الفصل العاشر: المريض الذي يشك في الوجود

كانت السماء في ذلك الصباح أشبه بصفحة رمادية باهتة، بلا شمس ولا لون، كأنها قطعة قماش مهترئة عُلِّقت فوق المستشفى. في الممر الطويل، كانت أضواء النيون ترتجف بخفوت، وأصوات خطوات الممرضين تتلاشى كأنها آتية من بُعد آخر.

جلست خلف مكتبي، والقلم بين أصابعي، أراقب انعكاس وجهي على سطح المكتب اللامع… لم أعرف إن كان هذا وجهي فعلًا أم صورة شخص آخر يقلدني.

فتح الباب ببطء، ودخل المريض الجديد. لم أكتب اسمه في الملف، اكتفيت برمز (X). كان في العشرينات من عمره، طويل القامة، شاحب البشرة، عيناه غارقتان في فراغ كأنه لا يرى الغرفة بل يرى ما وراءها. جلس دون أن أنتظر منه إذنًا، ووضع يديه على ركبتيه بثبات غريب.

قلت بهدوء:

> "أخبرني… ما الذي أتى بك إلى هنا؟"

أدار رأسه نحوي ببطء شديد، وكأنه يحاول أن يتأكد أنني موجود فعلًا.

قال بصوت منخفض لكنه حاد:

> "لا شيء هنا حقيقي… لا أنت… ولا هذه الغرفة… ولا حتى أنا."

سألته:

> "كيف تقصد؟"

ابتسم ابتسامة فارغة، ثم رفع يديه أمام وجهه، قلّب أصابعه ببطء كما لو كانت أدوات غريبة لا تخصه.

> "كل شيء… أشعر وكأنه فيلم قديم يُعاد مرارًا… حتى نفسي. عندما أتكلم، لا أشعر أنني من يتحدث. كأن هناك نسخة أخرى مني… تجلس في مكان بعيد وتراقب."

كتبت في دفتري: "أعراض تبدد الشخصية، تبدد الواقع… محتمل ارتباط بقلق مزمن أو صدمة قديمة."

قلت:

> "هل حدث هذا فجأة؟"

هز رأسه:

> "أذكر يومًا… كنت في المطبخ، أعد فنجان قهوة. فجأة، توقف كل شيء. رأيت البخار يتصاعد من الكوب وكأنه مشهد بطيء في فيلم… ولم أستطع لمس الكوب، كأن يدي لا تخصني. منذ ذلك اليوم، كل شيء حولي يبدو زائفًا. أحيانًا أشعر أن العالم كله… عرض مسرحي وأنا الممثل الوحيد الذي نسي نصه."

صمَتَ لحظة، ثم مال نحوي قليلًا:

> "وأحيانًا… أعتقد أنكم جميعًا لستم بشرًا… بل صور مرسومة على جدران ذهني."

كان صوته باردًا، لكنه يحمل في طياته نبرة خوف دفين.

قلت:

> "هل تفكر أحيانًا في إنهاء حياتك؟"

ابتسم بخفة، وكأنه وجد السؤال مسليًا:

> "كيف يمكن أن أنهي شيئًا لا أعتقد أنه بدأ أصلًا؟"

لمعت عيناه للحظة، ثم أعاد نظره إلى الفراغ.

سألته:

> "هل تعاني من قلق أو نوبات ذعر؟"

أجاب ببطء:

> "دائمًا… أشعر وكأنني على وشك السقوط من مكان مرتفع، حتى وأنا جالس. أشعر بخفة في رأسي، وبرودة في أطرافي، وكأن جسدي يريد الانفصال عني."

كتبت: "تبدد الشخصية/الواقع – غالبًا مرتبط باضطراب قلق شديد أو صدمة نفسية غير معالجة. يحتاج لعلاج معرفي-سلوكي مكثف، وربما مضادات اكتئاب من نوع SSRI."

ثم سألته:

> "هل تتذكر أول مرة شعرت فيها بهذا الانفصال؟"

تغير وجهه فجأة، وكأنه تذكر شيئًا كان مدفونًا.

> "كنت طفلًا… ربما في السابعة. سمعت أبي وأمي يتشاجران بصوت عالٍ. شعرت حينها وكأنني أطفو فوق جسدي… أنظر إليهم من السقف. ومنذ ذلك اليوم، كلما شعرت بالخوف، أخرج من نفسي… وأترك جسدي يدير الأمر."

أدركت حينها أن جذور هذا المرض كانت في الطفولة… في تلك اللحظة التي لم يستطع عقله الصغير تحملها، فاختار الهروب من الواقع كله.

أنهينا الجلسة بصمت. وقف، نظر حوله مرة أخيرة، ثم قال قبل أن يغادر:

> "إن كان هذا العالم حقيقيًا… أرجوك لا توقظني."

---

التفسير الطبي:

اضطراب تبدد الشخصية وتبدد الواقع غالبًا ما يظهر نتيجة قلق مزمن شديد أو صدمة نفسية، خاصة في الطفولة (مثل التعرض للعنف الأسري أو الحوادث المؤلمة). يشعر المريض بانفصال عن جسده أو أن العالم غير حقيقي، وقد تصاحب الحالة أعراض قلق، اكتئاب، أو نوبات هلع. العلاج يتضمن العلاج المعرفي السلوكي، تقنيات التأريض (Grounding)، وأحيانًا أدوية مضادة للاكتئاب أو القلق.

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"أخطر السجون ليست تلك التي تُبنى حول الجسد… بل تلك التي تُشيَّد في مسرح العقل، حيث لا نعرف إن كنا ممثلين… أم مجرد دمى في يد ذاكرة جريحة."

2025/08/13 · 30 مشاهدة · 594 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026