الشموع تتراقص بخفة على الأعمدة الخشبية القديمة، وتلقي بظلال متشابكة على جدران دار المتعة المرخّصة . الهواء ثقيل، محمّل برائحة القماش القديم والشموع المذابة، وكأن المكان نفسه يتنفس انتظارًا لشيء غير مألوف .
في زاوية الغرفة، مي لين تتلوى بين الألم والغضب، صرخاتها تتردد بين الجدران، تصرخ بغضب مي لينغ التي لم تعرف الأمومة ولم تكن مستعدة لحمل هذا العبء الغامض . يديها ترتجفان، وجوفها يمتلئ بخوف لا يمكن التعبير عنه، خوف من المستقبل الذي لا تفهمه.
تقف بجانبها هاو نينغ، القابلة العتيقة، تهدئها بكلمات هامسة، تمسح جبينها ببطء، تدلك يديها وتهمس لها: "كل شيء سيكون على ما يرام... فقط تنفسي." لكنها تعرف، كما يعرف الجميع هنا، أن هذه المولودة ليست عادية.
وعند زاوية الغرفة، زو تشيان، مالكة الدار العجوز، تراقب كل حركة بعينين لا تخطئ، كأنها تنتظر وشيء مظلم سيظهر بين هذه الجدران . قلبها ينبض بسرعة، لكنها تحاول أن تبقي هدوءها على سطحها، وكأن كل ثانية تمر تحمل لغزًا قديمًا لا يفهمه أحد .
ثم وُلدت لي فا ، طفلة ذات بشرة صافية كالثلج، شعر أسود كالليل الطويل، وعيون بيضاء تحمل صفاءً مخيفًا . غُطيت ببطانية بيضاء بعناية، وساد صمت غريب، كأن العالم نفسه توقف عن التنفس للحظة.
رفعت هاو نينغ الطفلة لتراها زو تشيان عن قرب... وما إن لمحت الوشم على خلف أذن لي فا، زهرة فاوانيا حمراء كدماء خفية، امتدت بعروق رقيقة على جلدها الصغير، حتى اغشي على زو تشيان . الأرض اهتزت بصمت، والهواء بدا وكأنه يحمل رسالة من لعنة قادمة، لغز لم يُحل بعد .
لي فا أغلقت عينيها لأول مرة، لكن ابتسامتها الصغيرة كانت همسًا خفيًا للقدر، علامة على جمالٍ ولقاء مع مصير مشفر منذ لحظة ولادتها .
بعد لحظة الإغماء المفاجئ، تدحرجت زو تشيان على الأرض، وأصوات العمالات في الدار ارتفعت كالرعد الخافت. تهافتن جميعًا نحوها، كل واحدة تحمل خوفًا واحترامًا مزيجًا بالغموض ، محاولاتهن لإسعاف مالكة الدار العجوز كانت متشابكة مع الصرخات والخوف المكتوم.
من زاوية الغرفة، مي لينغ تراقب المشهد، صرخات الألم والدهشة تتردد في قلبها: "لماذا... لماذا أغمي على ماما؟!" نادت عليها بخوف وارتباك، محاولة أن تفهم سبب هذا التصرف الغامض."لا بد ان تلك طفلة السيئة افزعتها " قالت بصوت متجهد من الإعياء .
ابتسمت هاو نينغ بهدوء، رغم التوتر، وقالت: "لا تفزعي، مي لينغ... ولا تدعي قلبك يتطير. ما حدث لم يكن شيئًا يمكن فهمه الآن. إنها مجرد لحظة... شيء لم يكن.و تعرفين اأن زو تشيان قوية جدا و أن مثل هاته الأمور مرت عليها كم من مرة "
صمتت مي لينغ، لكن الخوف ما زال يتسلل إلى أعماقها، نظراتها تعود إلى الطفلة لي فا، المغطاة بالبطانية البيضاء، الوشم الغامض خلف أذنها . لا أحد يعرف معناه حتى الآن ،لعل زو تشيان ستجيبها لأنها فجأة تذكرت جارية سابقة بنفس وشم مكتسب و ماتت في بداية ربيعها ...كان إسمها هواو ماو و كانت شديدة كره لها لأنها كانت جاذبة للأنظار ،لكن شاء قدرها أن تذبل زهرتها و هي في ربيعها 18 فقط... هناك، وسط الهمسات والقلق، بدأت أسطورة الجمال الملعون تأخذ مكانها ، فكل شيء من حولها أصبح يهمس بلغة الغموض والصمت، كما لو أن الحياة نفسها توقفت للحظة لتشاهد هذا الحدث الأول.
الشموع الخافتة تتراقص على جدران الدار ، تلقي بظلال طويلة تشبه خيوط الدخان التي تتلوى بين الأعمدة الخشبية القديمة. الهواء ثقيل برائحة الشموع والزهر القديم، ويمتزج بخيوط من العطر الذي تتركه الجاريات في كل زاوية .
عادت زو تشيان إلى وعيها، عينان متسعتان تلتقطان كل حركة، كل همسة، وكل نظرة متشابكة من حولها. الجاريات العاملات، اللواتي تهافتن نحوها فور الإغماء، وقفتن الآن متباعدات، تنظرن إليها بدهشة وخوف مختلط بالاحترام .
رفعت زو تشيان يدها برفق، وأشارت نحو البطانية البيضاء التي تحتضن لي فا ، عينيها تتأمل الوشم الدموي خلف أذن الطفلة: زهرة الفاوانيا، حمراء ومرسومة بعروق دقيقة، كأنها تنبض بحياة سرية خاصة بها .
أخذت نفسًا عميقًا، ثم نطقت بصوت مرتعش لكنه صارم: "انظرن إليها جيدًا... هذا الوشم ليس مجرد زخرفة. إنه علامة قديمة، أثر لعنة القمر الأحمر ..." توقفت للحظة، نظرت إلى كل واحدة في الغرفة، ثم تابعت: "كل خمسين سنة يظهر تنين أحمر ، يختار فتاة واحدة من مواليد الصين، ليمنحها جمالًا فائقًا... جمالًا يأخذ معها الوقت، ويحول العمر إلى عبء، ويجعل كل لحظة نعمة ولعنة معًا ."
ارتجف بعض الحضور، وصمتت الجاريات للحظة. الهواء بدا وكأنه يتقلص حولهن، يحمل صدى أسطورة قديمة لم يسمع بها أحد منذ قرون .
زو تشيان أمالت رأسها قليلاً، وهمست بصوت منخفض، وكأنها تتحدث لنفسها وللجميع في نفس الوقت: "تذكرن لي هوا ... جارية كانت واجهة الدار، أيقونة جمالها وسحرها، تنافست معنا جميعًا، وتشاجرت مع مي لينغ حول الزبائن، كل يوم كان معركة صغيرة... لكنها اختفت في ربيعها الثامن عشر، تركت كل شيء وراءها، ولم تعد."دمعت عينها قليلا ثم تظاهرت بقوة كالمعتاد .
نظرات العاملات والجاريات اتسعت، والخوف امتزج بالفضول. مي لينغ لم تستطع منع قلبها من الخفقان: "لكن... لماذا أغمي عليها الآن؟ على مربيتنا؟" ابتسمت هاو نينغ بهدوء، تلمس كتف مي لينغ برفق، وقالت: "لا تفزعي مي لينغ ، و دعينا نكمل كلام زو تشيان لنعرف السبب الذي أرعبها فجعلها تتلوى ارضاً."
ثم رفعت زو تشيان عينيها إلى مي لينغ وقالت، بصوت يشبه الهمس بين الغضب والخوف: "اعلمي، هذه الصغيرة... لي فا ، ليست كأي طفلة أخرى. جمالها ولعنتها سيغير كل شيء حولها... الدار، الجاريات، وحتى حياتنا كلها ستنحني أمام سرها."
الجاريات العاملات انحنين بخوف، يتراجعن قليلاً، والهمسات تتصاعد بينهن: "هل هذه فعلاً... اللعنة؟" مي لينغ تنفست ببطء، نظراتها تعود إلى لي فا ، ترى الوشم والبطانية البيضاء، وتشعر بأن كل الخوف والغيرة والفضول ممزوج الآن برهبة عميقة، كأن الغرفة كلها أصبحت مسرحًا لمستقبل لم يُكتب بعد .
في تلك اللحظة، بدا الصمت ممتدًا بلا نهاية، وكأن كل شيء في الدار، كل الجدران، وكل الظلال، يعرف أن أسطورة لي فا بدأت الآن... بين الضوء والظل، بين الجمال واللعنة، بين الماضي والغموض.
مرت أسابيع قليلة ...
في الغرفة الضيقة، حيث تتشابك رائحة البخور مع حليبٍ حامضٍ متسرب من قنينة فخارية، كانت مي لينغ جالسة على حافة السرير الخشبي المنخفض، شعرها غير مرتب، وجفناها مثقلان بالسهر والدموع. بين يديها الطفلة الملفوفة في قماط أبيض، تلك الصغيرة التي لم يمضِ على صراخها الأول سوى أسابيع قليلة.
رفعت مي لينغ عينيها نحو السقف، وكأنها تستجدي رحمة لا تأتي. همست بصوت مبحوح: "لماذا جئتِ إليّ؟ لماذا أنا؟"
بكت الطفلة فجأة، بكاءً حادًا يملأ المكان. ارتجفت مي لينغ، عضّت على شفتها، وأجبرت نفسها على إرضاعها. كانت كل مرة تضعها على صدرها، ينهض شعور داخلي غريب... مزيج من عطف خانق وكرهٍ لا تعرف كيف تبرره.
دخلت القابلة "هاو نينغ" بخطوات سريعة بعدما سمعت البكاء. نظرت إليها شزرًا وقالت بصرامة: "أهذه طريقة تُرضع بها الأم طفلتها؟ كأنك تدفعينها عنك، لا تضمينها إليك!"
أخفضت مي لينغ رأسها دون رد، بينما لي فا تحركت بجسدها الصغير متشبثة بما تمنحه، ولو كان حليبًا ممزوجًا بالدموع.
في الزاوية، جلست زو تشيان العجوز على كرسي خشبي مصقول، تراقب المشهد بعينيها الضيقتين. وضعت مروحتها على ركبتها وقالت بهدوء قاتل: "تذكّري يا مي لينغ... الطفلة لا تختار أمها. أنتِ من جلبتها، فلا تتركيها فريسة لبرودة قلبك. إن كنتِ لا تحبينها... فاعلمي أن التنين يحبها أكثر مما تتخيلين."
ارتجفت مي لينغ عند سماع كلمة "التنين"، وتعلقت عيناها بالوشم الأحمر خلف أذن الصغيرة، ذاك الذي يُشبه زهرة فاوانيا ملطخة بالدم. صرخت فجأة وكأنها تحاول طرد الفكرة: "إنها ليست سوى لعنة! لعنة جعلتني سجينة!"
اقتربت هاو نينغ منها، أخذت الطفلة من ذراعيها بحنان خبير، وضمتها إلى صدرها. سكنت الصغيرة شيئًا فشيئًا، تنفسها صار أكثر هدوءًا. همست القابلة، بصوت بالكاد يُسمع: "حتى اللعنات تحتاج قلبًا يُخفف ثقلها... أما قلبك، يا مي لينغ، فهو أثقل من أن يحمل طفلة."
هنا، سقطت من النافذة بتلة خوخ وردية، استقرت فوق جبين لي فا، وكأنها تحمل وعدًا غامضًا... وعدًا بأن جمالها سيكون سلاحها، وبكاءها موسيقاها الأولى في هذا العالم.