الفصل الثاني: الغريب في الغابة استيقظ رائد والألم يعتصر جسده كأن عظامه قد أُعيد تركيبها بيدٍ خشنة. لم يفتح عينيه على الفور، بل شعر أولاً برطوبة الأرض تحت ظهره، ورائحة الأوراق المتساقطة والتراب الرطب. كان الهواء باردًا نسبيًا، وصوت أوراق الشجر يهمس فوق رأسه كأن الغابة تتحدث بلغة سرية. حاول النهوض، لكنه شعر بدوار شديد، فاستسلم للاستلقاء مرة أخرى. كان جسده ضعيفًا جدًا، كأن الثقب الأسود لم ينقله فحسب، بل سحب منه جزءًا كبيرا من حيويته. لم يتذكر كم مضى من الوقت منذ سقوطه في الفراغ الأسود؛ ساعات؟ أيام؟ فجأة، سمع أصوات خطوات خفيفة تقترب، ثم همسات خافتة بلغة غريبة في البداية، لكنها – بمعجزة ما – بدأت تتضح له تدريجيًا، كأن عقله يترجمها تلقائيًا. «انظروا... رجل غريب هنا. هل هو ميت؟» «لا، يتنفس... لكنه شاحب جدًا. يبدو جائعًا ومرهقًا.» اقتربت أصوات أكثر. شعر رائد بيد تمسك بمعصمه، ثم صوت امرأة مسنة: «قلبه ينبض، لكنه ضعيف، لا جروح ظاهرة، لكن جسده بارد كالثلج، لنحمله إلى القرية بسرعة.» رفعوه بحذر كانوا ثلاثة: رجل قوي البنية، امرأة في منتصف العمر تحمل سلة أعشاب، وفتى نحيف يساعد في حمل الذراعين. وضعوه على نقالة مؤقتة من أغصان مربوطة بحبال من القنب، وحملوه عبر الغابة. لم يستطع رائد الكلام، لكنه كان يسمع حديثهم المتقطع: «من أين أتى هذا الغريب؟ ملابسه غريبة... ليست من صوفنا ولا من جلدنا» «ربما من الجنوب، أو من بلاد ما وراء الجبال. المهم أن ننقذه أولاً.» وصلوا إلى القرية بعد ساعة تقريبًا. كانت القرية صغيرة وبدائية ، أكواخ طينية متفرقة، أسقف قش مهترئة جزئيًا، وساحة مركزية تحت شجرة زان عجوز. وضعوه في كوخ كبير القرية على فراش من القش المغطى ببطانية صوفية بدأت المرأة المسنة في علاجه فورًا. أشعلت نارًا صغيرة في الموقد، ثم أعدت مشروبا مغليًا من أعشاب برية: أوراق خضراء مرة، جذور بنية، وبعض العسل بري. أجبرته على شرب قليل منه رغم مرارته، فشعر بدفء يسري في جسده تدريجيًا. قالت العجوز وهي تمسح جبينه بقماش مبلل: «اشرب ببطء يا ولدي. جسدك جاف للغاية. سيعيد إليك القوة.» أطعمته حساءًا خفيفًا من الخضار والشعير المطحون، قطع صغيرة من خبز يابس، وبعض اللبن الرائب. كان الطعام بسيطًا، لكنه دافئ ومغذٍ. أكل ما استطاع، ثم استسلم للنوم العميق تحت البطانية الثقيلة. مرت ثلاثة أيام وهو يتقلب بين النوم واليقظة الخفيفة. في كل مرة يفتح عينيه، كان يجد أحدًا بجانبه: غونرو الفتى يجلب ماءً نظيفًا، أو بارِك يضع حطبًا إضافيًا في النار، أو هامل نفسه يجلس يراقبه بهدوء. في اليوم الرابع، استطاع رائد الجلوس دون مساعدة. كان جسده لا يزال ضعيفًا، لكنه شعر بقوة تعود إليه ببطء. نظر إلى هامل الذي كان جالسًا قربه، وقال بصوت خافت: «شكرًا... لقد أنقذتم حياتي.» أجاب هامل بابتسامة هادئة: «نحن أهل تَلمِير لا نترك غريبًا يموت في غاباتنا. أنت الآن ضيفنا، وإن شئت البقاء، فأنت منا. لكن قل لي: من أنت، ومن أين أتيت؟» تنفس رائد بعمق، ثم قال الحقيقة بقدر ما يستطيع دون إثارة الريبة: «اسمي رائد. أتيت من بلاد بعيدة جدًا... بلاد لا تعرفونها. سقطت في طريقي إلى هنا، ولم أعد أعرف كيف أعود» نظر هامل إليه طويلًا، ثم أومأ برأسه: «البلاد البعيدة كثيرة، والطرق مليئة بالمفاجآت. المهم أنك حي الآن. ارتح، وكُل جيدًا. عندما تستعيد قوتك، سنتحدث أكثر.» في تلك الأيام، اعتنى به الأهالي بعطف حقيقي. أحضروا له ملابس صوفية دافئة بدلاً من ثيابه الغريبة الممزقة، وأطعموه ثلاث مرات يوميًا: حساء، خبز، فواكه برية مجففة، وبعض الجبن. كانت أم زهار تأتي كل صباح لتفحص نبضه وتعطيه مغليًا جديدًا لتقوية الجسد. كان رائد يشعر بامتنان عميق. لم يكن هؤلاء الناس يعرفونه، ولم يكن لديهم الكثير، لكنهم أعطوه ما يملكون دون تردد. في نهاية الأسبوع الأول، استطاع رائد الوقوف والمشي داخل الكوخ. خرج إلى الساحة لأول مرة، فوجد الأطفال يركضون نحوه بفضول، والكبار يبتسمون له ترحيبًا. جلس تحت شجرة الزان، ونظر إلى السماء الغريبة، وقال لنفسه في سره: «ربما لم أسقط هنا عبثًا.»

2026/02/17 · 1 مشاهدة · 606 كلمة
ahmed reda
نادي الروايات - 2026