الفصل التاسع عشر: المريض الذي كان يسمع الموت

كان اليوم هادئًا بشكل مريب. في المستشفى النفسي، الهدوء لا يعني السلام… بل يعني أن شيئًا ما يختبئ خلف الجدران.

الممرات مظلمة أكثر من المعتاد، كأن الضوء نفسه كان خائفًا من الدخول. أصوات العجلات المعدنية لعربة أحد الممرضين تتردد في البعيد، متقطعة كنبض قلب على وشك التوقف. رائحة المعقم اختلطت برائحة رطوبة قديمة، تلتصق بالأنفاس ولا تغادر.

جلست في مكتبي، أحاول قراءة ملف المريض التالي، لكنني توقفت عند أول سطر:

"يدّعي أنه يسمع أصواتًا قبل موت أي شخص… بأيام أو ساعات."

شعرت بانقباض في معدتي، ليس خوفًا بالمعنى المباشر، بل ذلك النوع من القلق الذي يجعلك تتساءل إن كنت مستعدًا لسماع ما سيُقال.

طرق الحارس الباب، ودخل المريض. كان رجلاً في أوائل الأربعينيات، بوجه باهت وعينين غائرتين، وكأنه لم ينم منذ أسابيع. مشى بخطى بطيئة، وجلس على الكرسي مقابلي، لكن لم يرفع رأسه.

> "هل تعرف سبب وجودك هنا؟"

> "لأنني قلت الحقيقة… وهذا أزعجهم."

> "وأي حقيقة هذه؟"

> "أنني أعرف متى سيموت الناس… لأنني أسمع أصواتهم قبل ذلك."

توقفت يدي عن الكتابة للحظة:

> "أصواتهم؟ تقصد ماذا بالضبط؟"

> "إنه همس… قريب جدًا من أذني، كأنهم يلتقطون آخر أنفاسهم داخلي."

> "منذ متى يحدث هذا معك؟"

> "منذ أن كنت في السابعة. ماتت جدتي، وكنت قد سمعت صوتها قبلها بيومين، وهي تقول: لقد حان وقتي. لم أكن أفهم، لكنني كنت خائفًا."

بدأ يصف كيف أن الأصوات ليست ثابتة… أحيانًا تأتي قبل الموت بدقائق، وأحيانًا قبل أسابيع. أحيانًا يسمعها في منتصف الليل، وأحيانًا وسط الزحام. لكنه يؤكد شيئًا واحدًا: لم يخطئ أبدًا.

> "ومتى كانت آخر مرة سمعت فيها هذه الأصوات؟"

هنا رفع رأسه للمرة الأولى، ونظر مباشرة في عيني:

> "قبل أن أدخل هذه الغرفة… سمعت صوتك."

تجمد الهواء بيننا. شعرت ببرودة عميقة في صدري، لكنها لم تكن من الغرفة.

> "هل تقول إنني سأموت؟"

ابتسم بخفة، لكنها كانت ابتسامة حزينة:

> "لا أقول شيئًا… الأصوات هي التي تقول."

---

التشخيص الطبي:

الاحتمال الأقرب هو اضطراب الهلوسات السمعية التنبؤية (Premonitory Auditory Hallucinations)، وهو نادر للغاية وغير مثبت علميًا بشكل قاطع. غالبًا ما يُصنَّف ضمن الذهان أو الفصام البارانويدي، لكن بعض الحالات مرتبطة باضطراب الصرع الفص الصدغي أو إصابات دماغية.

الأسباب المحتملة:

نشاط كهربائي غير طبيعي في الفص الصدغي الأيسر، المسؤول عن معالجة الأصوات.

اضطراب نفسي عميق يجعل المريض يربط الأحداث العشوائية بالموت.

صدمات نفسية متكررة مرتبطة بفقدان أشخاص في سن مبكرة.

أمثلة واقعية:

مريض في بريطانيا عام 1984 أخبر الأطباء أن جارته ستموت بعد ثلاثة أيام لأنه "سمعها" تبكي في أذنه… وتوفيت بالفعل في حادث.

امرأة من المكسيك كانت تسمع أصواتًا لأشخاص لا تعرفهم، وكانت تحدد وقت وفاتهم بدقة قبل حدوثه.

في اليابان، وثّق طبيب نفسي حالة رجل يسمع أصوات مرضاه قبل موتهم في المستشفى.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"بعض الأصوات لا تأتي من الخارج… بل من أعماقنا، تذكّرنا بأننا لسنا بعيدين عن نهايتنا كما نحب أن نعتقد."

وأنا أكتب هذه الكلمات، لم أعد واثقًا إن كان ما شعرت به قبل قليل مجرد إيحاء… أم بداية همس ينتظر وقته.

2025/08/13 · 25 مشاهدة · 479 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026