الفصل الرابع عشر: المريض الذي يأكل الحقيقة
كانت الساعة تشير إلى الخامسة عصرًا، لكن شعرت وكأن الوقت قد تجمد. الغرفة باهتة الضوء، والظل يملأ كل زاوية، فيما المصابيح الفلورية ترسم خطوطًا ملتوية على الأرض والجدران. المطر توقف مؤقتًا، تاركًا صمتًا ثقيلاً، كأن المستشفى نفسه يترقب وصول المريض الجديد.
دخل المريض بخطوات بطيئة، صامتة، عيونه تحدق في أي شيء إلا بي، جسده مشدود، يلتف حول نفسه كما لو كان يحاول حبس شيء داخلي لا يستطيع إخراجه. جلست أراقبه، أحاول قراءة أي علامة على شعور أو خوف، لكنه لم يظهر شيئًا، فقط صمت طويل كقشرة صلبة تحمي فراغه الداخلي.
وضعت الملف أمامي، وبدأت الكتابة: "اضطراب إدراكي نفسي مع تشويه الواقع، الميل إلى إنكار الحقيقة والتعامل معها بطريقة هجومية ذاتية، احتمالية اضطراب فصّي مرتبط بالتهرب النفسي المزمن."
> "هل تعرف لماذا أنت هنا؟"
رفع عينيه نحوي، لكن لم ينبس بكلمة، فقط نظر صامتًا، كأنه يقيس حدود المكان قبل أن يفتح فمه.
> "هل تستطيع أن تخبرني بما تشعر به؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت محملة بوزن غير مرئي:
> "أحيانًا… أبتلع الحقائق… أبتلع ما يحدث حولي… أعيش في عوالم أخلقها بنفسي… كل ما يزعجني، أتناوله كطعام، أبتلعه، ثم يختفي."
> "ماذا تقصد بالحقائق؟"
> "كل شيء… الكذب… الصراخ… الظلم… الكلمات التي تؤذي… أحيانًا الحقيقة نفسها ثقيلة جدًا… فأبتلعها كي أتمكن من العيش."
كانت يديه متشابكتين بإحكام على ركبتيه، وظهر توتر واضح في كل عضلة. كل حركة جسدية كانت لغة صامتة لمعركة داخلية مستمرة، كأن كل ابتلاع للحقائق يترك أثرًا جسديًا ملموسًا.
> "هل بدأت هذه العادة منذ الصغر؟"
> "نعم… كنت أراقب ما يحدث في المنزل… الكذب… الصمت… الصراخ… كنت أبتلع كل شيء كي أتمكن من البقاء. كلما كبرت، أصبح أكثر مهارة… أكثر قسوة… أحيانًا أنسى أن العالم حقيقي."
سألتُه عن تأثير ذلك على حياته اليومية:
> "هل تشعر أن ابتلاعك للحقائق يعيقك؟"
هز رأسه ببطء:
> "أحيانًا… أعيش في عوالمي… أحيانا أبتلع أشياء صغيرة… وأكتشف أني ابتلعت أيضًا الفراغ بداخلي… وأن العالم لم يعد لي… فقط أنا وابتلاع الحقائق."
> "ما الشيء الوحيد الذي يقلقك؟"
اقترب قليلاً، عيناه تحويان وهجًا خافتًا من خوف خفي:
> "أن أبتلع نفسي… أن أبتلع كل شيء… وأن أكتشف أن الحقيقة الوحيدة المتبقية هي الصمت الذي يبتلعني."
ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها محملة برمز غامض، كأنها تقول: وأنا أعرفك، دكتور… لكنك تختبئ خلف كلماتك وإجراءاتك، وتحاول ألا تبتلع شيئًا من نفسك.
---
التفسير الطبي:
هذه الحالة تشير إلى اضطراب إدراكي نفسي مع ميل هجومي نحو إنكار الواقع. المريض يتعامل مع الحقيقة بطريقة هجومية، "يبتلع" الأحداث أو المواقف المؤلمة بدلاً من مواجهتها، ما يؤدي إلى تشويه إدراكه للواقع وفقدان القدرة على التفاعل الطبيعي. الأسباب غالبًا مرتبطة بصدمات الطفولة، بيئة مليئة بالكبت أو القسوة، أو استعداد نفسي للتجنب المزمن. العلاج يركز على مواجهة الواقع تدريجيًا، تطوير استراتيجيات للتعامل مع الحقائق، وربط الإدراك بالعاطفة بطريقة آمنة.
---
الملاحظة الرمزية للطبيب:
"الحقيقة طعام الروح… ومن يبتلعها كلها، يعيش حيًّا… لكنه بلا صدى، بلا مرآة، بلا هوية."