عدت للمكان الذي لم يجدر بي مغادرته من الأساس. كان كل ركن من مسكننا يعج بالذكريات، استشعر وجوده، صوته، ضحكاته ورائحته واشتاق لوجوده

مازال منزلنا كما تركته اخر مره قبل خروجي للركض لتنظيم افكاري ومعرفة الحقيقة. دخلت غرفتي التي تبدو كخاصة الأطفال فعلى رغم تقدمي بالسن لم أتمكن التخلص من أي دميه قد اهديت لي من قبله

أتذكر ليلتنا الأولى معا عندما بدأت الهلوسات بالسيطرة على عقلي والرعب من حادثة الميتم تسلل الي قلبي...كنت اتخيل كل زاوية من الغرفة ممتلئة باللعنات التي تشبه كانا وتاناكا وأطفال الميتم. أتذكر جيدا جلوسي على السرير وتغطية وجهي باللحاف محاولة منع نفسي من رؤيتهم وخائفة من سماعه صوتي ومعرفة خوفي فيتخلص مني

كنت ارتجف مثل قطة تائهة مغلقة اذنيّ امنع أصواتهم من الوصول الي، بلحظة تبدد الظلام تحت اللحاف ووجدته يجلس مقابل لي على السرير، لم يكن يبتسم كما اعتاد بل كان يبدو قلقا وخائفا ولكنني لم افهم عندها المعنى من نظراته

" انا اسفه "

اعتذرت على الرغم من عدم ارتكابي أي خطا

" على ماذا تعتذرين؟ " القى باللحاف جانبا وعدل جلسته حيث كانت ساق على السرير والأخرى تتدلى ارضا " إذا كان هناك ما يزعجك عليكِ مشاركته معي لا الاختباء مثل سارق صغير "

" انا...انا "

ترددت بالتحدث وبت اتفحص ملامحه محاولة قراءتها ولم أجد بها أي انزعاج، كان ينظر لي بصبر منتظر تحدثي

" استمر برؤية الاشباح مجتمعة حولي وتتحدث معي "

" اشباح؟ " تسائل وفحص الغرفة ثم أعاد التركيز بي " من المستحيل ان تتواجد اللعنات حيث أكون اينوري ولو حدث وتواجدوا يمكنني الشعور بهم والمجي لإنقاذك "

" لكنه شبح كانا وأطفال الميتم "

اختفت ملامحه المرتاحة لسماع ذلك. كان يعلم أنى بت أصاب بالجنون والهلوسة، لم يكن شيئا صادما عند التفكير بكل ما حصل بحياتي

" اينوري " همس باسمي ورسم ابتسامته التي تخفي عينية " هل رأيت بالغا يخاف من طفل من قبل؟ او جندي يرتعب من مجرد مدني؟ "

هززت راسي نفيا فمسح على شعري وتحدث بصوته الدافئ

" بشر كانوا او لعنات او حتى اشباح جميعهم أضعف منك...لما تخافين مما يمكنك التخلص منه بسهولة؟ كل ما حدث بحياتك لم يكن خطائك بل هو بسبب ولادتك بالعائلة الخطأ "

كلماته كانت مقنعه او ربما فقط تردد اللحن الصادر من صوته كان مثل التنويم المغناطيسي بالنسبة لي

" ما يجدر بك فعله منذ الان هو الاهتمام بنفسك وازاحة أي ما يرعبك...عليكِ البقاء على قيد الحياة حتى لو عنى ذلك قتل الاخرين "

" اليس هذا فعلا سيئًا؟ "

" وهل يشعر البشر بالسوء عند قتل الحيوانات؟ " أومأت نفيا فأعاد ابتسامته " حسنا هذا يفسر لك انه لا باس بقتل من هم اقل منك من اجل عيشك "

كانت كلماته القانون الذي فرضته على حياتي منذ اللحظة التي التقينا بها ببساطة لأنها كانت الطريقة الوحيدة لي من اجل العيش جيدا وعدم الخوف والبكاء

أتذكر شعوري بأنني محبوبة للمرة الأولى بتلك الليلة عندما نمت بحضنه وسمعت مختلف القصص حتى غضضت بنوم عميق لم أنم مثله قبلا وعندما استيقظت كانت غرفتي ممتلئة بالدببة المحشوة

" لم اعلم ما افعله من اجلك واعتقدت ان الدمى المحشوة قد تساعدك قليلا "

فرك مؤخرة راسه يبتسم بخجل

كان يشعر بالأحراج مما فعله ولم يعلم ما ان كان سيعجبني وقد نسيت...نسيت حتى انني كنت بيوم ما أحب الألعاب واعيش كاي طفلة أخرى وهو ساعدني لتذكر

" شكرا لك " اخفضت راسي واغرقت عيوني بالدموع التي قطرت على الأرض. اهتزت اكتافي قبل ان ابدا النحيب " شكرا لأنك جعلتني اتنفس مجددا "

منذ بدأت العيش كابنه غيتو سوغورو أصبحت طفلة كثيرة البكاء ومتطلبة ومزعجة ولكنه ولا للمرة واحدة تذمر من تصرفاتي كان يعلم أنى افتقر للكثير واني على مقربة من الجنون وقد أنقذني بالخطوة الأخيرة قبل وقوعي من الجرف

استلقيت على سريري الممتلئ بالغبار وسمحت لدموعي العالقة بالتسرب على وجنتي وكم اشعر بالظلم والقهر...كان هو الشخص الوحيد الذي أحببت، كان عالمي وملجئي ولكنهم سلبوني إياه

" لماذا...لماذا لم تترك عالمك المثالي، مستعملي الجوجيتسو اللعنات وكل هذا الهراء كان عليك جعلهم يعيشون كما فعلو منذ القدم وتختارني "

شعرت بالم بحلقي ودموعي الهادئة سريعا ما علت وأصبحت شهقات تصعب التنفس

" كان عليك ان تختار العيش المعي والبقاء كما كنا دائما...ما هو المهم بحياة الاخرين امام حياتك؟ اخبرتني بالبقاء على قيد الحياة ولكنك ذهبت أولا وتركتني اواجه العالم الذي أكره بشدة لوحدي "

أجهل كيف تغلب النوم على دموعي وحزني وغضضت بسبات عميق

كنت اختبئ خلف الباب اراقب معلمي جالسا اعلى من أولئك القردة ويساعدهم بتخلص من اللعنات العالقة بهم...كنت أحب مراقبته وهو يجلس هناك وكم يبدو مهيبا في نظري ولكن ليس اليوم! كانت احدى الموجودين فتاة لم تخفض بصرها كما يجب ان تفعل

انتظرته بالخارج واللعنة قد تأخر للغاية! انه عيد ميلادي السابع عشر ووعدني بقضاء اليوم رفقتي ولكن شاهده! واقف يبتسم لتلك الخنزيرة محمرة الوجنتين

" تأخرت "

وقف امامي أخيرا مبتسما ولكني تجاهلته وسرت بعيدا

" هل انتِ غاضبة؟ "

لحق بي يقهقه ساخرا

" لا اصدق أنك تفضل قضاء يوم ميلادي مع أكياس القمامة على البقاء معي "

التفت اليه بشفتي المتقوسة من شدة انزعاجي

" اعتذر حقا ولكن اليوم كان مزحما أكثر من المعتاد " شد وجنتي ومددها " كامل يومي هو ملك لك منذ الان انسة اينوري "

اخفيت ابتسامتي السعيدة وتظاهرت بعدم الاهتمام

" فقط اليوم؟ هل تخطط للزواج؟ "

جحضت عينيه قبل ان يباشر الضحك

" ماذا هل أحضرتِ عروسا من أجلى؟ "

" سأقوم بصعقك حتى تصبح هيكل عظمي "

ادرت وجهي بحنق

" إذا ما الذي جعل الطفلة اينوري تخطط لتزويجي؟ "

" انا امنعك! " قلت وبدانا السير معا " لن اسمح لك بان تتزوج ولن اتزوج بالمقابل "

" اوه تبدو هذي صفقة عادلة " ابتسم لي وبعثر شعري فنظرت اليه " إذا هل علينا العيش معا دائما؟ "

احتضنت ذراعه وابتسمت باتساع سعيدة بما قال

" هذا صحيح لنعش معا...الي الابد فقط انا وانت "

" لن اسمح لك بتغير قرارك بالمستقبل، عندما تحضرين شخصا ما لا تنتظري ان اقبل به! "

" وأين سأقابل أي شخص! انا اقضي نصف اليوم معك وربعه مع ميغيل وما تبقى اجمع اللعنات "

عقدت جبيني منزعجة كأنه يتهمني بالخيانة

" لهذا السبب بضبط عليكِ البقاء منشغلة دائما "

" لا يهمني أي رجل بالعالم ولا اعتقد انه يوجد شخص قادر على جعلي سعيدة عداك "

" انا بحاجة لتسجيل هذا " اخرج هاتفه من جيبه ونظر الي " اعيدِ قولها مجددا "

اشتعلت من شدة الاحراج وتركته ذراعه صارخه به

" انت تتصرف مثل الاباء بالخمسينات! "

تمنيت لو لم استيقظ...كان مجرد حلم عن ذكرى تبدو بعيدة للغاية ولكنها بالواقع لم تكن الا منذ سنتين عندما كنت امتلك العالم بين يدي

أجهل الوقت وكم بقيت نائمة وكل ما اشعر به الصداع ورغبة بالتقيؤ لأنه وبمجرد استيقاظي اول ما تذكرت كان وجه يوجي المصدوم من افعالي وأكره حقيقة تذكري له بعد حلم كهذا

امسكت هاتفي لرؤية الساعة وتنهدت عندما أدركت أنى نمت ليوم تقريبا وأنها الرابعة عصرا...ولكن خلفية الهاتف التي ابتسم بها واقفه وسط يوجي وميغومي تجلس اسفلنا نوبارا ويقف غوجو بالأعلى جعلتني أتذكر ما نسيت

هذا ليس هاتفي انه الهاتف الذي اشتراه لي غوجو بعد فقدان ذاكرتي، استقمت من السرير بوجه مرعوب ويدان ترتعشان، هاتفي القديم...كنزي الممتلئ بذكرياتنا اين وضعته!

بحث بكل ركن من المنزل ولم أجد الا الهواتف القديمة التي توقفت عن استعمالها ولكن ذلك الهاتف الذي اهداه لي بعيد ميلادي السابع عشر اختفى...خطر فقط شخص واحد على بالي واسرعت بالخروج دون حتى تغيير ملابس التدريب التي ارتديها منذ الامس

اين اجدها؟ ربما توقفوا حتى عن الذهاب للمعبد ولكنهم ربما ما يزالون يلتقون بمكان ما، تبعت شعوري الي حيث تمنيت وجودهم واقتحمت المبنى المهجور الذي سبق تجمعنا به العديد من المرات لوحدي

لم يخب احساسي وكما توقعت كان مانامي ورارو يتحدثان عن شيء ما وفور ملاحظتي جحضت عيونهم

" اينوري! " صرخت مانامي باسمي واسرعت باتجاهي " ماذا تفعلين هنا؟ لا تخبريني..."

" كيف تعلمين بشأن فقدان ذاكرتي "

رفعت حاجبي مستنكرة فتحدث رارو

" كانت هناك عندما أجريت العقد مع نفسك "

بدلت نظري من رارو الي مانامي مجددا

" إذا هاتفي! انه بحوزتك "

ابتلعت ريقها متوترة واخرجته من حقيبتها رفقة بطاقتي الشخصية

" انا اسفه...عندما سمعتك تتحدثين عن نسيان كل شيء اردت مساعدتك حتى لا تعودي الي هنا مجددا ولذلك سرقت هاتفك وبطاقتك قبل استيقاظك "

كان واضحا بعد الذنب على ملامحها الحزينة

" لا باس مانامي اتفهم ذلك...رغبتك بحمايتي انا شاكرة لها "

ابتسمت لها وتذكرت ما حدث بذلك اليوم

ارتديت سماعات الهاتف استمع لموسيقى ما وخرجت للركض بسبب شعوري بالخنقة من البقاء بالمنزل لوحدي...اختفى معلمي منذ ثمانية أشهر واخبرتني عندها مانامي انه ذهب في رحلة طويلة لجمع الرحلات وعلى الاغلب لن يتمكن من التواصل معنا، تفهمت ذلك ولم اتذمر على الرغم من شعوري الموحش بالوحدة والاشتياق

بذلك اليوم قررت مقابلة الجميع واتجهت للمبنى المهجور حيث اعتادوا على التجمع وصادف ان سمعت

" مانامي علينا اخبار اينوري بالحقيقة...لها كامل الحق بمعرفة انه لن يعود "

كان صوت رارو المنزعج

" اختر كلمات نخبرها بها إذا! ابيك قد مات على يد غوجو ساتورو؟ او هزم بواسطة طالب السنة الأولى اوكوتسو يوتا؟ ما الطريقة المناسبة لوصف موته حتى تتقبله! "

" لا داعي لمعرفة التفاصيل لن تزيد التفاصيل الامر الا سوء...تعلمين انها سترغب بالانتقام ولك حرية تخيل فكرة غبية مثل الانتقام من غوجو ساتورو "

" إذا ماذا ستخبرها؟ تعثر ومات؟ هي ليست غبية ستعلم السبب ولكن طريقة اخبارها هي ما ستأثر على ما ستفعله لاحقا "

لم اعلم ماهية الشعور الذي راودني بذلك الوقت ولكنني اكتفيت بفتح الباب بملامح تخلو من أي تعبير

" هل هذه مزحة ما؟ "

تمنيت لو كانت كذلك ولكن ملامحهم تدل على العكس تماما

انسحبت وبدأت الركض بعيدا. لا ابكي ولا اشعر ولا اعرف الي اين...ركضت بأقصى سرعة الي مكان مجهول ابتغي به الهرب من المشاعر التي تلاحقني، مات؟ كيف أستطيع تقبل امر كهذا لم أتمكن من فهم ثقل الكلمة او استيعاب الحقيقة حتى تعثرت ووقعت ارضا بجانب سلة مهملات

" انا لا اريد الانتقام ولا اريد العيش فقط اريد ان أنسي "

تمتمت بتلك الكلمات ومازلت واقعة على الأرض دون أي دموع او مشاعر

" الختم على الجوهر خده واختم ذكرياتي عن كل شخص عرفته بحياتي...لن أتذكر ابدا الا لو عرف شخص ما حقيقة الختم عدا ذلك سأموت بطاقتي الملعونة "

أجريت عقد مع نفسي جعلني أفقد الوعي وعاد الجوهر الذي ختمه معلمي لاستقطاب اللعنات مجددا من دون ختم يحجبه ذلك عندما وجدني غوجو ساتورو تحيط بي اللعنات

استرددت هاتفي وبطاقتي وغادرت جانبهم...نظرت للخلفية وتلاشت ابتسامتي الصغيرة، بذات العيد ميلاد الذي اشترى لي هذا الهاتف هدية التقطنا هذه الصورة التذكارية

" انت حقا قاسي القلب " تمتمت أقف بخارج المبنى المهجور بزقاق مظلم " اعلم أنك أحببت الشامان وتلك المدرسة ولكنني احببتك انت فقط...لن اتبع قوانينك وسأحطم ما اعتززت به...لا يمكنك لومي على هذا "

اعدت هاتفي لجيبي وحدقت بالسماء التي يظهر بها قليلا بين المباني المهجورة

" إذا ما أفضل طريقة لقتلهم؟ "

" يمكنني اخبارك بواحدة...طريقة لقتلهم "

انتشر شعور ملعون للصوت الذي تحدث من خلفي وسريعا ما التفت لأرى مصدر هذا الشعور

وجه مرقع وشعر طويل، ابتسامة شريرة...سمعت بهذه المواصفات من يوجي، لعنه بإمكانها التحدث...ماهيتو

2024/08/04 · 34 مشاهدة · 1756 كلمة
مدري
نادي الروايات - 2026