"كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والمدينة غارقة بصمتٍ ثقيل يشبه صمت المقابر. الرياح الباردة تضرب النوافذ القديمة بعنف، وكأن شيئًا في الخارج يحاول الدخول. كنت وحدي في ذلك المنزل المهجور، أحمل مصباحًا ضعيف الضوء ورسالة قديمة وجدتها بين أغراض والدي بعد موته. كل ما كُتب فيها كان جملة واحدة فقط: لا تذهب إلى القبو… مهما سمعت هناك. لكن الفضول دائمًا أقوى من الخوف. نزلت الدرج الخشبي ببطء، وكل خطوة كانت تصدر صريرًا حادًا يخترق أعصابي. الهواء في الأسفل كان أبرد بشكلٍ غريب، ورائحة العفن ممزوجة بشيء آخر… شيء يشبه رائحة الدم. حاولت إقناع نفسي أن الأمر مجرد أوهام، حتى رأيت آثار أقدام حديثة على الأرض المغبرة. لم أكن وحدي. توقفت أنفاسي للحظة، وبدأ المصباح يرتجف بين يدي. ثم سمعت الصوت… صوت سلاسل تُسحب ببطء في الظلام، يتبعها همس متقطع وكأن عدة أشخاص يتحدثون بلغة غير مفهومة. تراجعت خطوة للخلف، لكن الباب خلفي أُغلق بعنف حتى اهتزت الجدران. وفي تلك اللحظة… ظهر. عينان حمراوان وسط العتمة، تلمعان كجمرتين مشتعلة، يتبعهما وجه شاحب مليء بالندوب، وابتسامة طويلة تكشف أنيابًا حادة تقطر دمًا. كان أطول من أي إنسان رأيته، وجسده مغطى بعباءة سوداء تتحرك رغم سكون الهواء. ابتسم ذلك الشيء ببطء وقال بصوتٍ جعل الدم يتجمد في عروقي: تأخرت كثيرًا… نحن ننتظرك منذ سنوات. شعرت بقدمي تفقدان القدرة على الحركة، بينما بدأت الظلال حولي تتحرك كأنها كائنات حية. ثم خرجت الأيدي… عشرات الأيدي السوداء من الجدران والأرض، تحاول الإمساك بي وسحبي نحو الظلام. صرخت بكل ما أملك، لكن صوتي اختفى داخل القبو، وكأن المكان يبتلع الأصوات. وعندما حاولت الهرب… رأيت باب القبو يختفي أمام عيني تدريجيًا، وكأن المنزل نفسه قرر ألا يسمح لي بالخروج أبدًا. حينها فقط فهمت الحقيقة المرعبة… والدي لم يكتب الرسالة ليحميني من القبو… بل ليحميني مما يعيش بداخله." بقلم الكاتب جوليان محمد🤍✨.

2026/06/12 · 5 مشاهدة · 284 كلمة
نادي الروايات - 2026