الفصل الثاني عشر: المريض الذي ينسى ذاته

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً. المطر أصبح يضرب النوافذ بغزارة أكبر، وكأن السماء نفسها تحاول غسل أصوات الصراخ المدفونة خلف الجدران. الممرات الخاوية تعكس أصداء خطواتي، والضوء الفلوري المتقطع يلقي ظلالًا ملتوية على الأرض، وكأن المستشفى نفسه يتنفس ببطء، متعب من أسراره.

جلست في مكتبي، أمامي ملف جديد لم يُفتح بعد. الهواء داخل الغرفة بارد، لا شيء سوى صوت المطر وضربات قلبي المتزايدة. شعور غريب بالخواء يملأ المكان، شعور يشبه الحلم السيء الذي لا يمكنك الاستيقاظ منه.

طرق الباب بهدوء. ثلاث طرقات، كأنها توقيع على بداية قصة جديدة. دخل الحارس، خلفه شابة في منتصف العشرينات، عيناها فارغتان، لكنها لا تبتسم ولا تخاف. جسدها مشدود، لكن هناك هزّة طفيفة في يدها اليسرى، كما لو أن جزءًا من نفسها يحاول المقاومة بلا جدوى. جلست دون أن أطلب منها، وعيوني تراقبها، وأنا أحاول قراءة لغزها الصامت.

وضعت الملف أمامي وكتبت رمزًا جديدًا: (Y).

> "اسمك؟"

لم تجب.

> "حسنًا… سأكتفي بالرمز Y."

استدارت قليلاً نحو الحارس، كأنها تودعه، ثم عادت للجلوس، عيناها تتجولان في الغرفة ببطء، تلتقط كل شيء وكأنه جزء من لعبة لا أفهم قواعدها.

> "هل تعرفين لماذا أنت هنا؟"

صمتها كان ثقيلاً، ممتلئًا بشيء لم يكن خوفًا، بل فراغًا قاسيًا.

> "لأنني أنسى… كل شيء."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيها.

> "تنسين ماذا؟"

> "نفسي… أحلامي… ذكرياتي. أحيانًا أنسى وجهي… أنسى أني موجودة."

كتبت في الملف: "فقدان متكرر للهوية، اضطراب ذاكرة متقطع، إحساس متلاشي بالذات. فقدان شعور مستمر بالربط بين الحاضر والماضي."

> "متى بدأت هذه الحالة؟"

> "منذ الصغر… كنت أنسى أشياء بسيطة… ولكن تدريجيًا أصبح كل شيء… بلا معنى. حتى الأحداث المؤلمة… لا أستطيع الاحتفاظ بها."

كان صوتها هادئًا، لكنه يترك أثرًا في المكان، كأن الكلمات نفسها تسحب الهواء من الرئة.

> "ألم يزعجك أن تنسي؟"

> "أحيانًا… أعتقد أنني أعيش في فراغ… لكن الفراغ ليس سيئًا، أحيانًا أشعر بالحرية."

لاحظت رعشة طفيفة في يديها، وتساءلت إن كان الفقدان الجزئي للذاكرة سببها جسدي أم نفسي. كتبت: "احتمال اضطراب تشنجات عصبية أو خلل في الفص الصدغي. ربما هناك استجابة ضعيفة للضغط النفسي أو الصدمات العاطفية."

> "هل تشعرين بالغضب أو الحزن أحيانًا؟"

> "لا… مشاعري تأتي وتذهب… أحيانًا أشعر بها، وأحيانًا أنساها قبل أن تتشكل."

مالت بجسدها قليلًا للأمام، عينها تلتقي بعيني، وكان هناك شعور خافت بالرهبة:

> "الشيء الوحيد الذي يقلقني… أن أنسى نفسي للأبد… وأن أصبح مجرد صدى."

ابتسمت ابتسامة قصيرة، لكنها كانت محملة برمز غامض، وكأنها تقول: وأنا أعرفك، دكتور… لكنك تختبئ خلف أدواتك.

---

التفسير الطبي:

هذه الحالة تشير إلى اضطراب تفكك الهوية وفقدان الذاكرة الجزئي (Dissociative Amnesia / Dissociative Identity Disorder). المرضى يواجهون صعوبة في الحفاظ على استمرارية الوعي بالذات، وقد ينسون الأحداث أو هوياتهم أو حتى مشاعرهم. الأسباب غالبًا تشمل الصدمات النفسية المبكرة أو خلل في وظائف الدماغ المسؤولة عن حفظ الذاكرة والهوية (الفص الصدغي والحصين). العلاج التقليدي يركز على إعادة ربط الذكريات المفقودة وتعليم المريض تقنيات التثبيت الذهني والسيطرة على الانفصال.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"الذاكرة تبقينا مرتبطين بالواقع… ومن ينسى ذاته، يعيش بين الضباب… حيًّا، لكنه بلا ظل."

2025/08/13 · 19 مشاهدة · 489 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026