—”

لكن فجأة،

"شششششاكككك"

اندفعت عاصفة من شفرات الطاقة نحوها بسرعة مذهلة. قفزت للخلف، ودارت في الهواء بحركات بهلوانية لتتفادى الشفرات المتتالية.

ليون، بابتسامة واثقة:

“تفادٍ جميل… لكن إلى متى؟”

قبل أن تستعيد توازنها، كان قد أطلق سيلًا جديدًا من الهجمات. شفرات طاقة اجتاحت الهواء، تمزق كل ما يعترض طريقه.

رفعت رمحها، وبدأت في تدويره بسرعة. بإيماءة قوية،

"تش تش تش تش"

أطلقت سلسلة من الضربات الهلالية التي تصدت للهجوم القادم،

"بومممم"

لكن ليون كان يخطط لما هو أكبر، وضع يده على الأرض، وفي لحظة،

"كلاكككك"

تشكل حاجز ضخم أمامه، تصدى لكل هجماتها بسهولة.

“أتعرفين؟ من الممتع رؤيتك تحاولين.”

لكن إميليا لم تكن لتتوقف. ركزت طاقتها، ورفعت رمحها عاليًا، ثم وجهت ضربة هائلة حطمت جزءًا من الحاجز، محدثة شرخًا كبيرًا فيه.

ليون، دون أن يُظهر أي قلق، ألغى الحاجز بلمسة خفيفة، وانطلق نحوها بسرعة البرق.

إميليا، بابتسامة ثقة وهي ترفع رمحها من جديد:

“هيا إذن… أرني ما لديك.”

في أعماق الغابة…

بين الأشجار الكثيفة وضوء القمر، كانت أنفاس سومي وهيمارا تتسارع، وصوت خطوات الجنود خلفهما تقترب أكثر فأكثر.

هيمارا، تلهث وهي تنظر خلفها:

“إنهم لا يتوقفون…!”

سومي، بابتسامة واثقة رغم التعب:

“بضع خطوات أخرى.”

فجأة، بمجرد أن وطأت أقدام الجنود أرض الغابة، دوى صوت فرقعة عالية، الأرضية انهارت، والحبال انطلقت في كل الاتجاهات، مشكّلة شبكة ضخمة احتجزت الجنود في الهواء بينما انغلقت الأرض تحتهم وانفجرت طاقات مغناطيسية اسفلهم.

استدارتا وهم ينظرون نحو الفخ، التقت أعينهما، وابتسمتا، قبل أن تضربا راحتيهما ببعض، كإشارة لنصر صغير وسط الفوضى.

لكن سرعان ما خارت قواهما. الإرهاق الذي كان يتربص بهما طوال المعركة بدأ يظهر. جلستا على الأرض، وأخذتا تلهثان.

ظهرت سيرينا من خلف الأشجار، تسير بخطوات هادئة وابتسامة مفعمة بالفخر ترتسم على وجهها.

“لقد أديتما عملًا رائعًا.”

مدت يدها إليهما، فسحبت سومي نفسها ببطء لتقف، بينما اعتمدت هيمارا على سيرينا في النهوض.

سومي بابتسامة ساخرة:

“حماقتهم

ترهقني

ليس

لديهم

حتى

أبجديات

المحاربين

.

كيف

يتجرأ

من

يجهل

أساسيات

السيف

أن

يخطو

إلىميدان

القتال؟"

سيرينا بنظرة حزينة:

"التعذيب

ليس

ذكاءا

ولا

قوة

بل

مجرد

مرض

يستند

إلى

سلطة

عمياء

.

لو

امتلكوا

ذرة

عقل،

لما

لجأوا

لهذاالانحطاط

.

"

هيمارا، وهي تضحك بخفوت:

“شكرا على الفخ."

سيرينا، وهي ترفع حاجبًا بمكر:

"على الرحب."

نظرت الاثنتان إليها، ثم تبادلتا الابتسامة، و ستراحوا على الاشجار، تاركين الجيش الإمبراطورية غارقًا في الفخاخ التي كانت أكثر من كافية لعرقلتهم لبعض الوقت.

نهاية الفصل

2026/05/09 · 17 مشاهدة · 1193 كلمة
نادي الروايات - 2026