غابة شيرود…

خرجت إيروها و أوريل من ظلام الكهف ليصطدم الاثنان بمشهد أشبه بالكابوس. الغابة التي كانت تعج بالحياة والألوان تحولت إلى بحر من النيران المستعرة ، تلتهم كل شيء بلا رحمة.

الأشجار تساقطت كأنها تصرخ، تتهاوى تحت ألسنة اللهب، والحيوانات ركضت بيأس… البعض تمكن من الهروب، لكن كثيرًا منها احترق قبل أن يجد طريقًا للخلاص.

عين إيروها التقطت مشهدًا أبقاها متسمرة.

قردٌ كان يحاول إنقاذ صغيره، يركض بين الأشجار المحترقة، لكنه سقط وسط اللهب قبل أن يتمكن من العبور. الأم، بجسدها المحترق، حاولت التقدم لإنقاذ صغيرها… ولكن ابتلعتها النيران.

الأرانب… الطيور… الغزلان… الزرافات…الذئاب… الجميع كان يتحول إلى رماد.

قبضت يديها بشدة، شعرت بالغضب، بالرعب… لكنها كانت تدرك أن هذا لم يكن مجرد حريق عادي.

'فهمت الآن… لهذا كان جنود العاصمة هنا.'

التفتت إلى أوريل ، وما رأته جمد الدم في عروقها.

كان يرتجف بشدة ، عيناه الواسعتان غارقتان بالخوف واليأس… لم يكن هو نفس الفتى الذي قابلته قبل لحظات.

البرود الذي كان يحيط به… اختفى تمامًا.

هذه أول مرة ترى وجهه بوضوح… ولم يكن الوجه الذي تخيلته.

صاحت محاولة إيقاظه من صدمته:

“أوريل!”

لكنه لم يسمعها … لم يتحرك… كأن عقله غادر جسده.

فجأة، انطلق منه زئيرٌ غريب لم يكن بشريًا، صوت يشبه نداءات الغابة نفسها… خليطٌ بين الألم واليأس، وكأن كل وحوش الغابة صرخت في لحظة واحدة.

بدأ يتحرك ببطء نحو النيران، كأنها تجذبه كالمغناطيس… عيناه مثبتتان على الحريق الذي يلتهم كل شيء أمامه.

“أوريل! توقف!”

ركضت خلفه وقفزت أمامه، محاولًة منعه من التقدم أكثر.

“توقف، أيها الأحمق! هل جننت؟!”

مدّت يدها وأمسكت بذراعه بقوة، تحاول جذبه للخلف، لكنه لم يستجب… كان يسير كأنه فقد وعيه تمامًا.

صاحت بصوت أعلى، تمسكه من كتفيه:

“لا يمكنك فعل شيء الآن! علينا الخروج من هنا!”

كان كالطفل، يُقاد دون إرادة… عينيه لا تزالان عالقتين في بحر اللهب.

“أوريل… ارجوك!”

لم يكن لديها خيار آخر. جذبت ذراعه بقوة، وبدأت تركض به بعيدًا عن النيران التي تلتهم كل شيء خلفهما.

ركضا معًا بين الأشجار التي تهاوت، بينما كانت النيران تطارد ظلالهما.

في تلك اللحظة… أدركت أن هذا الفتى الذي لُقب بـ”وحش الغابة”… كان يحمل داخله جراحًا أعمق من أي شيء رأته في حياتها.

خارج الغابة…

سارت ببطء بجوار أوريل الذي كان يسير بخطوات ثقيلة، عيناه مثبتتان على الأرض كأنه لا يرى شيئًا أمامه.

كلما نظرت إليه، شعرت أن شيئًا غريبًا يحرك مشاعرها… لماذا؟

لأنها رأت تلك النظرات من قبل.

ذكريات قديمة بدأت تطفو على سطح عقلها، مشوشة لكنها واضحة بما يكفي لتعيد إليها الألم.

رجل ذو ملامح هادئة، يحملها على كتفه بعيدًا عن الخطر، صوته كان صارمًا لكنه مليء بالدفء:

[ابقي خلفي دائمًا… سأحميك مهما كلف الأمر.]

همست لنفسها، وابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيها:

'أين أنت الآن؟ كنت سأحتاج إلى حكمتك في هذه اللحظة… لكن لا بأس… سأفعل ما علمتني إياه.'

نظرت إلى أوريل مرة أخرى، ولكن هذه المرة عن كثب.

وجهه الأبيض البارد كان يحمل رسمتين نارية بلون أصفر مائل للسواد على خديه، وكأنهما رمزان للهيب الذي خمد داخله، أسفل عينيه، رسمه سوداء صغيرة مستقيمة.

عيناه النارية، رغم جمال ورعب لونهما، كانت خالية من الحياة … مجرد انعكاس لماضٍ لا يزال يحترق داخله.

شعره الأسود المتموج الذي يذكرها باللهب المتصاعد من نار داكنة بدا وكأنه فقد بريقه.

'كم عمره…؟ 18؟ 19؟' تساءلت، لكنها سرعان ما هزت رأسها.

'لا يهم الآن… ما يهم هو إنقاذه من هذا الظلام.'

رفعت يدها ببطء، ولمست شعره برفق… شعره كان ناعمًا.

لم تتوقع ذلك.

“أوريل… هل لديك مكان تذهب إليه الآن؟”

لم يرد.

زفرت تنهيدة ثقيلة وقررت أن تتصرف بطريقتها الخاصة.

اقتربت منه و احتضنته بحنان.

'هذا الفتى… لا يبكي.' فكرت وهي تشعر بارتعاش خفيف في جسده.

'ما الذي عاشه ليصل إلى هذا؟ أي مأساة دفعت به إلى دفن دموعه هكذا؟'

بهدوء، وضعت يديها على خديه ورفعت وجهه بلطف، لتلتقي أعينهما مباشرة.

ابتسمت ابتسامة صغيرة:

“أوريل… أريد إنقاذك. أريد مساعدتك.”

رفعت حاجبها قليلًا وأردفت:

“لكن… لا أستطيع مساعدة شخص لا يريد إنقاذ نفسه. هل يمكنك فعلها؟”

للحظة، خيم الصمت على المكان.

ثم، بصوت بالكاد يُسمع، خرجت كلمات باردة من شفتيه:

[لا يهم.]

تجمدت ابتسامتها للحظة:

“ماذا…؟”

رفع عينيه نحوها ببطء، وكرر بصوت أكثر وضوحًا:

[لا يهم. ليس لدي سبب للعيش الآن.]

كانت كلماته ثقيلة… كأن كل حرف حمل سنوات من الألم والمعاناة.

أضاف ببطء، وكأنما يلقي بحمل ثقيل على الأرض:

[لذلك، سواء عشت، مت، أو انضممت إليكم… لا شيء يهم.]

حينها، بدأت ترى الحقيقة المخبأة خلف وجهه البارد.

سنوات طويلة عاشها وحيدًا في الغابة، حتى أصبحت الحيوانات عائلته.

كانوا منزله… أصدقاؤه… وذكرياته.

تعلم لغتهم، وتحدث معهم.

لكن الآن… كل شيء احترق.

رأى في ذهنه صورًا ظلية لحيوانات كانت بجواره دائمًا… اسد يطارده بمرح…ذئب يضحك…ثعلب صغير بابتسامة ماكرة… غزال بجوار نهر… طائر كان يحط على كتفه…احتضان لبوة له.

كل شيء تلاشى في ألسنة اللهب.

منزله… عائلته… عالمه الصغير الذي بناه بعيدًا عن البشر… تمزق في لحظة.

لم يبقَ له شيء.

وكان هذا هو سر كلماته الأخيرة:

“لا شيء يهم.”

حدقت في وجهه بحزن شديد.

'هذا الفتى…' همست لنفسها، وشعرت أن قلبها ينكسر عليه.

لكن رغم الألم الذي رأته فيه، ابتسمت بلطف:

“إذا لم يكن لديك سبب للعيش… فلتعش من أجل من رحلوا.”

بعيدا عن الغابة…

بينما يسيران، بدأت أصوات خافتة تتردد في الأرجاء. ظلال شخصين ظهرت أمامهما، كانا يقتربان بسرعة.

“إيروها!”

كان صوت سيرينا ، ملامحها الحادة تسبقها بينما كانت تركض نحوهما بسرعة.

خلفها، سار أشير بخطوات أكثر هدوءًا، يضع يديه في جيبه وابتسامته المعتادة تعلو وجهه بثقة:

“قلت لكِ… هذه الفتاة لا يمكن أن تُهزم بسهولة.”

توقفت سيرينا أمام إيروها، وعيناها على أوريل. نظراتها كانت تفحصه بحذر، كأنها تحاول تحديد إن كان يشكل تهديدًا.

لاحظت إيروها ذلك وابتسمت، ثم تقدمت خطوة للأمام، قائلة بنبرة هادئة لكنها واضحة:

“لا تقلقا. هذا هو أوريل… أو كما يُعرف بـ’وحش الغابة’. وهو الآن واحد منا.”

ظلت سيرينا تحدق فيه للحظة، ثم نظرت إلى إيروها:

“واحد منا؟ هل أنتِ متأكدة من ذلك؟”

رفع أشير حاجبه بنوع من الفضول، متفحصًا وشمي أوريل، لكنه لم يظهر أي اعتراض:

“طالما أنكِ تثقين به… فلن أعارض.”

-

قاعدة الثوار…

كانت الأجواء في القاعدة مشحونة بالقلق والتوتر. بعد سماع خبر احتراق غابة شيرود، أصبح الجميع في حالة من الترقب والخوف على مصير إيروها.

“قلقي كان في محله!” قالت أوليسيا وهي تسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة، وكأن حركتها قد تخفف من التوتر الذي يحيط بها.

لكن إيمي ، كعادتها في لحظات كهذه، وضعت يدها على كتفها بلطف وقالت بنبرة هادئة وثابتة:

“كفى قلقًا، أوليسيا. تلك الفتاة عنيدة وستكون بخير. علينا أن نثق بها.”

لكن كلماتها لم تكن كافية لإزالة القلق تمامًا.

في تلك اللحظة، فتح الباب بعنف، ودخل ليون الغرفة، بعدما استيقظ على أصوات النقاش. كان مظهره المعتاد، وابتسامته الواثقة، يملآن المكان بطاقة لم يستطع أحد إنكارها.

“انكم مزعجين.” قالها وهو يرفع يده ليشير نحو النافذة القريبة، ثم تابع بصوت يحمل الكثير من الثقة:

“انظروا… ها هي تعود.”

التفت الجميع بسرعة نحو النافذة، وبدأت قلوبهم تهدأ ، لكن ما رأوه جعل أعينهم تتسع بدهشة.

عند مدخل القاعدة، ظهرت إيروها تسير بخطوات ثابتة، وخلفها مباشرة كان أوريل، صامتًا كعادته.

على جانبيهما، كانت سيرينا وأشير يسيران بثقة.

المشهد بأكمله كان أشبه بعودة المنتصرين من ساحة معركة، حيث ارتفعت أصوات الفرح فور رؤيتهم:

“لقد عادت!”

“إيروها بخير!”

الثوار انطلقوا نحوهم، يحتفلون بعودتها وكأنها إنجاز كبير للثورة بأكملها.

إيمي ، التي كانت تراقب المشهد من الخلف، ابتسمت بثقة :

“ألم أقل لكم؟ هذه الفتاة أهلاً للمهمة دائمًا.”

كانت أوليسيا تحاول كبح دموعها للحفاظ على مظهرها كرئيسة تحرير، لكنها لم تستطع منع شفتيها من الارتعاش تأثرًا.

وفي زاوية أخرى، خرجت مايلا من غرفتها، تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها. توقفت عند عتبة الباب، تراقب المشهد بابتسامة هادئة وإشراق نادر. همست لنفسها:

“كنت واثقة من أنها ستنجح.”

رغم الاحتفالات والهتافات التي ملأت المكان، كان أوريل يقف بعيدًا في الخلف.

كان يراقب بصمت.

لم يكن يعرف كيف يشارك أو ماذا يقول… لكنه كان يرى كيف أحب الجميع إيروها، وكيف وثقوا بها.

شعر أنه في عالم غريب عنه، لكنه لم ينفر منه.

فجأة، اقتربت إيروها منه، أمسكت بيده بلطف وقالت بابتسامة دافئة:

“حسنًا، أوريل… مرحبًا بك في الثورة. هذه البداية فقط.”

نظر إليها للحظة، وكأن الكلمات لم تصل إليه بسرعة… ثم، وبهدوء شديد، أومأ برأسه موافقًا.

في تلك الليلة، انتهى فصل مأساوي من حياة أوريل، وبدأ فصل جديد لم يكن يتوقعه.

لم يكن يعرف ما الذي ينتظره لاحقًا، ولكن في هذه القاعدة… شعر بشي غريب داخله.

وهكذا، عادت إيروها من مهمتها الشاقة، ليس فقط بالنجاة… بل أيضًا بإنضمام “وحش الغابة” إلى صفوف الثوار.

نهاية الفصل

2026/01/04 · 14 مشاهدة · 1329 كلمة
نادي الروايات - 2026