المريض رقم 9

كان المريض رقم 9 يقف أمام باب العيادة كأنه أمام بوابة مقبرة، يتردد قبل أن يرفع يده ليدفعه. كان جسده كله منكمشًا إلى الداخل، وكتفاه منحنيين كمن يجر ثقلاً خفيًا لا يراه أحد سواه. حين دخل، لم يرفع رأسه، عيناه كانتا تحدقان في الأرض وكأنها أكثر أمانًا من وجهي.

خطواته بطيئة، لكنه كان يحرك أصابعه باستمرار، يضغط عليها ويتركها، كما لو كان يعدّ شيئًا لا يستطيع إيقافه.

أشرت له بالجلوس، فجلس على الحافة فقط، كأنه مستعد للهرب في أي لحظة.

قلت له بصوت هادئ:

> "أنا هنا لأسمعك… لن أُجبرك على قول شيء، لكن ما تقوله قد يساعد."

رفع رأسه قليلًا، وبدت في عينيه تلك النظرة التي رأيتها كثيرًا في مرضى الذهان… خليط من الخوف والفضول، والانكسار الذي لم يعد يجد له معنى.

قال بصوت مبحوح:

> "الناس يظنون أنني أسمع أصواتًا… لكنهم أغبياء… إنها ليست أصوات… إنها الجدران."

سكت لحظة، ثم أضاف وهو يحدق في الجدار خلفي:

> "الجدران تهمس لي كل ليلة… تخبرني أنهم قادمون… وأن عليّ ألا أنام. النوم يجعلني أضعف."

راقبته وهو يتكلم… كان يهز ركبته اليمنى بعصبية، وعرق بارد يتسلل من جبينه رغم أن الغرفة باردة.

سألته:

> "ومن هم الذين سيأتون؟"

ابتسم ابتسامة مشوهة، وقال بهدوء أقرب للهمس:

> "الذين يختبئون خلف العيون… أنت تعرفهم… أليس كذلك؟"

تجمدت يدي فوق دفتر الملاحظات، لكنني أخفيت الأمر بابتسامة مهنية.

أجاب قبل أن أسأله مجددًا:

> "في الليلة الماضية، أمرتني الجدران أن أقطع سلك المصباح… حتى لا يروني. حتى لا يزرعوا أفكارهم في دماغي."

توقفت، ثم سألته:

> "وهل فعلت ذلك؟"

قال بثقة غريبة:

> "بالطبع. لا أريدهم أن يعرفوا أين أختبئ."

---

بدأت أربط بين الأعراض:

هلاوس سمعية واضحة، لكن بشكل مميز: الأصوات ليست "أصوات بشرية" بل تُسقط على الجماد.

منظومة اضطهادية متماسكة، تعطيه إحساسًا بأن كل ما حوله يتآمر عليه.

سلوكيات وقائية (قطع الكهرباء، تجنب النظر في العيون) نتيجة خوفه المَرَضي.

سألته عن طفولته، فقال بلا مبالاة غريبة:

> "كنت أعيش في غرفة صغيرة… كان أبي يصرخ كثيرًا، وأمي تبكي أكثر. كنت أسمع أصواتًا منذ الصغر، لكنهم قالوا إنها أحلام يقظة… حتى بدأت الجدران تتكلم."

أدركت أن مرضه ليس وليد اللحظة… بل جذوره قديمة، ممتدة في صدمات طفولية غير معالجة، وأجواء منزلية مليئة بالعنف النفسي.

---

التشخيص الطبي:

اضطراب فصامي بارانويدي، مع هلاوس سمعية متجسدة في عناصر بيئية (الجدران)، وأفكار اضطهادية مترسخة منذ الطفولة. يحتاج إلى علاج دوائي مضاد للذهان، ومتابعة مكثفة مع جلسات علاج معرفي سلوكي، وبيئة علاجية خالية من أي محفزات تعزز منظومة الهلوسة.

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"أحيانًا، حين يطول الصمت، تبدأ الجدران في الغناء… لكن أغنيتها ليست لنا، بل للذين يسكنون رأس المريض وحده."

2025/08/13 · 46 مشاهدة · 415 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026