'ما هذا…؟ يا له من وجه مخيف…؟'
كانت هذه أفكار إيروها الأخيرة قبل أن تفقد الوعي. حين فتحت عينيها، كان الظلام يحيط بها من كل جانب. الهواء بارد، والأصوات الوحيدة التي تسمعها أنفاسها المتعبة.
“أين أنا…؟” تمتمت وهي تحاول النهوض، لكن جسدها أثقل مما توقعت.
عندما أدارت رأسها ببطء، رأت ذلك الفتى… يجلس بهدوء بجانبها، ملامحه حادة كأنها نُحتت من حجر، وعيناه الحمراء تتوهج في الظلام كما لو كان يراقب كل حركة منها.
مدت يدها إلى حقيبتها، لكنها شعرت بالتعب يسحبها للأسفل. ومع ذلك…
'لقد فشلت خطتي ولكن…'
قررت أنها لن تفوت الفرصة:
“أنا متعبة جدًا… هل لديك طعام؟”
كان رده… الصمت.
جلس هناك كأنه تمثال، لم يتحرك أو يظهر أي رد فعل.
'هذا سيئ… يبدو أن المهمة ستكون أصعب مما توقعت. كيف أتعامل مع شخص بهذا الصمت المخيف؟' فكرت وهي تحدق به.
حاولت كسر الجليد مرة أخرى، متظاهرة بالراحة:
“أوه، صحيح! أنت من أنقذني، صحيح؟ شكرًا لك.”
لا إجابة.
“ما اسمك؟”
…الصمت استمر.
'ما هذه المصيبة…؟ لو كان خطرًا فقط لكان التعامل معه أسهل. لكن خطير وصامت؟ هذا أسوأ كابوس يمكن أن يواجهه أحد!'
ثم وقفت بتصميم، وحاولت تغيير استراتيجيتها. اقتربت منه بحذر، خطوتها الأولى بطيئة لكنها تحولت إلى خطوات أكثر جرأة.
في النهاية، كانت تقف أمامه مباشرة، ووجهها قريب جدًا من وجهه، متوقعة أي رد فعل بشري طبيعي… لكن لا شيء تغير.
'مستحيل…! لا خجل، لا ارتباك… هل هو بشري حقًا؟'
[ماذا تفعلين؟]
وأخيرًا، كسر الصمت بصوت خافت لكنه مليء بالثقل.
تجمدت إيروها في مكانها للحظة. شعرت بأنفاسها تتوقف وكأن الوقت قد تعطل.
'هل جعلته يشعر بالتهديد؟ هذا سيئ جدًا!'
ابتعدت بسرعة، محاولة التراجع بهدوء:
“هه… كنت فقط أحاول معرفة إذا كنت تنام بعينين مفتوحتين.”
لكن، بنبرة ثابتة، قال مجددًا:
[لقد تعافيتِ، لذا غادري هذا المكان.]
“لن أغادر.” أجابت بجدية وهي تنظر إليه بثبات.
رفع حاجبه قليلاً، وكأن كلماتها أثارت فضوله:
[؟]
تقدمت خطوة للأمام وقالت بحزم:
“لدي طلب أريد تقديمه لك.”
انتظر بصمت، فعرفت أنها تملك فرصة للمتابعة:
“هل تنضم إلينا؟ أعني… للثوار.”
لكن بمجرد أن أنهت جملتها، شعرت بأن الهواء أصبح أثقل. نظراته لم تتغير، لكن الجو المحيط بها أصبح قاتمًا.
'هل قلت شيئًا خاطئًا؟ لماذا الجو أصبح هكذا؟'
بصوت منخفض وكأنه يحذرها، سأل:
[هل أنتِ صائدة حيوانات؟]
'ماذا؟! حتى في الظلام يمكنني رؤية نظراته النارية.'
لوحت بيديها بسرعة، محاولة إزالة سوء الفهم:
“كلا! لست صائدة. لماذا تسأل؟”
رد ببرود، عينيه لا تزالا تلمعان:
[لماذا إذًا تطلبين مني أن أكون ثورًا؟]
تجمدت للحظة، تحاول استيعاب كلماته، لكنها انفجرت داخليًا:
'انتظر… لحظة… هل يعتقد أنني أطلب منه أن يكون ثورًا؟!'
شرحت بسرعة وهي تلوح بيديها:
“لا، لا! لقد فهمت خطأ! ما أعنيه ليس حيوان الثور… بل الثوار!”
نظرت إليه بقلق، محاولة التأكد إن كان يستوعب ما تقول.
“الثوار هم جماعة تحارب الإمبراطورية. نحاول إنقاذ العالم من ظلمهم.”
للحظة، بدا عليه الاهتمام للمرة الأولى وهو يكرر الكلمة:
[إمبراطو…ورية؟]
'لحظة… هل هذا الفتى لا يعرف شيئًا عن العالم الخارجي؟!' فكرت بدهشة، وهي تحاول أن تفهم حقيقة ما يجري.
تنفست بعمق، وابتسمت، محاولة تهدئة الجو المشحون بالصمت الغريب الذي يلف المكان:
“حسنًا، لنبدأ من البداية. اسمي إيروها، وأنا من قوات الثورة، جيش التحرير.”
توقفت للحظة، ثم أضافت بنبرة لطيفة:
“الآن، ماذا عنك؟ ما اسمك؟”
صمت قليلًا، نظراته تلاشت للحظة وكأنه يبحث عن إجابة، ثم قال ببطء:
[اسمي… سكايزل أوريل.]
اتسعت ابتسامتها بخفة:
“اسم جميل جدًا، أوريل.”
حاولت أن تخفي الحماس الذي بدأ يتسلل إلى صوتها، فقد حصلت أخيرًا على إجابة، وهو أمر لم تكن تتوقعه بسهولة.
تابعت بابتسامة مشرقة:
“إذن، ما رأيك في الانضمام إلينا؟”
شعرت للحظة أن كلمتها أحدثت تأثيرًا طفيفًا عليه. بدا وكأنه يفكر أو على الأقل يعيد تقييم موقفه.
لكن سرعان ما تلقت ردًا صادمًا:
[أرفض.]
“هاه؟ لماذا؟” سألت بدهشة وهي تميل برأسها.
لكنه لم يُظهر أي نية لشرح قراره، وعاد لصمته المعتاد.
'تبا… عاد إلى حالته الصامتة. ما الذي علي فعله الآن؟'
شعرت بإحباط طفيف، لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة. لقد قابلت وحش الغابة أخيرًا… ولن تفوت هذه الفرصة.
نظرت إليه مجددًا، محاولة البحث عن نقطة يمكن أن تُحدث تغييرًا في موقفه.
'هذا الفتى ليس مجرد شخص عادي… من هو حقًا؟ ولماذا يعيش في هذه الغابة مع كل هذا الحذر؟'
لكن بدلًا من التفكير الزائد، قررت أن تستمر في حديثها، حتى لو كان لا يرد.
-
قاعدة الثوار – داخل غرفة هادئة
جلست أوليسيا على حافة سريرها، قدماها تتأرجحان ببطء بينما كانت تحدق في الأرض، كأنها تحاول قراءة شيء غير مرئي تحت قدميها. شبح من القلق مر في عينيها، وبدأت تتمتم بصوت خافت:
“هل ستنجح المهمة يا ترى؟ أتمنى فقط أن تعود إيروها بخير…”
على الجانب الآخر من الغرفة، كانت مايلا جالسة بجوار النافذة، تحمل كتابًا قديمًا بين يديها. رفعت رأسها بهدوء، وعيناها تلمعان بثقة واضحة:
“ستكون بخير. إيروها فتاة ذكية وقادرة على التعامل مع المشكلات.”
وضعت الكتاب جانبًا وأردفت بابتسامة خفيفة:
“لديها موهبة طبيعية في الإقناع، لذا لا داعي للقلق.”
لكن رغم كلماتها المطمئنة، بقي القلق مخيمًا على أوليسيا.
“أعلم ذلك…” قالت بصوت منخفض، وأصابعها تعبث بطرف البطانية.
“لكن… الأمر ليس سهلاً كما يبدو. لا أحد يعرف حقًا ما الذي يمكن أن يفعله وحش الغابة.”
سكتت للحظة، ثم تابعت بنبرة أكثر جدية:
“قصصه ليست مجرد إشاعات، مايلا.”
مايلا تنهدت ثم نهضت وتقدمت نحوها، لتجلس بجوارها على السرير. وضعت يدها بلطف على كتفها:
“لهذا السبب أرسلت إيمي إيروها. لم يكن اختيارها عشوائيًا. إيمي تثق بها.”
ابتسمت أوليسيا بخفة، لكنها لم تستطع التخلص من شعور الخوف الذي يسكن قلبها.
“أتمنى أن تكونين محقة…”
في تلك اللحظة، رنّت الرياح خارج النافذة، كأنها تحمل معها جزءًا من مصير إيروها الذي ما زال مجهولاً في أعماق الغابة.
-
غابة شيرود – داخل كهف مظلم
كان الصمت سيد الموقف، والبرودة تتسرب من جدران الكهف كأنها تحاول طرد أي دفء قد يحمله القادمون من الخارج.
إيروها جلست على الأرض، مقابلًا لها كان سكايزل أوريل، يجلس متحفظًا، ناظرًا إليها بنظرات باردة تخللتها لمحة من الحذر.
بصوت هادئ، كسرت الصمت:
“لماذا لا تنضم إلينا؟”
كانت نبرتها لطيفة لكنها تحمل إصرارًا واضحًا.
نظر إليها بعينين خاليتين من الاهتمام، وأجاب بنفس النبرة الثابتة التي لا تخلو من البرود:
[بإمكانك المشي الآن؟ إذًا غادري.]
لكنها لم تتحرك. ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، تحمل نوعًا من التحدي:
“لن أغادر حتى تخبرني السبب.”
رمقها بنظرة جانبية، ثم قال بصوت خافت:
[لأن هذا منزلي. هذه الغابة، الحيوانات هنا، الكهف… كلها موطني.]
أمالت رأسها، وكأنها تحاول فهم كلماته بشكل أعمق، ثم علقت بابتسامة جانبية:
“فهمت. إذًا، عليّ الاستسلام فقط، أليس كذلك؟”
لم يرد.
فجأة، نهضت، ومدت يدها نحوه بابتسامة دافئة:
“حسنًا، إذا لم ترغب في الانضمام، أريد أن أكون صديقتك على الأقل.”
تجمد لوهلة، ونظر إلى يدها الممتدة وكأن هذا التصرف غريب تمامًا عليه. نظر بعد ذلك إلى وجهها، وسأل بنبرة خالية من العواطف:
[صداقة؟]
بدت مستغربة وهي تميل برأسها:
“هل… لا تعرف ما هي الصداقة؟”
حوّل نظره بعيدًا نحو الظلام الذي يغطي مدخل الكهف، وارتسمت على وجهه تعابير غامضة.
'إذًا… إنه لا يعرف.' فكرت، وشعرت بشيء ينقبض في صدرها، وكأن حزنه كان معديًا.
'هذا الفتى… تعابيره تخفي ألمًا عميقًا. هذه العيون… إنه حزين جدًا.'
أجاب أوريل بصوت قاطع:
[لا أرغب بمصادقة أي أحد.]
لكن إيروها لم تستسلم، اقتربت أكثر وسألته بإصرار:
“لماذا؟”
رمقها ببرود وقال:
[أنتِ مزعجة.]
ضحكت بخفة، وكأن كلماته لم تؤثر فيها إطلاقًا:
“أجل، سأكون مزعجة، لأن رؤية فتى مثلك بهذا العمر يعيش هنا وحيدًا ويُلقب بالوحش… أليس أمرًا فظيعًا؟”
مرة أخرى… لم يرد.
لكنها لم تكن ممن يستسلم بسهولة.
فجأة، نهضت وأمسكت بيده بإصرار، قائلة بحزم:
“سنخرج من هنا.”
اتسعت عيناه للحظة وهو يحاول الإفلات من قبضتها بلطف:
[أوي! توقفي! اتركي يدي قبل أن…]
قاطعته وهي تشد قبضتها أكثر:
“ماذا ستفعل؟”
اقتربت منه أكثر، هذه المرة كانت عيناها مليئتين بالعاطفة، وصوتها يحمل أثرًا من الحزن:
“شخص عاش وحيدًا، بعيدًا عن العالم، يخيف الآخرين فقط بنظرة أو كلمة… لن يخيفني أبدًا. وأيضًا…”
توقفت للحظة، صوتها انخفض حتى أصبح أشبه بالهمس:
“رؤيتك بهذا الشكل تحزنني.”
للحظة، توقف عن المقاومة. كانت كلماتها أقوى من أي حواجز بناها حول نفسه.
سمح لها بسحبه نحو مدخل الكهف، وعيناه تتابعان خطواتها بتردد واضح… لكنه لم يمنعها.
عند مخرج الكهف… خرجا من الظلام إلى عالم مختلف تمامًا.
توقفت خطواتهما فجأة، وكأن الهواء الثقيل منع جسديهما من التقدم.
امتدت أمامهما سماء مغطاة بلون أحمر قاتم، كأن اللهب قد افترش الأفق بأكمله، وغلف الأشجار بطبقة مرعبة من النور المتوهج. كانت أشجار الغابة تتراقص ظلالها بفعل النيران التي تلتمع في البعيد.
ارتجف صوت إيروها وهي تحدق في المشهد بعينين متسعتين:
“ما… هذا؟”
نهاية الفصل