الفصل الأول: ثقوب سوداء كان رائد ابن الخامسة والعشرين، شابًا عاديًا في مدينة مزدحمة، يعيش حياة روتينية بسيطة. يعمل مهندس برمجيات في شركة صغيرة، يقضي أيامه أمام شاشة اللابتوب، وأمسياته في المقهى المفضل قرب بيته أو في غرفة نومه يقرأ كتبًا وروايات في شتي المجالات. لم يكن يحلم بمغامرات كبرى، ولا يطمح إلى شهرة أو ثروة؛ كان يكتفي بأن يعيش حياة متوسطة هادئا ومرتاح البال في تلك الليلة، كان رائد يمشي في شارع رئيسي مزدحم كعادته بعد انتهاء العمل. الساعة تقترب من التاسعة مساءً، والشوارع مليئة بالناس العائدين إلى منازلهم، سيارات تتحرك ببطء، أضواء المحلات تنعكس على الرصيف المبلل بعد مطر خفيف. كان يسير وسماعاته في أذنيه، يستمع إلى بودكاست عن أحد ملوك أوروبا في القرون الوسطي فجأة... توقف كل شيء. لم يكن صوت انفجار، ولا صرخة، ولا حتى ريح قوية. كان . تغيّرا في الواقع نفسه. بدأت تظهر نقاط سوداء صغيرة في الهواء، كأن شخصًا ما ثقب السماء بإبرة سوداء. في البداية كانت صغيرة جدًا، لا تكاد تُرى، لكنها سرعان ما كبرت. نقطة فوق سيارة، أخرى أمام واجهة محل، ثالثة فوق رأس امرأة تحمل طفلها. ثم بدأت تتوسع، تبتلع الضوء حولها، تُشوّه المنظور كأن الواقع نفسه يتمزق. لم يفهم أحد ما يحدث. الناس توقفوا مكانهم، ينظرون إلى الأعلى، إلى الجوانب، إلى بعضهم البعض. سمع رائد صرخة امرأة قريبة: «النجدة، أنقذوني !» حاول شخص ما الهرب، ركض نحو زقاق جانبي، لكن ثقبًا أسود ظهر فجأة أمامه، ابتلعه في ثانية واحدة دون صوت، كأنه لم يكن موجودًا أبدًا. السيارات توقفت فجأة، بعضها انحرف واصطدم بالرصيف، لكن أصحابها لم ينزلوا؛ كانوا يحدقون في الثقوب التي تكبر حولهم. رائد رفع عينيه إلى السماء. كان هناك ثقب أسود ضخم يتسع فوق المبنى المقابل، يبتلع السحب والنجوم، يجعل الليل أكثر ظلامًا. شعر بقوة جاذبية غريبة تسحبه نحوه، ليست قوية جدًا في البداية، لكنها تزداد بسرعة. حاول التراجع، لكنه تعثر. نظر حوله فرأى الناس يُسحبون واحدًا تلو الآخر. طفل يصرخ ويُمسك بأمه، لكن الثقب ابتلعهما معًا. رجل مسن سقط على ركبتيه يدعو، ثم اختفى. السيارات بدأت ترتفع في الهواء، تدور حول نفسها قبل أن تُمتص. رائد شعر بجسده يُرفع قليلاً عن الأرض. حاول أن يتشبث بمصباح إنارة، لكن يديه انزلقت. الثقب الأسود أمامه كبر حتى أصبح يغطي نصف الشارع. لم يعد هناك صوت، فقط صمت مخيف، وشعور بالفراغ اللامتناهي. في اللحظة الأخيرة، نظر رائد حوله مرة أخيرة. رأى وجه امرأة شابة تبكي، ثم اختفت. رأى كلبًا يركض مذعورًا، ثم ابتلعه الظلام. ثم... لم يعد هناك شيء يُرى. شعر بجسده يُسحب بقوة هائلة. لم يكن ألمًابالمعني الحرفي، بل شعور بالتمدد، كأن كل ذرة في جسده تُفصل عن الأخرى ثم تُجمع مرة أخرى في مكان آخر. الزمن توقف، أو ربما تسارع، لا يدري. كل ما يتذكره هو أن عينيه أُغلقتا، وأن الظلام ابتلعه كاملاً. ثم... لا شيء

2026/02/17 · 1 مشاهدة · 439 كلمة
ahmed reda
نادي الروايات - 2026