الفصل السابع عشر: المريض الذي كان ميتًا

كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً، والمستشفى النفسي غارق في صمت ثقيل، كأن الجدران نفسها حابسة لأنفاسها. المطر في الخارج لم يكن ينهمر… بل كان يضرب النوافذ بعنف، كأصابع تريد اقتلاع الزجاج. رائحة المطهرات اختلطت برائحة رطوبة قديمة، تلتصق في أنفك ولا تغادر. في الممرات الطويلة، كان الضوء الفلوري يرمش كل بضع ثوانٍ، والظل الذي يلقيه على الجدران يتراقص ببطء، وكأن المكان يتنفس على إيقاع خاص به.

غرفة العلاج كانت باردة على نحو غير مبرر، حتى مع وجود المدفأة الصغيرة في الزاوية. الطاولة المعدنية أمامي كانت تعكس الضوء الخافت، والكرسي الجلدي الذي أجلس عليه يطلق صريرًا مع كل حركة، كأن حتى الأثاث يراقبني. شعرت بضغط غامض في صدري، ليس خوفًا صريحًا، لكن إحساسًا ثقيلًا بأن القادم لن يكون عاديًا.

وضعت ملفًا جديدًا أمامي، لم أفتحه بعد. هناك شيء في فكرة "الفراغ" التي تحيط بالمريض قبل رؤيته… أشبه بالانتظار أمام باب غرفة عمليات قبل أن تُفتح.

طرق الحارس الباب ثلاث طرق متباعدة. دخل أولًا ليتأكد أن كل شيء جاهز، ثم انسحب، وتركه يدخل.

كان المريض طويلًا، نحيفًا بشكل غير صحي، كتفاه منحنيتان للأمام كما لو أن وزنه كله يسحبه إلى الأرض. جلده شاحب، أقرب إلى الرماد منه إلى لون بشري. عيناه غائرتان عميقًا، محاطتان بهالات داكنة كأن النوم هجره منذ سنوات. مشيته بطيئة، لكن ليس من الإرهاق، بل كأن كل خطوة محسوبة، ثقيلة، و… خالية من الحياة.

جلس على الكرسي المقابل دون أن أطلب منه، ووضع يديه على ركبتيه بثبات غريب. كان يحدق في الطاولة بيننا، لا في وجهي، وكأنني مجرد ظل أمامه.

> "هل تعرف لماذا أنت هنا؟"

رفع رأسه ببطء شديد، وعندما تكلم، كان صوته أجشّ، مبحوحًا، وكأنه صادر من حلق جاف منذ زمن:

> "أنا لست هنا."

> "لكنني أراك أمامي."

> "ما تراه هو الجسد فقط… أما أنا فقد مت منذ ثلاثة أشهر."

ارتجفت أصابعي، لكني ثبّت القلم على الورقة، أحاول أن أبدو ثابتًا.

> "كيف… مت؟"

> "في البداية لم ألاحظ… كنت أعيش أيامي كالمعتاد. ثم بدأ قلبي يتباطأ، توقفت عن الشعور بالجوع أو العطش. في إحدى الليالي استيقظت، ولم يكن هناك أي صوت داخلي… لا نبض، لا دفء… فقط فراغ. حينها فهمت أنني لم أعد حيًا."

كان يتكلم بلا انفعال، وكأنه يروي حدثًا علميًا باردًا.

> "وهل حاولت التأكد؟"

ابتسم ابتسامة باهتة، وقال:

> "هل يمكن للجثة أن تقرر إذا كانت حية أم لا؟"

مدّ يده ببطء إلى صدره، وضغط على مكان قلبه.

> "هنا… لا شيء. حتى الهواء الذي أتنفسه ليس لي. يدخل… ولا أشعر به."

> "إذًا… لماذا أتيت إلى المستشفى؟"

> "لم آتِ… هو الذي جاء بي."

> "من هو؟"

توقفت عيناه عن النظر إليّ، وحدّق في الجدار خلفي، كما لو أنه يراه يتحرك.

> "الرجل الذي يزورني في الليل. طويل، بوجه مغطى. يجلس بجانبي، ويخبرني أن موتي ليس كافيًا… وأن عليّ أن أجعل الآخرين يلحقون بي."

شعرت بشيء من البرد يزحف على ظهري.

> "وماذا تفعل حين يقول لك ذلك؟"

> "أحيانًا أستمع… وأحيانًا أتخيله يختفي. لكن في الليالي الأخيرة، صرت أرى وجوهًا أخرى خلفه، وجوهكم جميعًا… وأسمع صوتًا يهمس: دوركم قريب."

عند هذه النقطة، أخرج شيئًا من جيبه ببطء شديد. الحارس كان قد شدّ قبضته على عصاه، لكن المريض لم يكن يحمل سلاحًا… بل قصاصة ورق صغيرة. وضعها أمامي، مكتوب عليها بخط متعرج: "أنت التالي".

ظل يبتسم، لكن عينيه لم تتحركا عن وجهي.

---

التشخيص الطبي:

هذه الحالة تتوافق مع متلازمة كوتار (Cotard's Syndrome)، وهو اضطراب نادر للغاية، يتسم بإنكار الحياة أو الاعتقاد بالموت، وقد يتطور لمرحلة يعتقد فيها المريض أن أعضاءه الداخلية قد توقفت عن العمل أو اختفت تمامًا.

الأسباب المحتملة:

اضطرابات دماغية (مثل إصابات الفص الجبهي أو الصدغي).

الاكتئاب الذهاني الحاد.

الفصام المزمن أو الاضطراب ثنائي القطب في نوباته الذهانية.

أمثلة واقعية:

مريضة في فرنسا رفضت الأكل لأسابيع لأنها كانت مقتنعة بأنها ميتة، وانتهى بها الأمر في العناية المركزة.

رجل كان يزور المقابر كل صباح لأنه كان يعتقد أنها منزله الحقيقي، وكان يطلب من الناس أن "يدفنوه بشكل لائق".

حالات أخرى شهدت اندفاعًا لإيذاء الآخرين، باعتبار أن إيصالهم إلى "الموت" هو إنقاذ لهم من الحياة.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"ليس أسوأ من أن تموت… سوى أن تستمر في العيش وأنت مقتنع أنك جثة."

كتبت هذه الجملة، لكن مع كل حرف، شعرت بأن شيئًا في داخلي يذبل أكثر… ربما أنا أيضًا أتحرك بين هؤلاء المرضى كجسد، بينما عقلي وروحي تركاني منذ زمن. ومع ذلك، ما زلت أبتسم… لأن هذه هي مهنتي.

2025/08/13 · 62 مشاهدة · 699 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026