الفصل السادس عشر: المريض الذي يختبئ في الصدى

كانت السماء في ذلك الصباح ملبدة بسحب رمادية ثقيلة، المطر لم ينزل بعد، لكنه كان يتجمع في الهواء، في رائحة التراب البارد، وفي إحساس غريب يجعل الأنفاس بطيئة وثقيلة. المستشفى بدا أكثر عزلة من المعتاد، مبناه العتيق ذو الجدران الرمادية المشققة يشبه قلعة سقطت من ذاكرة مدينة قديمة. الطيور توقفت عن التحليق، وحتى الريح كانت وكأنها تنتظر شيئًا قبل أن تبدأ حركتها من جديد.

عند دخولك البوابة الحديدية الكبيرة، تسمع صريرها الحاد الذي يطعن الأذن، ثم خطى الحارس الثقيلة على البلاط الرطب. الأشجار العالية على جانبي الممر تتمايل ببطء، لكن أغصانها تتشابك فوقك لتكوّن سقفًا قاتمًا يمنع الضوء عن الوصول كاملًا. كلما اقتربت من المبنى الرئيسي، تشعر بأنك تدخل شيئًا أعمق من مكان للعلاج… كأنك تدخل إلى بطن مخلوق ضخم نائم، كل حجر فيه يتذكر صراخًا قديمًا.

الممر الداخلي طويل، جدرانه مغطاة بطبقة طلاء باهتة، ربما كانت بيضاء في يوم ما، لكنها الآن خليط من الأصفر الباهت والبقع الرمادية. رائحة المطهرات تختلط برائحة رطوبة قديمة، وكأن شيئًا في هذا المكان لم يجف أبدًا. أضواء الفلور تتوزع على السقف على مسافات غير متساوية، بعضها يرمش على فترات، فتخلق ومضات عابرة تفضح الظلال ثم تتركها تعود للاختباء.

اليوم كان هادئًا على نحو غير مريح. أصوات المرضى في الطابق العلوي تكاد تكون معدومة، وكأنهم جميعًا قرروا النوم في وقت واحد، أو أنهم يراقبون بصمت من خلف الأبواب المغلقة. حتى أصوات الممرضين كانت أضعف، محادثاتهم مقتضبة، خطواتهم أسرع من المعتاد، وكأن الجميع يريد إنهاء عمله بأسرع ما يمكن، والاختفاء من هذا الجو المعلّق.

غرفة العلاج النفسي تقع في نهاية الممر، بابها الخشبي القديم يحمل خدوشًا صغيرة، بعضها أفقي وكأنه نتج عن أظافر، وبعضها عمودي وكأنه أثر أداة معدنية. دخلت الغرفة، وأغلق الباب ببطء، الصوت الخافت للإغلاق بدا وكأنه ينفصل عن بقية الأصوات في المبنى، ليخلق عزلة فورية.

الغرفة نفسها كانت أكبر بقليل من المكاتب الأخرى، جدارها الأيسر يحتضن نافذة طويلة لكن زجاجها معتم بطبقة من الغبار، مما يسمح بدخول ضوء باهت فقط. الستائر الرمادية مُسحوبة إلى الجانبين، لكنها لم تغيّر من خفوت الجو. على الجانب الأيمن، خزانة صغيرة تحوي ملفات مرتبة بفوضى منظمة، أوراق بارزة من بعضها، وكأنها تحاول الهرب من أسرها. المكتب في الوسط ثقيل مصنوع من خشب داكن، عليه آثار خدوش قديمة ودوائر مائية خلفتها أكواب الشاي والقهوة التي شربت هنا على مدى سنوات.

كرسيك يقف خلف المكتب، مواجهًا لكرسي آخر خالٍ، مسافة صغيرة بينهما تكفي لتبقي المريض قريبًا، لكن ليس قريبًا جدًا. على الطاولة، ملف جديد لم يُفتح بعد، بجانبه قلم معدني بارد الملمس. خلفك رف قصير عليه ساعة حائط صغيرة تتحرك عقاربها ببطء، حتى أن صوتها يكاد يُسمع في لحظات الصمت التام.

جلست على الكرسي، أعدت ترتيب القلم أمامك، ثم وضعت يدك على الملف دون أن تفتحه. لحظة صمت طويلة مرت، قبل أن تسمع طرقًا خافتًا على الباب… ثلاث طرقات متباعدة، وكأن الطارق كان يقيس الوقت بين كل طرقة وأخرى.

دخل المريض. كان طويل القامة، نحيفًا بطريقة مبالغ فيها، كتفاه منحنية إلى الأمام وكأنه اعتاد الانكماش، رأسه منخفض قليلًا، عيناه تتجنبان النظر مباشرة إليك، لكنه يرفعها أحيانًا وكأن شيئًا داخله يريد التحديق. خطواته كانت خفيفة، لكنها تصدر صوتًا واضحًا على أرضية الغرفة، كصوت شيء مجوف يلامس الخشب.

جلس ببطء على الكرسي المقابل، ووضع كفيه على ركبتيه، لكن أصابعه كانت تتحرك بلا توقف، تطرق على ركبتيه بإيقاع غير منتظم، وكأنها تبحث عن لحن لا يعرفه إلا هو.

بدأت الحديث:

> "كيف تشعر اليوم؟"

ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض، كأنه يخاف أن يسمعه شخص خلف الجدران:

> "لا أشعر… إلا بالصدى."

> "الصدى؟"

أومأ برأسه، وعيناه تتجهان نحو الجدار الأيسر:

> "كل كلمة أسمعها… لا تنتهي… تعود إليّ… تتضاعف… تبقى في رأسي… حتى أصوات أنفاسي… حتى صوتي وأنا أتكلم معك الآن… سيعود لي بعد قليل… ولن يذهب."

لاحظت أن جسده يتحرك مع كل كلمة، كتفاه ترتفعان قليلًا وكأنه يتهيأ لارتداد الصوت إليه.

> "منذ متى تشعر بهذا؟"

> "منذ… الحادث."

> "أي حادث؟"

ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها كانت خالية من أي دفء:

> "كنت في نفق… سيارة مسرعة… ضوء قوي… صرخة… ثم الظلام. عندما استيقظت… كان الصدى أول من رحّب بي."

جلس أكثر انكماشًا في كرسيه، وكأنه يريد الاختفاء في نفسه.

> "لا أستطيع النوم… حتى في الصمت أسمع الصدى… أسمع خطواتي القديمة، ضحكاتي القديمة… وحتى الكلمات التي تمنيت لو لم أقلها."

كتبت في ملاحظتي: "احتمالية اضطراب سمعي نفسي بعد صدمة دماغية، مع قلق مزمن، وهلاوس سمعية متكررة".

> "هل الصدى يجعلك تخاف؟"

> "الخوف؟ لا… لكنه يستهلكني… كل صوت يصبح أكثر من صوت… كل كلمة تتحول إلى جدار يحيط بي… حتى أنني أحيانًا أشعر أنني لم أعد أعيش في الواقع… بل أعيش في ارتداداته."

كانت أصابعه الآن تضغط على ركبتيه بقوة، كما لو كان يحاول الإمساك بشيء ثابت وسط كل هذا الارتداد.

---

التفسير الطبي:

الحالة قد تتوافق مع اضطراب المعالجة السمعية (Auditory Processing Disorder) أو هلاوس سمعية مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). قد تكون ناجمة عن إصابة دماغية أو صدمة نفسية قوية، حيث يتغير إدراك المريض للأصوات، فتصبح متضخمة أو متكررة على شكل صدى دائم. العلاج يتضمن المزيج بين الجلسات النفسية لتقليل القلق، وتمارين إعادة التأهيل السمعي، وأحيانًا الأدوية المهدئة.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"بعض الأصوات لا تختفي أبدًا… هي تختبئ في جدران عقولنا، وتعود إلينا كلما ظننا أننا نجونا منها."

2025/08/13 · 21 مشاهدة · 832 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026