الفصل الحادي عشر: المريض الذي لا يعرف الخوف

كانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً. المطر يضرب نوافذ المستشفى النفسي بإصرار، كأنه يحاول اقتلاع الأسرار المدفونة في جدرانه. الممرات شبه فارغة، الضوء الفلوري الخافت يرمش بين الحين والآخر، وصوت قطرات الماء المتساقطة من السقف في آخر الرواق يخلق إيقاعًا بطيئًا، كنبض قلب يحتضر.

جلست في مكتبي الصغير، يدي على ملف لم أفتحه بعد، وذهني غارق في أفكار متشابكة. كل مريض يدخل من هذا الباب يحمل معه جزءًا جديدًا من الجحيم… وأنا، كعادتي، أستقبل الجحيم بابتسامة مهنية باردة، وأخفي التآكل الذي ينهشني من الداخل.

طرق أحدهم الباب ثلاث طرقات هادئة. فتح الحارس، ودخل خلفه شاب في أواخر العشرينات، مقيد اليدين، يسير بخطى ثابتة كأنه في نزهة. لا توتر، لا ارتباك… بل ابتسامة صغيرة وكأنه يعرف شيئًا لا أعرفه. جلس دون أن أطلب منه، وراح يراقبني بثبات.

وضعت الملف أمامي وكتبت رمزًا جديدًا: (X).

> "اسمك؟"

ابتسم ولم يرد.

> "حسنًا… سأكتفي بالرمز X."

جلس مستندًا للخلف، وألقى نظرة على الحارس الخارج من الغرفة، وكأنه يودعه قبل البدء بعرضه الخاص.

> "هل تعرف لماذا أنت هنا؟"

> "لأنهم لا يفهمون."

> "يفهمون ماذا؟"

> "أن الخوف أكذوبة… وأنني ببساطة لا أمتلكها."

صمته كان أثقل من كلماته. في العادة، المجرمون الذين يجلسون أمامي يحاولون تبرير أفعالهم، يختبئون خلف كلمات ناعمة أو يلومون الظروف. هذا الرجل… لا. كان واضحًا حد القسوة.

سألته وأنا أراقب حركات وجهه:

> "أخبرني… هل ارتكبت شيئًا يستدعي جلبك إلى هنا؟"

> "ثلاثة أشياء… أو ثلاثة أشخاص، إذا أردت الدقة."

> "قتل؟"

ابتسم وكأنه يتحدث عن لعبة أطفال:

> "أحب أن أرى وجوههم في اللحظة الأخيرة. لا خوف عندي… لكن خوفهم؟ إنه فن."

كتبت في الملف: "غياب التعاطف، سلوك عدواني موجه للاستمتاع برد فعل الضحية، لا إشارة لأي شعور بالذنب أو الندم."

سألته:

> "ألم تخف من أن تمسك بك الشرطة؟"

> "لماذا أخاف؟ الموت يأتي للجميع… ولو أمسكوا بي، سأكتشف فقط كيف تبدو اللحظات الأخيرة من حياتي. تجربة جديدة."

أدركت حينها أن هذا الرجل لا يبحث عن النجاة… بل عن التجربة.

قلت له:

> "أخبرني عن طفولتك."

> "كنت مختلفًا… الأطفال الآخرون كانوا يبكون إذا سقطوا، إذا وبّخهم أحد، إذا فقدوا لعبتهم. أنا؟ كنت أضحك. أتذكر أن معلمتي قالت لأمي إنني شجاع… لكن لم تكن الشجاعة، كان الفراغ."

كان يتحدث ببرود جليدي، وكأن هذه ليست حياته بل قصة قرأها في كتاب.

> "هل ضربك أحد أو أساء إليك في الصغر؟"

> "لا… كان لدي كل شيء. بيت، طعام، ألعاب. لكن لا شيء كان يثير فيّ شيئًا. حتى حين مات جدي أمامي… لم أشعر بشيء."

دوّنت: "غياب كامل للاستجابة العاطفية منذ الطفولة، محتمل أن يكون بسبب خلل في اللوزة الدماغية، أو استعداد وراثي لاعتلال نفسي."

سألته:

> "إذا كنت لا تشعر بالخوف… فما الشيء الوحيد الذي قد يثيرك أو يقلقك؟"

هنا مال بجسده للأمام، حتى شعرت ببرودة أنفاسه:

> "أن أظل هكذا… فارغًا… للأبد."

ثم ابتسم، ابتسامة صغيرة كانت تحمل شيئًا مظلمًا، وكأنها تقول: وأنا أعرف أنك كذلك يا دكتور… لكنك تخفيه.

---

التفسير الطبي:

هذه الحالة تتوافق مع اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع وأحيانًا مع سمات الاعتلال النفسي (Psychopathy)، حيث يغيب الخوف، التعاطف، والشعور بالذنب بشكل شبه كامل. الدراسات تشير إلى أن بعض هؤلاء لديهم نشاط منخفض في اللوزة الدماغية (Amygdala)، المسؤولة عن استجابات الخوف. أسباب أخرى تشمل الوراثة، أو النشأة في بيئة تفتقر للعاطفة أو تحوي عنفًا مستمرًا. العلاج التقليدي غالبًا غير فعّال، والنهج المتبع هو التحكم بالسلوكيات لا المشاعر.

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"الخوف يحفظ البشر أحياء… ومن لا يعرفه، يظل على قيد الحياة، لكن ليس إنسانًا."

2025/08/13 · 30 مشاهدة · 557 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026