في أعماق غابة شيرود...

وسط الطريق الضيق الذي يقطع قلب الغابة، كانت عربة ضخمة تسير ببطء. العربة محملة بالطعام والمؤن، وأصوات عجلاتها تحتك بالطين المبلل تكسر صمت المكان. الجنود الذين يرافقونها كانوا يتلفتون باستمرار، عيونهم مليئة بالقلق.

كانت الغابة هنا لها سمعتها السيئة. الممرات مظلمة بشكل غير طبيعي، والهواء يحمل معه همسات غير مفهومة. كل شجرة تبدو وكأنها تراقبهم بصمت مرعب.

وفجأة، انقطع صوت العجلات. قفز أمام العربة فتى شاحب البشرة، يرتدي ملابس سوداء. وقف بثبات في وسط الطريق، عيناه الناريتان تلمعان بغموض لا يمكن تفسيره.

وراءه، ظهرت ثلاث حيوانات وقفت كأنها حراس شخصيون:

ذئب ضخم يزمجر، عينيه تشعان بالتحذير.

أسد شامخ يهز لبدته بوقار، وكأنه ملك ينذر بالعقاب.

ثعلب صغير، يراقب بمكر لا يوصف، وكأنه العقل المدبر بينهم.

وقف الجنود مدهوشين. لم يكن هذا مشهدًا عاديًا. كل شيء في الفتى وحيواناته كان ينذر بالخطر، وكأنهم جزء من الغابة نفسها.

فتح الفتى فمه وبدأ يتحدث بلغة غريبة، نغماتها حادة ومخيفة. لم يفهمها الجنود، لكنهم لم يكونوا بحاجة إلى ترجمة.

أدركوا فورًا من يكون هذا الفتى. الخوف تسلل إلى قلوبهم،

وبدون أي تفكير، ألقوا أسلحتهم على الأرض وهربوا في فوضى عارمة، بعضهم يتعثر في الطريق، والبعض الآخر لا يجرؤ على النظر للخلف، تاركين العربة وراءهم.

ظل الفتى صامتًا، عيناه تتابعان الجنود وهم يختفون بين الأشجار. تقدم بخطوات هادئة نحو العربة، وحيواناته تتبعه بثبات، أعينهم تمسح المكان بحذر.

وقف الفتى أمام العربة، يحدق في الطعام والمؤن المحملة بداخلها..

-

في العاصمة الإمبراطورية...

في قلب العاصمة المزدهرة، ارتفع قصر رايفو شامخًا، تحفة معمارية تجسد القوة والهيمنة.

كانت أبراجه تخترق السماء، محاطة بساحات واسعة تعكس الثراء الفاحش.

خلف تلك الجدران المهيبة، في مكتب فاخر، جلس بهدوء، مسترخيًا على كرسيه الفخم، بينما يراجع الوثائق التي أمامه. كل تفصيلة في الغرفة، من التحف النادرة إلى الستائر الثقيلة، كانت تروي حكاية السلطة المطلقة.

لكن الهدوء الذي غمر الغرفة لم يدم طويلًا.

"دووووم!"

فتح الباب بعنف، ودخل رين بخطوات سريعة وغاضبة، صوته مكبوت لكنه ينذر بانفجار قريب. كان الغضب يشتعل في عينيه، وملامحه تعكس كراهية لا يستطيع إخفاءها.

رفع رايفو رأسه ببطء، وعيناه تتفحصانه كأنه يحلل غضبه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، باردة كالجليد:

"أوه... مرحبًا رين. هل أنجزت مهمتك؟ هل قبضت على ليون؟"

لكنه لم يرد، تقدم بخطوات سريعة، وأمسك بياقته بقوة، يسحبه نحو الأمام، وعيناه تشتعلان كالنار.

"أيها الوغد الأحمق!" صرخ بصوت هز أرجاء الغرفة، كأنه يريد أن يهز ثقته الهادئة.

"ماذا فعلت؟!"

ارتفع حاجب رايفو قليلًا، وبدت عليه ملامح ارتباك طفيف للحظة، لكنه سرعان ما عاد إلى بروده المعتاد، متجاهلًا يده التي تمسك بياقته، وقال بنبرة باردة:

"ماذا تعني؟"

لم يستطع رين كبح غضبه أكثر. صرخ بصوت أشبه بالهدير، كلماته مليئة بالاشمئزاز وهو يشدد قبضته:

"كيف تجرؤ على إبادة الأطفال؟! أي قلب تملك يا هذا؟!"

لكنه لم يبدُ عليه أي تأثر. على العكس، ظل محافظًا على هدوئه، بل زادت ابتسامته برودًا:

"هل تعترض على أوامر الإمبراطور؟"

كلماته كانت كخناجر تخترق قلبه. تردد للحظة، وكأن برود رايفو نجح في كبح غضبه لبرهة. لكنه ترك ياقته بعنف، وحدق فيه بعيون تملؤها الاحتقار.

ثم استدار وغادر الغرفة بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تعبر عن إحباطه وغضبه. الباب خلفه أغلق بقوة.

ظل رايفو جالسًا في مكانه، يراقب بصمت. أخرج منديلاً حريريًا، ومسح ياقته بعناية وكأنه يزيل أثر وجوده.

تمتم بصوت خافت، لكن نبرته كانت تحمل مزيجًا من الانزعاج والسخرية:

"تشه... ذلك المزعج. لو أن الإمبراطور يتخلص منه و من عائلته، لكنا ارتحنا من إزعاجهم. وكأنهم يظنون أن هذه الإمبراطورية ملكهم."

ثم أعاد نظره إلى الأوراق أمامه، وكأن شيئًا لم يحدث.

خارج القصر...

خرج رين من بوابة القصر وهو لا يزال يشتعل غضبًا. كانت خطواته ثقيلة، وأنفاسه متوترة كأنها تحترق من الداخل.

رفع رأسه نحو السماء، محاولًا تهدئة نفسه، لكنه لم يستطع. أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه لثوانٍ.

حينها...

ذكريات الماضي بدأت تتسلل إلى عقله.

رأى نفسه واقفًا تحت أشجار مزهرة، نسيم الربيع يعبق بالعطر، والأطفال يركضون معه بضحكات بريئة. تذكر الشرفة التي كان يتسلل منها، يجلس بصمت يراقب العالم من بعيد، وحوله أصدقاء لم يكن يشعر معهم بالوحدة.

'كيف انتهى الأمر إلى هنا؟'

لكن تلك الذكريات سرعان ما تبخرت، وكأنها حلم قديم لا يمكن استعادته.

فتح رين عينيه ببطء، نظراته أصبحت جادة وحازمة.

"إن كان علي أن أفكر بشيء، فلا بد أن أركز على هدفي. لا مجال للتفكير في شي اخر."

استدار بعيدًا عن القصر، تاركًا وراءه ظلًا ثقيلًا من الماضي، بينما كانت خطواته تقوده نحو طريق لا رجوع فيه.

-

صباح اليوم التالي…

مع إشراقة الصباح، لم يكن العالم كما كان في الليلة التي سبقته.

تحرّكت الأخبار كعدوىٍ سريعة، خرجت من الموانئ الملطّخة بالدخان، وسرت عبر الطرقات، ثم تسلّلت إلى الأسواق، والقلاع، وغرف الحكم. في كل مكانٍ بلغته الكلمات ذاتها، لكن بوقعٍ مختلف.

القراصنة اكتسحوا الثوّار.

لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل انكسارٌ علني لصورةٍ بُنيت طويلًا. قيل إن خطوط الدفاع انهارت، وإن الشعارات سقطت قبل السيوف، وإن من تعهّدوا بالحماية لم يصمدوا أمام العنف المنفلت. غير أن ما أشعل النار الحقيقية لم يكن السقوط ذاته، بل ما تلاه.

انتشر الخبر الأشدّ قسوة: فشل الثوّار في حماية الأطفال.

دار الأيتام، التي كانت تُعدّ ملاذًا للاطفال، تحوّلت إلى ركامٍ أسود. جدرانها التي حملت أسماءً محفورة ببراءة، سُوّيت بالأرض، وسقفها انهار فوق أحلامٍ لم تكتمل. لم ينجُ من الحكاية سوى الصمت، ورائحة الخشب المحترق، وبقايا ألعابٍ تكسّرت قبل أن تُكسر القلوب.

ومع كل روايةٍ تُعاد، كانت التفاصيل تزداد قسوة، وتفقد الحقيقة حدودها. الغضب تمدّد في الشوارع، والهمس تحوّل إلى صراخ. المدن توتّرت، والممالك شدّت قبضتها. مجالس الحكم انعقدت على عجل، والحراس ضاعفوا نوباتهم، والناس بدأوا ينظرون إلى بعضهم بعين الشكّ.

فالذين علّقوا آمالهم على الثوّار، والذين اختاروا طريق التمرّد إيمانًا بالخلاص، وجدوا أنفسهم فجأة أمام مرآةٍ قاسية. بدأ الشكّ يتسلّل إلى العقول، لا كخيانة، بل كغريزة بقاء. مدنٌ كاملة راحت تعيد حساباتها، تزن خياراتها بصمتٍ ثقيل، وتبحث عن الطريق الأنسب للمرحلة الراهنة، طريقٍ لا تحكمه الشعارات وحدها، بل القدرة على النجاة.

في بعض الحواضر، لم يُبتلع الخبر كما هو. تحرّكت المجالس، أُرسلت العيون، وفُتحت السجلات، وبدأ التحقيق في حقيقة ما جرى. كان هناك من يرفض التصديق، ومن يتمسّك بالأمل الأخير، محاولًا الفصل بين الفوضى والحقيقة. لكن حتى هذا التحقّق البطيء لم يكن كافيًا لوقف الأثر.

فالضربة، سواء كانت كاملة الحقيقة أو مشوّهة التفاصيل، سقطت كصاعقةٍ مدوّية في قلوب الثوّار أنفسهم.

انهار شيءٌ في الداخل. لم يكن خوفًا من الهزيمة بقدر ما كان إحساسًا بالعار والعجز. فكرة أنهم فشلوا في حماية الأضعف ضربت جذورهم العميقة، وخلخلت إيمانهم بما يقاتلون من أجله.

وهكذا، حتى قبل أن تتضح الحقيقة كاملة، كان الأثر قد وقع بالفعل. فبعض المعارك لا تُحسم بالسيوف، بل بالأخبار… وحين تُصاب القلوب، يصبح ترميم الصفوف أصعب من خوض أي حرب.

-

قاعدة الثوار…

كان الصباح هادئًا، والهدوء يسيطر على المكان، حتى اخترقت صرخة مدوية الصمت وكأنها عاصفة غاضبة:

"ماذااااااااا؟! كل هذا حدث في غيابي؟!"

الفتاة إيروها، التي كانت تقف وسط الغرفة و وجهها مشتعلاً بالغضب وعيناها تومضان بالاستياء.

رفعت أوليسيا رأسها بهدوء، ووضعت يدها على رأسها وكأنها اعتادت على مثل هذه الانفجارات. تمتمت بصوت بالكاد يُسمع، لكن نبرتها كانت تحمل مزيجًا من الملل والسخرية:

"وما الفرق لو كنتِ هنا؟"

لكن أذن إيروها لم تخذلها، التقطت الكلمات فورًا. استدارت بسرعة نحوها، وقطبت حاجبيها بغضب:

"سمعتك! أنتِ السبب في إبعادي من البداية!"

رفعت أوليسيا كتفيها بلا مبالاة، تجاهلتها و بدلا من الرد انشغلت في ربط حذائها وكأن الأمر لا يعنيها.

"هذا يكفي، إيروها. أنتِ مزعجة منذ الصباح الباكر."

شعرت إيروها بضيقة في صدرها. كان الغضب يملأها، لكن خلف هذا الغضب كان هناك شعور آخر... القلق.

كانت تحاول جاهدة إخفاءه، لكن نظراتها التي انتقلت بين الموجودين في الغرفة فضحت ذلك.

"إذن، ماذا حدث للأطفال؟" سألت بصوت خافت قليلاً، وهي تعض شفتيها بخفة في محاولة لتخفيف توترها.

ابتسمت إيمي، التي كانت تقف بهدوء وتراقب المشهد كما لو كان مسرحية يومية بالنسبة لها.

بنبرة لطيفة ومطمئنة:

"لا تقلقي، إنهم بخير."

لكن كلمات التطمين لم تهدئ إيروها بالكامل. عادت نظراتها الغاضبة نحو أوليسيا، التي ما زالت متظاهرة بالانشغال بربط حذائها وكأنها لم تسمع شيئًا.

-

قبل يوم، كان المنزل الصغير يحتضنه سكون المزرعة المحاطة بأشجار كثيفة، إيروها جلست على مقعد خشبي قديم، كوب شاي دافئ بين يديها، عيناها تترصّدان السماء في هدوء يبعث على التأمل.

فجأة، خطا ساعي البريد على الطريق الترابي، يحمل رسالة بيده، يقترب من المنزل بابتسامة مقتضبة لا تُخفي أهمية ما يحمله. أخذت الرسالة من بين يديه بابتسامتها المعتادة، ثم تقدمت نحو السلالم الأمامية حيث كانت أوليسيا تجلس بهدوء، عينيها تتأملان الأفق وكأنها تستحضر شيئًا بعيدًا.

فتحت أوليسيا الرسالة ببطء، ولكن مع مرور عينيها على السطور الأولى، بدأت ملامحها تتغيّر. ابتسامتها التي لطالما كانت مشرقة، سرعان ما تلاشت لتترك وراءها خطوط قلقٍ متصاعدة، ثم صدمة واضحة، الرسالة كانت تخبّر عن كشف موقعهم، وعن ورطة كبيرة تحتاج تدخلًا سريعًا، وعن ضرورة نقل الأشياء قبل أن تقع مصيبة.

نهضت فجأة، ترتدي حذاءها بعجلة، نظرت إلى إيروها بجدية، محاولة إخفاء توترها، وأشارت صامتة بالبقاء في المكان، قبل أن تختفي بسرعة في خطواتٍ تخترق الأرض بعنف.

مرت الساعات ببطء ثقيل. جلست إيروها وحدها في المنزل، عينيها تتنقّل بين الساعة والباب الفارغ. الشمس بدأت بالاختفاء خلف الأفق، والظلام امتدّ على المزرعة، ومعه ارتفعت دقات قلبها، كل لحظة تزيد من شعورها بأن شيئًا خاطئًا قد حدث. ومع مرور الليل ودخول اليوم التالي دون أي عودة، ازداد القلق يثقل صدرها.

أدركت أخيرًا أنها لم تعد قادرة على الانتظار. نهضت بسرعة، ارتدت عباءتها، وعينيها تلمعان بعزم، متجهة نحو الطريق الذي سلكته أوليسيا، مصممة على العثور عليها.

-

التعريف الرسمي:

• الاسم: إيروها

• المكانة: ثورية

• العمر: 18

• المستوى: سداسي

فتاة ذات شعر قصير بلون بنفسجي عليه أكسسوار بجوهرة زرقاء، عينيها البنفسجيتين متألقتين، ملابسها الملكية الأنيقة تبرز شخصيتها القوية والمفعمة بالحياة. كانت دائمًا رمزًا للشجاعة والفضول، لكنها اليوم تحمل قلقًا يثقل خطواتها.

قبل أن ترد إيروها، ضحكت إيمي التي كانت تراقب المشهد:

"من الجيد أن لديكِ هذه الحيوية، إيروها."

رغم غضبها، إلا أن شجاعتها واضحة.

في داخلها، كانت إيمي تدرك أن هذه الفتاة تحمل إرادة قوية لا تُكسر بسهولة.

'

رغم

كل

هذا،

تدرك

إيروها

سوء

الموقف

لكنها

تتعامل

معه

بحيوية

.'

فكرت إيمي في نفسها.

'

فتاة

ذكية

وناضجة

أكثر

مما

يوحي

به

عمرها

.'

لكنها لم تكن مستعدة لترك الأمر يمر دون توضيح. نظرت إلى أوليسيا وسألت بحدة:

"إذا كانت الرسالة خدعة لكِ ولليون-سير، ألا يفترض أن تعرفي أن الخط لا يعود لكما؟"

ارتبكت أوليسيا للحظة، ثم أخرجت الرسالة من جيبها ومدتها نحو إيروها.

"انظري بنفسك." قالت بصوت يحمل مزيجًا من القلق وتأنيب الضمير.

أخذت إيروها الرسالة وتمعنت فيها. عندها، أخرجت أوليسيا رسالة أخرى ووضعتها بجانب الأولى.

"قارني بينهما."

أخذت إيروها نفسًا عميقًا وبدأت تفحص الرسالتين بعناية. فجأة، اتسعت عيناها بدهشة وهي تمتمت:

"نفس الخط؟!"

ردت أوليسيا بقلق واضح:

"يبدو أن هناك شخصًا بارعًا استطاع تقليد خطوطنا. لكن السؤال الأكبر... كيف حصل على نمط خطنا؟"

إيمي، التي كانت تراقب الموقف بصمت، صفقت بيديها بخفة وقالت بنبرة حازمة:

"هذا يكفي. علينا أن نركز على الخطوات القادمة."

تحولت نظراتها إلى الجدية وهي تخاطب إيروها:

"هناك مهمة أريد تكليفك بها."

قامت إيروها، وكأنها تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، قفزت من مكانها بابتسامة عريضة:

"بالطبع، أنا مستعدة! ما هي المهمة؟"

لكن قبل أن تبدأ إيمي بالشرح، قاطعتها أوليسيا بنبرة حادة غير معتادة:

"إيمي... المهمة خطيرة للغاية عليها."

التفتت بهدوء نحوها، وهزت رأسها وكأنها تؤكد تفهمها، ثم أجابت:

"أعلم ذلك. لكنها الوحيدة القادرة على النجاح.."

شعرت إيروها بالارتباك، وتنقلت نظراتها بين الاثنتين بقلق:

"عن ماذا تتحدثان؟ إذا كان الأمر يخصني، أعتقد أن لدي الحق في أن أعرف."

أومأت إيمي لـأوليسيا، وكأنها تعطيها الإذن بالشرح. بعد لحظات من الشرح المكثف، كانت إيروها تقف في منتصف الغرفة وهي تنظر إليهما بدهشة:

"إذن... مهمتي هي ضم وحش الغابة إلى صفوفنا؟"

رغم خطورة المهمة، رفعت رأسها بثقة ووضعت يديها على خصرها بابتسامة عريضة:

"لا بأس، أنا موافقة. هذا يبدو مثيرًا!"

نهضت أوليسيا بسرعة، وعلامات القلق واضحة على وجهها:

"لكنها مهمة خطيرة! وحش الغابة ليس مجرد اسم."

اقتربت إيروها خطوة نحوها، عيناها تتوهجان بحماس:

"أحب المخاطرة! ثم سمعت أنه مجرد فتى صغير بعمر مقارب لي. أشعر بالفضول تجاهه."

"فتى صغير!!!" تمتمت أوليسيا وهي تحدق فيها وكأنها لا تصدق استهتارها.

لكن إيمي، بابتسامة حازمة، صفقت مرة أخرى، قاطعة أي مجال للنقاش:

"رائع! إذن، انتهى النقاش. حسم الأمر!"

-

بعد دقائق كانت إيروها تستعد للمغادرة، كانت عيناها تلمعان بتحدٍ واضح، مليئة بالحماس للمغامرة القادمة. غادرت وهي تحمل حقيبة صغيرة، وكأنها في طريقها إلى رحلة شيقة وليست إلى لقاء وحش خطير.

أما إيمي، فقد بقيت في المكتب، تراقب الباب الذي خرجت منه إيروها. شعرت بقلق خفي، لكن ابتسامتها لم تفارقها.

"إيروها قوية بما يكفي... سأثق بها."

أما أوليسيا، فقد ظلت تحدق في الباب الذي خرجت منه، وهي تمسك بيدها الرسالة المزيفة، قلبها يثقل بتوجس عميق

-

غابة شيرود...

وسط أشجار شيرود الكثيفة التي امتدت أغصانها كأنها أذرع ضخمة تحجب السماء، كانت الظلال تلف المكان بغموضٍ يبعث على القلق. الأرض مغطاة بطبقة كثيفة من الأوراق الجافة التي تُصدر صوتًا خافتًا تحت خطوات إيروها، التي كانت تمضي بثبات وثقة، رغم الأجواء الموحشة.

في يدها حقيبة صغيرة مليئة بالمؤن التي اختارتها بعناية، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة مشعة، كأنها ترفض الانصياع لمشاعر الخوف والقلق التي تراودها.

"هذا سيكون ممتعًا." همست لنفسها، محاولة أن تزرع الثقة في قلبها.

كانت الخطة تبدو بسيطة على الورق:

استدراج وحش الغابة باستخدام طعام يُقال إنه يفضله.

التحدث معه ومحاولة إقناعه بالانضمام إلى صفوف الثوار.

لكن، في أعماقها، كانت تعرف أن الأمور لن تسير بهذه السلاسة. وحش الغابة ليس مجرد خرافة تُتداول حول النار، بل أسطورة مشحونة بالرعب والظلام تناقلها النبلاء.

"أين يمكن أن يكون؟" تمتمت بخفوت وهي تمسح الغابة بنظراتها.

كل شيء كان صامتًا على نحو غير طبيعي. لا طيور تغني، ولا حشرات تصدر أصواتًا، فقط صوت الرياح التي تحمل همسات الغابة الغامضة.

مرّت دقائق بدت وكأنها ساعات، إلى أن لاحظت شيئًا غير طبيعي: آثار أقدام كبيرة محفورة بعمق في التربة الرطبة. تجمدت في مكانها للحظة، تتمعن في حجمها واتجاهها.

'هل هذه آثار الوحش؟' فكرت، لكن عقلها لم يمهلها الوقت للإجابة.

شعرت بتيار هواء بارد يمر بجانبها، كأنه نفَس غريب لم يكن موجودًا قبل لحظات. توقفت عن السير، قبضت على حقيبتها بحذر، وبدأت تحرك عينيها بسرعة، باحثة عن أي حركة.

"حسنًا..." تمتمت بصوت خافت، وهي تحاول السيطرة على أعصابها.

"إن كنت هنا... لماذا لا تظهر لي؟"

كلماتها كانت مزيجًا من التحدي والخوف المكتوم. لكنها تعلم جيدًا أن المواجهة كانت قريبة. كان الهدوء الذي يلف الغابة ثقيلًا، كأنه يحمل في طياته خطرًا خفيًا.

فجأة...

"كراك!"

كسر صوت غصن جاف الصمت. استدارت بسرعة، عيناها المتسعتان تمسحان المكان، لتجد نفسها محاطة بمجموعة من الرجال يرتدون ملابس ملكية مزخرفة، نظراتهم جامدة ووجوههم تشي بعدائية صامتة.

'جنود الإمبراطورية؟!'

تسارعت نبضاتها وهي تحاول استيعاب الموقف.

'ماذا يفعلون هنا في اعماق الغابة؟!'

لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.

"دووووم!"

طلقات نارية اخترقت الهواء متجهة نحوها.

بخفة مذهلة، استلت سيفها اللامع. حركاتها كانت سريعة ودقيقة، تضرب الطلقات بعيدًا قبل أن تقترب منها. العرق يتصبب من جبينها، لكنها لم تفقد تركيزها.

بينما كانت تركز على الجنود أمامها، شعرت بحركة خلفها. استدارت بسرعة لتواجه أحد الجنود الذي كان يقترب بخطوات سريعة، سلاحه مرفوع وجاهز للانقضاض.

'لن أتمكن من صد هذا—'

صرخت في داخلها، لكن قبل أن تتحرك، سقط الجندي فجأة.

سقط دون أن يمسها، جسده ارتطم بالأرض بقوة.

"ماذا؟!"

اتسعت عيناها، نظرت حولها تحاول فهم ما حدث.

ولكن تعثرت قدمها بحجر بارز على الأرض. فقدت توازنها وسقطت بقوة، ارتطم رأسها بصخرة كبيرة، تاركة ألمًا مفاجئًا يتسلل إلى عقلها.

"آه!"

شهقت بصوت مكتوم، وعيناها بدأت تغيم. كل شيء من حولها أصبح مشوشًا، الأصوات اختفت، والرؤية أصبحت باهتة، وعيها يتسرب ببطء كالماء الذي يفر من بين الأصابع.

لكن قبل أن تفقد وعيها بالكامل... لمحته .

كان يقف بعيدًا، كأنه مجرد ظل ظهر من قلب الظلام. نظراته حادة ومرعبة، كأنها تخترق عمق روحها. وجهه لم يكن واضحًا تمامًا، لكن هالته كانت مخيفة بما يكفي لتجمد الدم في عروقها.

'ذلك الوجه... تلك العينان المخيفتان...'

همست في داخلها، وأدركت على الفور من هو.

"وحش الغابة..."

كانت هذه آخر كلماتها قبل أن يُسدل الظلام ستاره، وتغرق في حالة من اللاوعي، لا أحلام فيها ولا كوابيس، فقط صمت عميق وبارد.

نهاية الفصل

2026/01/03 · 15 مشاهدة · 2515 كلمة
نادي الروايات - 2026