الفصل الثامن عشر: المريض الذي لم يتوقف عن الكذب
لم تكن الليلة باردة… لكنها شعرت كأنها تحاول أن تكون. الهواء في المستشفى أثقل من المعتاد، جاف لكنه يلسع الحلق. الممرات بدت أطول، كما لو أنني كلما تقدمت خطوة، انحنت الجدران قليلًا إلى الداخل، تضيق الخناق. الضوء الفلوري هنا كان ثابتًا، لكنه حاد لدرجة أن كل شيء تحته بدا بلا ألوان، حتى وجوه الممرضين الشاحبة.
وصلت إلى غرفة العلاج وأنا أشعر بضغط خفيف في جانبي الأيسر، ربما من القلق، أو من فكرة أن هذا المريض بالذات… لم يكن يشبه أي حالة رأيتها من قبل.
الملف أمامي مكتوب عليه عبارة غريبة بخط يد زميلي: "انتبه، كل ما يقوله سيكون كذبًا… حتى عندما يبدو صادقًا."
طرق الباب، ودخل الحارس أولًا، ثم تبعه المريض.
كان في منتصف الثلاثينيات، لكن ملامحه جعلت عمره يبدو غير محدد. عيناه كانتا هادئتين بشكل غير مريح، فمه مرسوم في نصف ابتسامة وكأنه يحضر نكتة لا ينوي قولها. جلس بلا طلب، وضع قدماً على الأخرى، وأسند ذقنه على يده، كما لو كان هو الطبيب وأنا المريض.
> "هل تعرف سبب وجودك هنا؟"
ابتسم:
> "طبعًا… أنا هنا لأني قتلت شخصين."
كتبت الملاحظة الأولى، لكن قبل أن أكمل، قال:
> "أمزح، لم أقتل أحدًا."
رفعت عيني عن الورقة، لكنه كان يراقبني بدقة:
> "أحيانًا أمزح فقط… أو ربما لا."
> "هل يحدث هذا معك دائمًا؟"
> "ماذا تقصد؟"
> "أن تقول شيئًا ثم تنفيه فورًا؟"
ابتسم مرة أخرى، هذه المرة أوسع:
> "لا… أو نعم… لا أعرف، وأعرف جيدًا."
بدأت ألاحظ أن إيقاع كلامه مقصود، كل جملة تصطدم بعقلك ثم ينقضها، وكأنه يريد أن يكسرك ببطء.
> "حسنًا… دعنا نتكلم عن طفولتك."
> "كانت مثالية… مليئة بالحب والدفء." (توقف قليلًا)
"في الحقيقة، كانت جحيمًا، مليئة بالعنف والصراخ."
> "أي منهما صحيح؟"
> "كلاهما… أو لا شيء منهما. أيهما يجعلني أبدو أتعس؟ اختره."
في منتصف الجلسة، بدأ يخبرني عن حادثة في عمله السابق، كيف أنقذ زميلًا من الموت. وبعد أن أنهى القصة، نظر في عيني وقال:
> "أتدري؟ لم يحدث أي شيء من هذا. كنت فقط أرى كم ستصدق."
---
التشخيص الطبي:
الحالة تتوافق مع متلازمة باثولوجية الكذب (Pseudologia Fantastica)، وهي اضطراب نادر يدفع المريض إلى اختلاق الأكاذيب بشكل مرضي، أحيانًا بلا هدف واضح سوى السيطرة على إدراك الآخرين.
الأسباب المحتملة:
اضطراب في الشخصية (خصوصًا الشخصية النرجسية أو المعادية للمجتمع).
إصابات في الدماغ (الفص الجبهي).
تجارب طفولة قاسية تؤدي إلى بناء عالم بديل للهروب.
أمثلة واقعية:
شخص ادعى لسنوات أنه كان طبيبًا في الحرب، حتى في حضور أطباء حقيقيين، رغم أنه لم يكمل المدرسة.
امرأة أخبرت أسرتها بأنها مصابة بالسرطان وتلقت تبرعات لعلاجها… ثم اكتُشف أنها كانت سليمة تمامًا.
رجل كان يخترع قصصًا عن كوارث نجا منها، وكل مرة كانت القصة تتغير عند تكرارها.
---
الملاحظة الرمزية للطبيب:
"الكذب، إذا ظل متواصلًا، لا يُهلك الحقيقة فقط… بل يلتهم العقل نفسه، حتى يصبح صاحبه غريبًا عن ذاته."
وأنا أكتب هذه العبارة، لم أستطع تجاهل أنني أنا أيضًا أرتدي قناعًا أمام الجميع… وأن ابتسامتي اليومية ربما ليست إلا كذبة أتقنتها لسنوات.