الفصل الخامس عشر: المريض الذي يختبئ من الضوء

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً. المطر يضرب نوافذ المستشفى بحزم، يتراقص على الزجاج كما لو كان يحاول الدخول إلى الداخل، أو إخراج شيء مخفي. الهواء في الغرفة بارد، رطوبة خفيفة تجعل الأوراق تتقوس على المكتب، والضوء الفلوري الخافت يتقاطع مع الظلال، مكونًا شبكة من الخطوط الملتوية على الأرض والجدران.

الممرات صامتة، باستثناء صدى خطواتي على البلاط المبلل، وصرير باب يفتح ويغلق في نهاية الرواق. كل شيء يبدو كأنه يراقبنا، كأن المستشفى نفسه يتنفس ببطء، متعب من أسراره المخفية.

دخل المريض، خطواته هادئة، لكنه كان يتوقف أحيانًا وكأنه يحاول أن يلمس أي شيء صلب حوله ليتأكد من وجوده. كان يرتدي ملابس فضفاضة، لكن يديه مضمومتان بشدة إلى الصدر، كما لو أنه يحاول حبس شيء بداخله. عينيه لم تلتق عيني مباشرة، بل كانت تبحث عن زوايا الغرفة، عن الضوء الذي يرفضه، عن الظل الذي يرحب به.

جلست على الكرسي خلف المكتب، وأنا أراقب كل حركة. وضع الملف أمامي، وبدأت الكتابة: "اضطراب خوف من الضوء (Photophobia) نفسي شديد، مصحوب بقلق شديد وانسحاب اجتماعي، احتمالية اضطراب قلق عام مرتبط بالصدمات البيئية أو العصبية."

> "هل تعرف لماذا أنت هنا؟"

رفع رأسه قليلًا، لكنه لم ينطق. بدلاً من ذلك، أغمض عينيه سريعًا، ثم ألقى نظرة خاطفة على المصباح الفلوري فوقنا، كما لو أنه يكاد يتحرق بنظرة واحدة.

> "يبدو أنك… تخاف من الضوء."

أومأ برأسه ببطء، شفتيه تتحركان دون صوت، كأنه يحاول الكلام لكنه لم يستطع إخراج أي حرف:

> "كلما أضاء الضوء… أرى كل شيء… أرى وجوه الناس… أسمع كل شيء… وكأن كل شيء يقتحم عقلي… أحتاج للظلام."

اقترب قليلاً من الحائط، وجلس على الأرض، ظهره مائلًا على الجدار، ويداه تغطيان عينيه. كل حركة جسدية كانت صامتة لكنها تعكس الخوف، الانسحاب، والتوتر المستمر.

> "ماذا تشعر عندما يسطع الضوء عليك؟"

تنهد بعمق، وكأن الهواء نفسه ثقيل جدًا:

> "أشعر بالضغط… يضغط على رأسي… على عقلي… أحيانًا يختفي كل شيء بداخلي… أختنق… أحتاج للظلام كي أتنفس."

> "هل حاولت من قبل مواجهة الضوء؟"

هز رأسه ببطء، ورفع إحدى يديه لتغطية عينيه للحظة، ثم أسقطها على ركبتيه:

> "حاولت… أحيانًا أجلس في الشمس… أحيانًا أفتح النوافذ… لكن الألم لا يذهب… أحيانًا أضطر للهرب… الهروب هو الحل الوحيد."

سألته عن طفولته:

> "هل كنت تخاف من الضوء منذ الصغر؟"

> "نعم… كنت أختبئ تحت الأسرة، خلف الستائر… أحيانًا في خزانة الملابس… والضوء كان يلاحقني… كنت أسمع صوت أمي يقول إن الظلام ليس سيئًا… لكن الضوء كان العدو."

لاحظت ارتعاشة خفيفة في كتفيه، وذبذبة في أصابعه على الأرض، وكأن كل شعور داخلي ينتقل إلى جسده بطريقة جسدية واضحة.

> "ما الشيء الوحيد الذي يقلقك الآن؟"

نظر إليّ أخيرًا، عيناه مليئتان بوميض خافت من الخوف والاحتياج:

> "أن أظل مضطرًا لرؤية الضوء… أن يقتحمني كل شيء… أن أخرج من الظل… وأكتشف أن العالم كله صار ضوءًا لا أستطيع الاحتماء منه."

ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها كانت محملة برمز غامض، وكأنها تقول: وأنا أعرفك، دكتور… أنت أيضًا تخاف من شيء ما… لكنك تختبئ خلف الملفات والإجراءات.

---

التفسير الطبي:

هذه الحالة تشير إلى فوبيا شديدة من الضوء (Photophobia) مرتبطة باضطراب القلق العام. المريض يتجنب الضوء بشكل كامل تقريبًا، مما يخلق انسحابًا اجتماعيًا شديدًا ويؤثر على النوم، التفاعل الاجتماعي، والقدرة على أداء الأنشطة اليومية. الأسباب قد تشمل صدمات الطفولة، حساسية عصبية، أو استجابات جسدية متطرفة للضوء. العلاج يركز على التعرض التدريجي، تقنيات الاسترخاء، وإعادة ربط الضوء بالسلام الداخلي بطريقة آمنة.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"الضوء يكشفنا… ومن يهرب منه، يعيش في الظل… حيًّا، لكنه دائمًا في معركة صامتة مع العالم."

2025/08/13 · 19 مشاهدة · 557 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026